علبة حماتي

لمحة نيوز

لمدة 12 سنة، حماتي كانت محتفظة بعلبة أحذية مكتوب عليها اسمي، وكانت رافضة تمامًا إني أفتحها. وفي اليوم اللي ابنها سابني فيه عشان واحدة تانية، هي أخيرًا سلمتهالي.
لمدة 12 سنة كاملة، كنت مقتنعة إن حماتي بتكرهني. اسمها كانت فاطمة، وعمرها ما كانت قاسية معايا بشكل مباشر. وده بالذات كان بيخلي الموضوع أسوأ. هي عمرها ما ، ولا مرة قالتلي يا بنتي. وكان ممكن تحوّل عزومة عادية على السفرة لتحقيق كامل، بمجرد نظرة واحدة منها. كانت تبص على الأكل اللي عاملاه، وبعدين على هدومي، وبعدها على البيت، وترفع حاجب واحد بس، وكأنها بتقول من غير ما تتكلم إنتِ شايفة إن ده مستوى يليق بمرات ابني؟
بعد جوازي من ابنها أحمد بثلاث شهور بس، اكتشفت حاجة أغرب بكتير. في اليوم ده، كنت بساعد فاطمة في ترتيب الملايات والمفروشات في أوضتها. وأنا برتب الحاجات على الرفوف، عيني وقعت على علبة أحذية قديمة موجودة فوق آخر رف في الدولاب. العلبة كانت شكلها قديم جدًا، والكرتونة بدأت تتبهدل من الأطراف. لكن اللي شد انتباهي أكتر كان حاجة مكتوبة على غطاها. اسمي. مريم. اسمي كان مكتوب بخط أسود عريض على غطا العلبة.
فضلت باصة لها كام ثانية، وأنا مش فاهمة. ليه حماتي عندها علبة مكتوب عليها اسمي؟ مديت إيدي عشان أنزلها. لكن قبل ما ألمسها حتى، فاطمة خطفت العلبة من فوق الرف، بسرعة غريبة بالنسبة لسنها. وبصتلي وقالت بحدة
ماتلمسيهاش. اتخضيت من رد فعلها، وقلت
ليه؟ وسألتها وأنا ببص للعلبة
هو إيه اللي جواها؟ وليه اسمي مكتوب عليها؟ وشها وقتها ماكانش عليه أي تعبير. لا غضب. ولا خوف. ولا حتى ابتسامة. بس قالت بهدوء غريب
هتاخديها لما ييجي وقتها.
فضلت باصة لها وأنا مش فاهمة. وقت إيه؟ لكنها ما ردتش. حطت العلبة بعيد، وقفلت عليها الدولاب، وكأن الموضوع انتهى. لكن بالنسبة لي، الموضوع ما انتهيش. بالعكس. من اليوم ده، السؤال فضل عالق في دماغي إيه اللي جوه العلبة؟ صور ليا وأنا في أسوأ حالاتي؟ إيصالات كانت محتفظة بيها عشان تثبت إني بصرف فلوس ابنها؟ ولا يمكن كانت بتكتب كل غلطة بعملها في جوازي من أحمد، وبتحطها جوه العلبة كأنها ملف كامل ضدي؟ يمكن كانت بتجمع أدلة تثبت إني مرات سيئة. يمكن كانت محتفظة بكل موقف حصل بيني وبينها عشان تستخدمه في يوم من الأيام ضدي.
كل الاحتمالات كانت بتدور في دماغي. وفي كل مرة كنت أسألها عن العلبة، كانت تقفل الكلام فورًا لسه أو مش دلوقتي أو ببساطة لما ييجي الوقت. وفي مرة سألت أحمد عنها. كنت متوقعة إنه ياخد الموضوع بجد، أو على الأقل يسأل أمه. لكنه ضحك وقاللي
دي أمي بقى، سيبيها. هي كده. وبعدها قرب مني وقال
ماتشغليش بالك بيها.
فحاولت أعمل كده. وحاولت فعلًا أنسى الموضوع. ومع الوقت، الحياة خدتني. بنيت حياتي مع أحمد. اتجوزنا، واستقرينا، واشترينا بيتنا. عدت سنين، سنة ورا سنة. مرت علينا أيام حلوة وأيام صعبة. كان فيه أقساط، ومصاريف، ومسؤوليات، ومشاكل عائلية، وأعياد ومناسبات. دفعنا أقساط البيت سوا، احتفلنا بأعياد ميلاد، قضينا أعياد وإجازات مع العيلة. وفي ليالي كتير، كنت بستناه يرجع من شغله متأخر، وأفضل صاحيه لحد ما يدخل البيت عشان ناكل سوا.
كنت فاكرة إن ده هو الجواز. إن مهما حصل، إحنا في الآخر لبعض. كنت فاكرة إننا بقينا عيلة واحدة، وإن بعد 12 سنة، مفيش حاجة ممكن تهد البيت اللي بنيناه بإيدينا. كنت فاكرة إن علاقتنا بقت أقوى من أي حاجة ممكن تحصل. لحد يوم التلات. اليوم اللي رجع فيه أحمد البيت بشنطة سفر جاهزة. ماكانش محتاج يقول حاجة عشان أفهم إن فيه مصيبة.
دخل من الباب. حط الشنطة على الأرض. وبصلي. نظرة غريبة. نظرة شخص واخد قرار خلاص. سألته
إيه اللي حصل؟ ماقعدش، ماحاولش حتى يمهّد للكلام. قالها بمنتهى البرود
في واحدة تانية.
فضلت باصة له وأنا مش مستوعبة. حاولت أتكلم، لكن صوتي ماطلعش. هو كمل
أنا بقالي ست شهور معاها. ست شهور. ست شهور كاملة وهو عايش معايا في نفس البيت. بياكل معايا، بينام جنبي، بيسألني عملت إيه النهارده، وبيمثل إن كل حاجة طبيعية. وأنا؟ كنت فاكرة إن جوازي آمن. كنت فاكرة إن الراجل اللي عشت معاه 12 سنة، مستحيل يبص لحد تاني بالطريقة دي. لكن أحمد كان واقف قدامي، وبيقولي بكل بساطة إن فيه واحدة تانية.
وبعدين قال الجملة اللي هتفضل محفورة في دماغي للأبد
أنا آسف. سكت لحظة، وبعدين قال
ماكانش قصدي يحصل كده. وبعدها بص بعيد عن عيني وقال
أنا بس... بقيت منجذب ليها أكتر منك.
الكلمات دخلت جوايا زي السكاكين. ماعرفتش أرد. ماعرفتش حتى أعيط. فضلت واقفة مكاني وأنا ببص له وهو بيشيل شنطته. وبعد 12 سنة جواز، وبعد بيت قضينا سنين نبنيه سوا، خرج أحمد من الباب. وسابني لوحدي. سابني في البيت اللي كنا بنسميه بيتنا. قعدت على كرسي السفرة، ماقدرتش أقوم، ولا قدرت أعمل أي حاجة. فضلت قاعدة قدام الترابيزة وأنا ببص للحيطة قدامي.
الوقت عدى. الساعة بقت ستة. وبعدين سبعة. وبعدين تمانية. ولحد الساعة تسعة بالليل، كنت لسه قاعدة في نفس المكان. البيت كان هادي بشكل مرعب. مفيش صوت أحمد. مفيش صوت مفاتيحه. مفيش صوت خطواته. مفيش حتى صوت التلفزيون اللي كان بيشغله كل ليلة. لأول مرة من 12 سنة، كنت لوحدي فعلًا.
وفجأة... سمعت خبط على الباب. رفعت راسي. خبط تاني. قمت ببطء، ومشيت ناحية الباب. ولما فتحته، اتجمدت مكاني. كانت فاطمة. حماتي. واقفة قدام الباب. لكن كان فيه حاجة غريبة جدًا. كانت شايلة تحت دراعها علبة. علبة أحذية قديمة. الأطراف بتاعتها متهالكة. والكرتونة لونها اتغير من السنين. لكن رغم إن الكتابة بقت باهتة، قدرت أتعرف عليها فورًا. اسمي. مريم.
نفس العلبة. نفس العلبة اللي حاولت أفتحها من 12 سنة. نفس العلبة اللي حماتي كانت بتمنعني حتى ألمسها. بصيت لها، وبعدين بصيت للعلبة، وبعدين رجعت بصيت لها. بطني اتقبضت. طبعًا، قلت لنفسي هو ناقص إيه تاني؟ أنا لسه متسابّة من جوزي عشان واحدة تانية. والنهارده حماتي جاية عندي بالعلبة دي. حسيت إن حتى في اللحظة دي، لازم يكون فيه حاجة هتخليني أتوجع أكتر. قلت لها وأنا بحاول أتماسك
يا طنط فاطمة، أنا بجد مش قادرة أعمل حاجة دلوقتي. وبعدين قلت
لو سمحتي، أنا محتاجة أبقى لوحدي. لكنها ما تحركتش. فضلت واقفة قدام الباب، وبصتلي في عيني، وقالت
لأ. صوتها كان هادي، لكن حاسم
إنتِ لازم تعرفي. بصيت لها باستغراب
أعرف إيه؟ مدت إيدها، وحطت العلبة قدامي على الترابيزة الصغيرة الموجودة جنب باب الشقة. وبعدين قالت
افتحيها. قلبي بدأ يدق أسرع. بصيت للعلبة، وبعدين بصيت لها، وقلت
إيه دي؟
سكتت ثواني. ولأول مرة من 12 سنة، شفت إيديها بتترعش. فاطمة كانت طول عمرها ست قوية. عمرها ما خلتني أشوف ضعفها. لكن الليلة دي، إيديها كانت بتترعش فعلًا. وعينيها كانت مليانة دموع. قالت بصوت مكسور
افتحيها.
مديت إيدي. مسكت غطا العلبة. وفضل صوابعي ثابتة عليه كام ثانية. أنا كنت مستعدة أشوف أي

تم نسخ الرابط