نهـاية الخـدمة حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
وسط البلد، وعمارة الدقي اللي إنت وأمك فاكرين إننا مأجرين فيها شقة صغيرة، طلعت العمارة كلها بتاعتي وباسم سلمى فريد الألفي!
سميحة فتحت بقها وشهقت شهقة مكتومة، عينيها وسعت وكأنها شافت شبح الألفي؟! إنتِ أبوكي يبقى المستشار فريد الألفي صاحب التوكيلات؟
سلمى بصت لسميحة بعينين قاطعة أيوة يا حاجة، فريد الألفي اللي ابنك كان داخل طمعان فيه وفاكر إنه لما يتجوز بنته الوحيدة بعد ما مات هيعرف يستفرد بالورث ويلوي دراعها بحتة دبلة دهب صيني ومؤخر خمسين ألف جنيه. أنا كنت ساكتة وعاملة عبيطة وبقول راجلي وبحبه وهيكبر معايا، لحد ما جيبتي إنتِ الهانم بيتي، وبدأتي تتعاملي كأنك صاحبة العز وأنا الخدامة اللي جايبينها تنضف وراكم وتعملكم محشي وترموه في الزبالة!
حازم رجله مشالتهوش، ساند إيده على ضهر الكنبة وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه. الحسبة كلها اتقلبت في ثانية. الشقة، والعربية، والمشاريع اللي كان بيحلم يفتحها بفلوسها، وكل الوهم اللي كان باينه في خياله اتهد فوق دماغه في لحظة واحدة بسبب حلة محشي وشوية بهارات وأمه اللي مفكرتش غير في الغيرة والسيطرة.
قرب من سلمى خطوة، نبرة صوته اتكسرت تماماً، وعينيه بقت تترجاها سلمى.. حبيبتي.. إهدي بس وصلي على النبي، مفيش حاجة تستاهل نوصل لكده. دي ساعة شيطان وأمي ست كبيرة متعرفش مصلحتنا، وأنا كنت جاي من الشغل تعبان وأعصابي مفلتة.. أنا مكنتش أقصد أضغط على دراعك والله، حقك عليا، قطعي إيدي لو اتمدت عليكي تاني! تعالي ندخل الأوضة ونتكلم براحة ونصلح كل حاجة، وأمي من الصبح هترجع شقتها ومش هتشوفي وشها هنا تاني أبداً، أوعدك!
سميحة اتصدمت لما لقت ابنها بيبيعها في ثانية عشان الفلوس والملك، وصرخت فيه بتبيع أمك عشان قرشين يا حازم؟! بتوطي راسك لبت زي دي؟!
حازم زعق في أمه بهيستيريا ورعب اخرسي إنتِ بقى! بوظتيلي حياتي بغبائك! عاجبك اللي إحنا فيه ده؟!
سلمى وقفت تتفرج على المشهد الرخيص اللي قدامها بمنتهى القرف والاشمئزاز. الاتنين بياكلوا في بعض عشان مصلحتهم، مفيش فيهم حد فارق معاه احترام ولا عشرة ولا نعمة ربنا اللي اتهانت.
رفعت إيدها وبصت في ساعة الحيطة، كانت داخلة على حداشر بالليل.
قدامكم بالظبط تلت ساعة، سلمى قالتها بصوت بارد مفيش فيه رجعة تلموا حاجتكم وتطلعوا. لو الدقيقة حداشر وتلت دقت وإنتوا لسه جوة عتبة الباب، مش بس هطلب البوليس وأعمل محضر ضرب، ده أنا بكرة الصبح هيكون البنك حاجز على حساباتك بصفقتي كضامن في القرض الشخصي اللي خدته عشان تفتح بيه شركتك الفاشلة، والعربية اللي تحت دي الونش هيشيلها لأن التوكيل اتلغى وهي باسمي. هتخرجوا بالمعروف، ولا أفرج عليكم العمارة كلها وأخلي بوابين الشارع هما اللي يشيلوا شنطكم ويرموكم برا؟
حازم بص لأمه بنظرة كلها كره، وبص لسلمى وهو شايف في عينيها نهاية كل حاجة، ومع ذلك، في زاوية عينيه كان باين خبث من نوع تاني.. خبث حد بيغرق، ومستعد يشد أي حاجة معاه للقاع حتى لو كانت سلمى نفسها.
الجزء الثالث والأخير
السكوت اللي نزل على الصالة كان تقيل يخنق، من النوع اللي يسبق العاصفة لما تكنس كل حاجة قدامها. حازم كان واقف متنح، عروق جبهته نافرة ووشه جايب ألوان من الغيظ والعجز، بيبص لسلمى ولساعة الحيطة اللي عقرب ثوانيها بيتحرك بصوت تكتكة واضحة ومنتظمة كأنه بيعد تنازلي لنهايته.
تلت ساعة؟ حازم نطق الكلمة وهو بيبلع ريقه بصعوبة، وصوته مرتعش بين الرجا والتهديد الخايب إنتِ فاكرة الدنيا سايبة للدرجة دي؟ الشقة دي دخلتها راجل، ومش هخرج منها غير بمزاجي. وريني بقى هتتصلي بمين.. اتصلي بالعقيد بتاعك، اتصلي بالداخلية كلها، أنا قاعد في صالتي ومش متزحزح!
رمى نفسه على الكنبة وحط رجل على رجل بعند أعمى، وعينيه بتبص في السقف كأنه بيتحدى العالم. بس رجله الشمال كانت بتتهز بسرعة وتوتر فضحوا الرعب اللي واكل قلبه من جوة.
سميحة أول ما لقت ابنها خد موقف، اتشجعت ورجعت لحيلتها القديمة. مسحت دموع التماسيح من على خدودها، ونفضت عبايتها ووقفت جنب الكنبة ساندة إيدها على كتف حازم، وبصت لسلمى بنظرة كلها سم وكيد وقالت جدع يا ابن بطني.. راجل من ضهر راجل! أهو قاعد، ووريني هتعملي إيه يا بنت الأكابر. فاكرة لما تقولي ورث وملايين إننا هنخاف وننكش على قفانا ونجري؟ ده إحنا اللي سترناكي وشيلنا اسمك لما بقيتي وحيدة من غير ضهر! ولما نمشي من هنا، هنمشي بحقنا.. بالنص في كل حاجة بنيتيها وإنتِ معاه!
سلمى متهزتش. حتى متنفستش بصوت عالي.
بصت لحازم اللي قاعد على الكنبة، وبصت لسميحة اللي شادة ضهرها بيه، وضحكت ضحكة قصيرة واطية ملهاة بمرارة وسخرية، وقالت تمام.. إنتوا اللي اخترتوا السكة دي، وأنا كنت حابة أستركم لحد آخر لحظة عشان مكسرش خاطر نفسي في اختياري الغبي.. بس الظاهر إن الواطي بيفضل طول عمره واطي وميعرفش غير لغة الجزمة.
سلمى مسكت تليفونها، ومترددتش ثانية واحدة. ضغطت على زرار الاتصال وحطت الموبايل على ودنها، وفي نفس الوقت دوست على زرار مكبر الصوت.
رنة.. التانية.. وصوت راجل رخيم وصارم جه من الناحية التانية أيوة يا سلمى، خير يا بنتي؟ عملتي إيه في اللي حكيتيهولي العصر؟
حازم اتعدل في قعدته فجأة، وعينيه برقت برعب لما سمع الصوت.
مساء الخير يا سيادة المستشار سلمى ردت بثبات يحسدها عليه حجر الصوان أنا عند كلامي لحضرتك.. الموضوع خرج عن السيطرة وحازم والست والدته رافضين يسيبوا شقتي بالذوق، وكمان حازم مد إيده عليا وعمل علامات في دراعي ورافضين يخلوا المكان.
الصوت على الطرف التاني اتبدل لحدة تخلي الدم يتجمد في العروق مد إيده عليكي في شقتك؟! هو الجربوع ده نسي نفسه للدرجة دي؟! سلمى، افتحي باب الشقة على آخره ومتدخليش في نقاش معاهم.. القوة اللي كلمتك عنها تحت العمارة أصلاً من عشر دقايق مستنيين إشارتي، وعماد المحامي ومعاه قوة من قسم الدقي طالعينلك في الأسانسير دلوقتي حالا. نفذي ومتقفليش السكة.
الخط فضل مفتوح، وسلمى نزلت الموبايل وبصت لهم في صمت.
سميحة وشها جاب لون الكفن، ولطمت على خدها بصوت مكتوم يا مصيبتي السودا! البوليس تحت العمارة بجد؟! قوم يا واد يا حازم، قوم نغور في داهية البت دي شكلها نيتها وحشة وهتودينا ورا الشمس!
حازم اتنتر من مكانه زي الملسوع، وشه غرقان عرق، وراح جاري على باب الشقة يفتحه عشان يتأكد، بس أول ما فتح الباب، لقى قدامه اتنين أمناء شرطة ببدلهم الميري، ووراهم راجل لابس بدلة كحلي شيك وماسك في إيده شنطة سامسونايت ومحافظ أوراق.. كان الأستاذ عماد، المحامي الخاص بالمرحوم المستشار فريد الألفي.
مساء الخير يا أستاذ حازم عماد قالها بابتسامة جليدية باردة وهو بيزيح حازم بكتفه ويدخل الصالة كأنه صاحب البيت كنا نتمنى نتقابل في ظروف أهدى من كدة، بس الواضح إن الأصول مبقتش توكل عيش معاك.
حازم اتراجع لورا ولسانه تقل تماماً إيه ده.. إنتوا داخلين بيتي تتهجموا عليا كدة ليه؟! إنتوا معاكم إذن نيابة؟! أنا هشتكيكم لوزارة الداخلية!
أمين الشرطة الكبير بصله من فوق لتحت بقرف وقال
متابعة القراءة