نهـاية الخـدمة حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

بصوت جهوري وطي صوتك يا أستاذ وبلاش جعجعة على الفاضي.. إحنا معانا بلاغ رسمي بتعدي وإتلاف وسرقة وتبديد أمانة، وحضرتك في عقار خاص مملكته مسجلة باسم المدام سلمى فريد الألفي، ومعانا أمر رسمي بتمكين المالك وإخلاء الدخلاء، تحب تتفضل بالذوق من غير شوشرة ولا نلبسك الحديد وننزل بيك قدام بوابين وبتوع شارع مصدق كلهم؟
سميحة شهقت شهقة سمعت العمارة كلها، وجريت على حازم تمسك فيه وتستخبى وراه، وعينيها بتلف في الصالة برعب.
عماد المحامي حط الشنطة على الترابيزة وفتحها، وطلع منها دوسيه أحمر مقفول، وبص لحازم وهو بيعدل نضارته الطبية بص يا حازم.. عشان منضيعش وقت الباشوات ومنعملكش فضيحة في المنطقة.. إنت قدامك سكتين مالهومش تالت. السكة الأولى تمضي حالا على إقرار استلام كافة متعلقاتك الشخصية، وإقرار بالتنازل عن أي دعوى زوجية أو شقاق، وتمضي على ورقة طلاق رسمي عند المأذون اللي مستنينا تحت في العربية، وتسلم مفاتيح الشقة ومفاتيح العربية اللي مركونة تحت واللي اتلغى توكيلها رسمي النهاردة الصبح في الشهر العقاري.
حازم كان بينهج كأنه بيجري في ماراثون، وبص للمحامي بغل والسكة التانية إيه يا فالح؟! هتحبسوني عشان طلقت مراتي؟! القانون مبيحبسش على كدة!
عماد ابتسم بسخرية وطلع من الدوسيه ورق عليه أختام بنكية حمرا ووصلات أمانة السكة التانية بقى يا حبيبي.. البلاغ ده شاور على ورقة رسمية بتهمة خيانة الأمانة وتبديد مبلغ اتنين مليون وربعمية ألف جنيه.. دي فلوس حساب شركة الاستيراد والتصدير اللي المدام سلمى عينتك فيها مدير تنفيذي وسابتلك حق التوقيع على الشيكات، وإنت سحبتهم في خلال الست شهور اللي فاتوا وحولتهم لحساب والدتك الست سميحة في بنك مصر فرع روض الفرج عشان تفتحوا بيهم الورشة اللي في القليوبية باسم أخوك الصغير من وراها.
الكلمة نزلت على حازم وسميحة زي الصاعقة اللي شقت البيت نصين.
سميحة اتسمرت مكانها، ورجليها سابت تماماً وقعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على راسها وبتضرب بالصوت من غير كلام. وحازم حس إن ريقه نشف ومبقاش فيه نقطة دم في عروقه.
سلمى خطت خطوتين لقدام، ووقفت قصاد حازم، وعينيها مثبتة في عينيه المكسورة وقالتله بهدوء يقطع القلوب فاكرني هبلة يا حازم؟ فاكرني كنت نايمة على وداني لما كنت ترجع الفجر وتقول بايت في شغل الشركة بخلّص صفقات؟ أنا كنت عارفة القرش اللي بيخرج من حسابي رايح فين ومنين وليه.. ومكنتش بتكلم، كنت بقول بكره يتعلم، بكره يحس بالجميل، بكره لما يشوف إني مأمناله ومستودعاه كل مالي يتقي ربنا فيا ويشيلني في عينيه.. لكن إنت وأمك طينتكم واحدة، الطمع عماكم، وأول ما حسيتوا إنكم مكنتوا رجلكم في الشقة، بدأتوا تنهشوا في لحمي وتقللوا من كرامتي.
حازم دموعه نزلت غصب عنه، دموع قهر وخزي وخوف من الحبس، ومد إيده يمسك في هدوم سلمى يترجاها سلمى.. وحياة أغلى حاجة عندك.. استري عليا.. أنا غلطت، والله العظيم شيطان ودخل بينا، أمي هي اللي كانت بتوزني وتقولي اضمن حقك واعمل قرشين لأهلك.. أنا مليش غيرك ومقدرش أعيش من غيرك ولا أتحبس، حبستي هتضيع مستقبلي وأنا لسه في أول طريقي!
سميحة سمعت كلام ابنها واتصدمت من خيانته التانية ليها في نفس الساعة، وصرخت فيه بصوت مبحوح بقى أنا اللي وزيتك يا واطي؟! مش إنت اللي جيت رجلي وتقولي تعالي يا أمي اقعدي في الشقة واكسري عينها عشان تزهق وتتنازل عن النص؟! ده أنا ربيتك بدم قلبي يا خسيس تبيعني عشان متتسجنش؟!
سلمى زاحت إيد حازم عنها بمنتهى القرف والاشمئزاز كأنها بتنفض حشرة من على هدومها وفروا مسرحياتكم دي لقفص المحكمة لو ممضيتش.. أنا لا بيلوي دراعي تمثيل أمك، ولا دموع التماسيح بتاعتك. إنتوا الاتنين أرخص بكتير من إني أضيع دقيقة تانية من عمري أسمعكم فيها.
عماد المحامي خبط على الترابيزة بالقلم خبطتين ها يا حازم؟ تلت دقايق بالظبط، يا تمضي على ورقة التنازل عن كل شيء وتستلم شنطك وتنزل على القسم بالمعروف تطلق وتنهي الحكاية، يا إما الباشا الأمين هيلبسك الكلبش دلوقتي، وبدل ما تنزل على رجلك، هتنزل في البوكس بتهمة التبديد والضرب العمد، والقضية دي جناية ومفيهاش كفالة وهتقضي الليلة دي في حجز قسم الدقي مع عتاة المجرمين، وأمك الصبح هيتعملها ضبط وإحضار بتهمة إخفاء أموال منهوبة والاشتراك في جناية تبديد.
حازم بص لأمين الشرطة اللي كان مطلع الكلبش الحديد من جيبه وبيهزه في إيده بصوت رنين يرعب، وبص للمحامي وللورق، وبص لسلمى اللي كانت باصة الناحية التانية كأنه مش موجود أصلاً في الدنيا. إيديه كانت بترتعش زي ورقة شجر في مهب الريح.
مسك القلم، وكل حرف كان بيكتبه في ورقة التنازل والتسليم كان بيقطع من روحه ومن كبريائه المزور. مضى على الورقة الأولى، والتانية، والتالتة، وسلم مفاتيح الشقة ومفاتيح العربية لعماد المحامي بإيد مهزوزة ومكسورة.
خلصنا عماد قالها وهو بيلم الورق وبيحطه في الشنطة السامسونايت بكل ترتيب وهدوء اتفضلوا بقى لموا هدومكم اللي رمتها المدام في الشنط دي، ومعاكم بالظبط خمس دقايق تكونوا برا باب العمارة كله.
سميحة قامت زي الستات العواجيز المكسورين، ضهرها محني وعينيها زائغة في الأرض، مبقتش قادرة حتى تبص في وش سلمى. جرت على الشنطة الكبيرة وبقت تحط فيها هدومها المرمية بهستيريا وخوف، وحازم كان بيلم قمصانه وبدله اللي سلمى نفسها هي اللي كانت مشترياهاله، ودموعه نازلة بصمت حارق على وشه.
لما خلصوا وقفلوا الشنطتين، حازم وقف عند باب الشقة، وبص لسلمى لآخر مرة بنظرة كسر وذل عمره ما هينساها طول ما هو عايش. كان نفسه يسمع منها كلمة عتاب، كلمة تقول إنه ممكن يتصلح، بس سلمى كانت مدياله ضهرها، واقفة تبص من بلكونة الصالة على شوارع القاهرة المنورة تحتها، حاسة بنسمة هوا نضيفة أخيراً دخلت صدرها بعد شهر كامل من الخنقة والقهر.
خرج حازم ووراه أمه جارّين شنطهم وسوستها بتحك في بلاط الطرقة، وأمين الشرطة نزل وراهم خطوة بخطوة عشان يتأكد إنهم خرجوا برا العمارة كلها وميرجعوش تاني.
عماد المحامي وقف عند الباب، وبص لسلمى وقال بنبرة احترام ومودة كدة كل حاجة تمام يا مدام سلمى.. المأذون تحت وهيتمم الطلاق حالا، وورقة طلاقك الرسمية هتكون عندك بكرة الصبح، والصبح برضه هكون مغير كالون الباب بكوالين إيطالي جديدة والشركة هتبعت حراسة خاصة للعمارة. تحبي نبلغ البوليس بمحضر عدم تعرض كمان؟
سلمى لفت وشها وابتسمت له ابتسامة هادية وصافية، ابتسامة ست استردت نفسها وكرامتها بعد ما كانت على وشك تضيع متشكرة جداً يا متر.. كفاية كدة أوي. هما اتكسروا خلاص، واللي انكسر فيهم عمره ما هيتصلح. هما خسروا كل حاجة، وأنا كسبت نفسي وراحتي، ودي أهم تركة أبويا سابهالي.. إني مسمحش لحد يكسرني ولا يقل من قيمتي مهما كان التمن.
عماد هز راسه بإعجاب وودعها وقفل الباب وراه بالمفتاح.
سلمى فضلت واقفة في الصالة لوحدها. السكون رجع للمكان، بس مكنش سكون رعب ولا خنقة، كان سكون سلام وراحة بال.
دخلت المطبخ بهدوء، مشت خطواتها براحة، مسكت كيس الزبالة اللي كانت الحماة رمت
فيه حلة المحشي والبهارات وقفلت عليه بإحكام وطلعته برا باب الشقة عشان البواب ياخده الصبح. وبعدين مسحت الرخامة، وغسلت الحلة التيفال بإيديها ونضفتها لحد ما لمعت، وولعت البوتاجاز وعملت لنفسها فنجان قهوة مظبوط وريحة البن ملت المطبخ بدل ريحة الغل والنواح.
وقفت في البلكونة، ماسكة فنجان القهوة السخن في إيدها، بتبص على العربيات السارحة تحت في شارع مصدق في نص الليل. شافت من فوق حازم وأمه واقفين على الرصيف في ضلمة الشارع، بيحاولوا يوقفوا تاكسي قديم يشيلهم هما وشنطهم المتبهدلة، وحازم عمال يشاور بإيده للتاكسيات ومحدش بيقفله، وأمه ساندة على عمود النور زي الشحاتين وموطية راسها في الأرض.
شربت أول بوق قهوة، وابتسمت لنفسها وهي بتبص للسما الصافية.. وعرفت إن الحكاية مكنتش حلة محشي اترمت في الزبالة، ولا شوية بهارات اتبهدلوا، الحكاية كانت امتحان لكرامتها وصبرها، والحمد لله إنها نضفت بيتها وحياتها من البداية، قبل ما العيلة المريضة دي تاكل في عمرها وتدفن شبابها في الوهم.

تم نسخ الرابط