طمع الأقارب حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
على الكنبة، يحس بدموعه محبوسة في عينيه من القهر. أخته في الدور التاني ما كانتش بتعمل له غير بطاطس محمرة وشوية جبنة قريش وتمن عليه بيهم كل يا أشرف ده الزيت غلي وبقى برقم فلكي، ومراته فوق بتاكل ما لذ وطاب ومستخسرة تديه قطمة، بس الفرق إن مراته كانت صريحة من الأول وقالت له ده تمن اختيارك، في حين إن أخته كانت بتمص دمه وتستغله باسم الأخوة وصلة الرحم.
وفي يوم جمعة، اليوم اللي كان المفروض أشرف ياخده راحة عشان ضهره اللي ما بقاش قادر يفرده، حصلت القشة اللي قصمت ضهر البعير. الساعة كانت حوالي واحدة الضهر، بعد صلاة الجمعة. الجو كان خانق، شمس يوليو بتغلي في شوارع الدقي، وفيروز كانت قاعدة في البلكونة بتقرأ رواية وبتشرب قهوتها المثلجة، لابسة فستان صيفي خفيف ومستكنية تماماً، وفجأة، سمعت صوت صريخ وزعيق جاي من شقة نيرمين تحت، صوت أشرف عالي بنبرة عمرها ما سمعتها منه، وصوت نيرمين بيرد عليه بشرشحة هزت العمارة كلها.
فيروز حطت فنجان القهوة على الترابيزة الصغيرة، وقامت براحة، سابت باب شقتها موارب ونزلت خطوتين على السلم عشان تسمع وتشوف المهزلة اللي كانت مستنياها من أول يوم. جوة شقة نيرمين، كان أشرف واقف في نص الصالة، رجليه مغروسة في بقايا رمل ومونة ناشفة، وإيديه بترتعش من الغضب، وماسك في إيده وصل أمانة وورقة تانية مكتوب فيها حسابات يعني إيه يا نيرمين؟! يعني إيه الكلام ده؟! فهميني بالراحة كده عشان عقلي هيطير! نيرمين كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها، وصوتها مسرسع ومفيش في عينيها ذرة كسوف جرى إيه يا أشرف؟ إنت هتعمل عليا راجل بصوتك العالي ده؟ الورق قدامك اهو عربي ومكتوب بالقلم الجاف! إنت أكلت وشربت واشتريت مسامير وجبت كابلات، وحساب ده كله مخصوم من حقك!
أشرف صرخ والدموع نزلت من عينيه من فرط القهر حساب إيه وحق إيه؟! أنا بقالي شهر كامل، تلاتين يوم على سن ورمح، متبهدل هنا بهدلة الكلاب! ضهري اتكسر من الرمل والأسمنت، إيديا متقطعة، واخد إجازة بدون مرتب وشغلي مهدد في الشركة عشان أختي! وفي الآخر لما أطلب منك القرشين اللي وعدتيني بيهم، تطلعي لي ورقة وتقولي لي إنت مديون لي بعشر تلاف جنيه؟! عشر تلاف جنيه بتوع إيه؟! نيرمين لوحت بإيدها باستهزاء بتوع إيجار العدة اللي باظت تحت إيدك! الشنيور اللي حرقته وإنت بتخرم في الكمرة الخرسانة مين هيدفع تمنه؟ والحيطة اللي طلعت مايلة في الطرقة واضطريت اجيب معلم بنا يهدها ويعيدها من الأول، مش ده خسارة عليا؟ والأكل والشاي والسجاير اللي كنت بتطفحهم على قفاي طول الشهر ده ببلاش؟! إنت فاكر نفسك شغال عند مين؟ ده أنا لو جايبة صنايعي من الشارع كان هيعمل شغل أحسن من كده وبأقل من كده وما كانش هيوجع دماغي بندبته وفقره!
أشرف حس بصاعقة نزلت على دماغه، صوته اتحشر في زوره وبقى بيطلع بالعافية أنا... أنا اشتغلت شغل أحسن من كده؟ أنا كنت بوجع دماغك؟ نيرمين... أنا ضيعت مرتبي، وبيتي هيتخرب، ومراتي قاطعتني وبتبص لي باحتقار، كل ده عشانك وعشان وصية أمي! تقومي تخصمي مني تمن الأكل وتمن الشنيور؟! والزبون الخليجي اللي أجّر الشقة امبارح ودفع لك تلات شهور مقدم... فين نصيبي منهم؟! مش قلتي لي هديكي نصيبك أول ما نقبض؟!
ضحكت نيرمين ضحكة رنت في أركان الشقة، ضحكة كلها سم نصيب مين يا أبو نصيب؟ هو إنت شريكي في الورث وأنا ما اعرفش؟ الشقة دي شقتي أنا، باسمي أنا، بيع وشرا من أمك الله يرحمها! إنت كنت جاي بتساعد أختك، والجدعنة ما بتتحسبش بالفلوس يا حبيبي! الفلوس دي أنا محتاجاها عشان أشتري غسالة أطباق جديدة للشقة، واجيب طقم صالون مدهب يليق بالمستأجر، مش هوزعها على العواطلية! لو مش عاجبك، الباب يفوت جمل، اطلع لمراتك خلّيها تصرف عليك، ما إنت شاطر بس تيجي تتشطر عليا وأنا حتة ولية مالهاش حد!
أشرف فضل باصص لها ومش مستوعب، الرؤية غبشت قدام عينيه، حس بقلبه بيتعصر عصر. الست دي هي أخته اللي أمه كانت بتقول له شيلها في عينيك دي مالهاش غيرك؟ الست دي هي اللي كان مستعد يسرق مراته ويخرب بيته عشان يرضيها؟! رمى الورق في وشها بكل غله، وصرخ بصوت مبحوح منك لله... منك لله يا شيخة، ربنا ينتقم منك دنيا وآخرة! يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك، ده الغريب طلع أحن عليا منك!
خرج من باب الشقة وهو بيترنح كأنه شارب حاجة، رجليه مش شايلاه، وشه شاحب زي الأموات، ودموعه نازلة على خده تغسل تراب الأسمنت اللي مالي وشه. وهو طالع على السلم بيجر رجليه، لقى فيروز واقفة على البسطة بتاعة شقتهم، ركنة ضهرها على الحيطة، ولابسة نضارتها الطبية، وباصة له بنظرة هادية جداً، خالية من أي شماتة، بس مليانة معنى يذبح.
أشرف وقف مكانه، بص لها ونزل راسه في الأرض، مقدرش يحط عينه في عينها، قعد على السلم تحت رجليها، وحط راسه بين ركبه وقعد يعيط وينشج زي العيل الصغير اللي تاه من أمه في المولد ضيعت نفسي يا فيروز... ضيعت نفسي وكسرت نفسي بإيديا... كلامك كله طلع صح، وأنا اللي كنت أعمى ومغفل...
فيروز فضلت باصة له من فوق لكام ثانية في صمت تام، ملامحها هادية، ما ابتسمتش، وما قالتش مش قولتلك، لأن الجرح كان غويط بما فيه الكفاية ومش محتاج ملح زيادة. قربت منه خطوة، وقفت جنبه على السلم، وبنبرة صوت ثابتة، قاطعة، ما فيهاش لا عياط ولا زعيق، قالت له قوم يا أشرف... قوم من على السلم، الرجالة ما بتعيطش على السلالم تحت رجلين حد. قوم ادخل، عشان الحساب اللي بيني وبينك لسه ما اتقفلش، والدرس ده لو ما اتعلمتش منه تمنه هيكون أغلى بكتير من العشر تلاف جنيه بتوع أختك.
أشرف رفع راسه ببطء، عيونه الحمرة بتبص لمراته بتوسل وخوف من اللي جاي، والباب وراهم اتقفل، وبدأت مواجهة جديدة خالص، مش مع نيرمين... مع مستقبله هو اللي بقى متعلق على كف عفريت!
الجزء الثالث والأخير
أشرف قام من على درجات السلم بالعافية، كأن في رجليه قيد حديد تقيل بيجره لتحت. دخل الشقة ورا فيروز وراسه مدلدلة في صدره، مكسور كسر ما يداويه عتاب. قفلت فيروز الباب وراهم بالمفتاح، والتكة بتاعة الكالون رنت في ودنه كأنها حكم محكمة نزل على رقبته. الشقة كانت نظيفة، ريحة المعطر الهادي بتملى الجو، وهوا التكييف بيضرب في الصالة، نقيض تام للخرابة اللي سابها تحت في شقة نيرمين؛ نقيض للغبرة، والعرق، والقهر اللي اتجرعه نقطة نقطة على مدار شهر كامل.
فيروز مشيت قدامه بخطوات واثقة، وقفت عند ترابيزة السفرة، وسحبت كرسي وقعدت، وشاورت له على الكرسي المقابل اقعد يا أشرف.
قعد أشرف على حرف الكرسي، خايف يسند ضهره حتى على قماش الكرسي النضيف بهدومه المتبهدلة عرق ومونة. كانت كفوف إيديه مشققة، ضوافره مكسرة ومسودة من الجير، وشعره منكوش عليه طبقة رمل بيضا خلت ملامحه تبان أكبر من سنه بعشر سنين. فيروز... أنا... صوته كان مخنوق ومكسور، بس فيروز رفعت كف إيدها في الهوا بهدوء تام، قاطعته بحزم ولا كلمة دلوقتي. أنا سمعت زعيقكم تحت، وسمعت كلام نيرمين حرف حرف. اللي حصل ده كان لازم يحصل، ومش عشان أشمت فيك، إنت جوزي في الأول وفي الآخر، ولو شمت فيك أبقى بشمت في نص بيتي. بس كان لازم تفوق بنفسك، كان لازم الحيطة تخبط في وشك إنت عشان تصدق إن اللي حواليك مش ملايكة بجناحات، وإن في ناس كل ما تديهم من لحمك، بيطلبوا عضمك يحلو بيه.
أشرف مسح دموعه بكم التيشيرت المغبر، وقال بصوت بيترجف عملت كل ده عشان وصية أمي يا فيروز! أمي دخلت العمليات وخرجت منها وهي بتوصيني على نيرمين، كانت دايماً تقول لي أختك لحمك وعرضك، لو إنت ما شلتهاش مين يشيلها؟ كنت حاسس بالذنب، كنت بقول دي ولية لوحدها بعد طلاقها، والزمن وحش... ما كنتش متخيل إنها بتبص لي كأني عتال ببلاش، كأني ماليش قيمة ولا كرامة عندها! تصوري يا فيروز، طلعت لي ورقة كاتبالي فيها حتى تمن الشاي والسجاير؟! قايلالي إنت مديون لي بعشر تلاف جنيه؟! بعد ما شيلت تلاتين شيكارة أسمنت على ضهري؟! ده أنا كنت ببات مش قادر أتقلب من الوجع!
فيروز بصت له بنظرة فاحصة، فيها مزيج من الشفقة المشوبة بالصلابة، وقالت أمك الله يرحمها يا أشرف كانت ست من جيل قديم، والجيل ده كان عنده فكرة إن الراجل معمول عشان يتحرق في سبيل غيره، وإن الست خصوصاً لو الأخت الكبيرة تفضل تاكل وتشرب في خير إخواتها الرجالة بحجة إنها مكسورة الجناح. بس أمك غلطت، وأكبر غلطة عملتها إنها حرمتك من حقك الشرعي في ورث أبوك وكتبت الشقة لنيرمين بيع وشرا، وإنت طاطيت ووافقت وقولت أختي. والنتيجة إيه؟ أختك استقوت، اعتبرت ضعفك وسكوتك حق مكتسب، وشافتك مجرد أداة تنفذ بيها طلباتها. لكن مش دي المشكلة الكبيرة دلوقتي، المشكلة في الكارثة اللي إنت وقعت بيتنا فيها.
أشرف رفع راسه، عينيه وسعت برعب كارثة إيه؟! أنا خسرت أختي وكرامتي خلاص، في مصيبة تانية؟! فيروز طلعت موبايلها من جيب البنطلون، وحطته على السفرة قدامه، وفتحت شاشة الواتساب أستاذ مدحت، مدير الحسابات عندك في الشركة، متصل بيا الصبح قبل الصلاة. أشرف اتفزع وقام نص قومة من على الكرسي مدحت اتصل بيكي ليه؟! أنا واخد إجازة بدون مرتب وورقي سليم! ورقة إجازتك اترفضت من مجلس الإدارة يا أشرف بعد ما مشيت بيومين.
الكلمة نزلت على ودانه زي رصاصة، رجع لورا واتخبط في ضهر الكرسي، وشه اتجرد من كل نقطة دم يعني إيه اترفضت؟! ده أنا كاتب الطلب ومدحت قايلي هيمشيه ودي لحد ما
متابعة القراءة