يوم ما فتنت حماتي...... منى السيد
على عيني وراسي، بس ده بيتي أنا ومملكيتي أنا، والبيت اللي ملوش استئذان وميعاد محدد، ملوش كرامة... ويلا، كرم الضيافة واجب برضه.
حماتي رمت شنطتها على الترابيزة وقالت بغيظ
قومي يا هانم هاتي لنا حاجة نشربها، ولا خلاص مبقتيش تعرفي المطبخ بعد ما اتفرعنتي؟ ونهى اختك عايزة فنجان قهوة مظبوط، وأنا رجلي وجعاني وعايزة كباية ينسون سخنة.
أحمد بص في الأرض واتوتر، كان باين إنه مكسوف من أسلوبها. أنا وقفت ورحت وقفت جمب أحمد، حطيت إيدي على كتفه وبصيت لحماتي وقولت بمنتهى الهدوء
أنا هنا ست البيت يا حماتي، مش شغالة ولا خدامة بطلب. لو داخلين بيتي ضيوف باحترامكم، أحمد بنفسه هو اللي هيقوم يدخل المطبخ يعمل لأمه وأخواته اللي يشربوه، لكن أنا... إيدي متتمدش في خدمة حد بيعاملني بأسلوب الأوامر والتعالي. إنتوا نسيتوا الاتفاق في المندرة؟
حماتي وشها احمر، قامت وقفت وصرخت
إنتِ بتخليه هو اللي يخدمنا؟! بتخلي الراجل يدخل المطبخ وإنتِ قاعدة هانم متفرجة؟! شوفت يا أحمد خيبتك؟!
أحمد حس إن مفيش مفر، حس إنه لو رضي بكلام أمه، بيته هيتخرب للمرة التانية. رفع راسه، وبص لأمه بعين فيها حزم مكنش موجود زمان، وقال بصوت عالي
أمي! كفاية بقى لحد هنا! أميرة مغلطتش في حاجة، ده بيتها وله احترامه، وإنتوا داخلين تكسروا فرحتنا وتتأمروا عليها كأننا لسه في الشارع تحت! اللي يشرب حاجة هنا يشربها بأدب واحترام لصاحبة البيت، ولو مش عاجبكم طريقتها، يبقى الشاي والقهوة هعملهم أنا بإيدي، بس مراتي محدش هيوجهلها أمر ولا كلمة تهينها في بيتي!
الصمت نزل على الأوضة. نهى نزلت رجلها من على رجل بذهول، وحماتي لسانها اتشل وإيدها بدأت ترتعش من القهر
إنت... إنت بتقول لأمك كده يا أحمد؟! بتبعني عشانها؟!
أنا مابيعكيش يا أمي، إنتِ أمي وعلى راسي أخدمك بروحي ودمي، بس في حدود، في بيتي هنا مراتي هي الملكة، ومحدش هيدوسلها على طرف تاني!
أنا كنت واقفة باصة للمشهد، حسيت برد الاعتبار الحقيقي، حسيت إن السنين اللي راحت والتعب اللي شيلته والظلم اللي عشته قدام صهد الفرن رجعلي كرامتي أضعاف مضاعفة. حماتي حست إن خلاص، سيطرتها على ابنها انتهت للأبد. مسكت شنطتها بإيد بتترعش، وبصت لبناتها وقالت بصوت مكسور
قوموا... قوموا بينا من هنا، ملناش مطرح في البيت ده، بكره الزمن يلف بيك يا أحمد وتعرف إن مفيش حد بينفع غير الأم!
خرجت حماتي بتجر رجليها، وبناتها وراها مطاطيين روسهم مكسوفين. أحمد قفل الباب وراهم بهدوء، سند ضهره على الباب وتنهد تنهيدة كأن جبل انزاح من على صدره. قرب مني ومسك إيدي الاتنين وباسهم
حقك عليا يا أميرة، ارتاحتي كده؟ عرفتي إنك عندي بالدنيا كلها؟ ابتسمت ابتسامة حقيقية مسحت كل أثر للحزن والمرار، وهزيت راسي وقولت
دلوقتي بس يا أحمد... بيتنا اتعمر بجد.
مرت السنين بعد اليوم ده، وحياتنا مشيت في هدوء واستقرار. خلفت ولدين زي القمر، وبقيت عايشة في بيتي معززة مكرمة، ملكة متوجة بكرامتي. حماتي مرضت بعد فترة ورقدت في سريرها بعد ما بناتها اتجوزوا وسبوها لوحده، وفي يوم مرضها الشديد، نزلت معاها بأصلي وزورتها. أول ما شافتني عيونها دمعت بالندم، مسكت إيدي وقالتلي بصوت واطي
سامحيني يا بنتي... بناتي اللي دلعتهم وظلمتك عشانهم رموني، وإنتِ اللي جيتي تطمني عليا. بصيتلها بهدوء، وحطيت إيدي على راسها وقولت
مسامحاكي يا حماتي لوجه الله، عشان ربنا مابيرضاش بالظلم، وعشان علمني إن الحق بيرجع لأصحابه ولو بعد حين، وإن اللي يزرع شوك مبيحصدش غير جرح، واللي يزرع كرامة وصبر بيحصد عز وشرف.
خرجت من البيت القديم، بصيت للسطح وللشمس الحامية اللي كانت زمان بتحرق وشي، وابتسمت وأنا ماشية ماسكة إيد ولادي وجوزي جمبي ساندني. عرفت ساعتها إن الصبر على الظلم مبيكونش ضعف، لكن بيكون حكمة لحد ما تيجي اللحظة اللي تاخد فيها حقك بالقوة والأصول، وإن الست اللي تصون كرامتها ومتفرطش في حقها، بتجبر الدنيا كلها تحترمها غصب عنها.