يوم ما فتنت حماتي...... منى السيد

لمحة نيوز

يومين، والبيت عندهم هناك كان مقلوب. حماتي من أول يوم مش لاقية حد يطبخ ولا يغسل، وبناتها اختلفوا مين يمسح ومين يغسل لحد ما البيت اتملى زبالة ومواعين معفنة في الحوض! وسلفي الصغير رجع من الشغل ملقاش لقمة ياكلها وشد مع أمه. وأحمد... أحمد كان تايه، قاعد في شقته فوق لوحده مبيكلمش حد.
في اليوم التالت بالليل، رن تليفوني برقم أحمد. سبته يرن لحد ما فصل، ورن تاني وتالت، وفي الرابعة رديت ومحمود قاعد جمبي بيسمع
أميرة... وحشتيني، مش كفاية كده؟ البيت وحش من غيرك، وأنا اتسرعت ومكنش قصدي.
اتسرعت في إيه يا أحمد؟ اتسرعت لما صدقت كدب أمك؟ ولا اتسرعت لما جيت تكسرني وتهيني قدامهم؟
حقك عليا أنا، تعالي نقعد ونتفاهم، الشقة مقفولة عليكي ومش هتنزلي تحت تاني نهائي، بس ارجعيلي، أنا مش قادر أعيش هنا لوحدي، البيت كئيب ومتبهدل!
يعني إنت عايزني أرجع عشان الشقة كئيبة ومتبهدلة؟ عشان مش لاقي حد يغسلك هدومك ويطبخلك؟ هو ده كل اللي فارق معاك؟
لأ والله العظيم عشان بحبك وعارف قيمتك! أمي كانت متضايقة وغلطت، وأنا عرفت الحقيقة منها بالعافية بعد ما بناتها فتنوا عليها وقالولي إنك ممسيتيش الأكل وطلعتي مظلومة!
وعرفت متأخر ليه يا أحمد؟ مكنتش شايف بعينك؟ مكنتش عارف طبعهم؟ أنا خلاص قفلت الصفحة دي، ومش راجعة.
تاني يوم العصر، سمعنا صوت عربية بتقف قدام دارنا في البلد. خرجت وبصيت من الشباك... لقيته أحمد، ومعاه اتنين من كبارات عيلتهم، ناس تقال وليهم كلمة ومقام، ووراهم في العربية التانية... حماتي! لابسة عبايتها السودة، بس ماشية متوترة وعينها في الأرض.
أبويا ومحمود استقبلوهم في المندرة الكبيرة، ودخلوا وقفلوا الباب. أنا كنت واقفة ورا الباب المستور مع أمي، سامعة كل كلمة. الحاج عبد الرازق، كبير القرايب، بدأ يتكلم بالأصول
يا حاج كامل، إحنا جايين في حق وأصول، وعارفين إن بتكم غالية وأصيلة، وإحنا مش جايين ندافع عن الغلط، إحنا جايين نعتذر ونصلح، وجايبين أم أحمد برجليها لحد هنا عشان تحط إيدها في إيد بنتها وتطيب خاطرها. أبويا رد بهدوء منورين يا حاج عبد الرازق، بس إحنا بنتنا مش رخيصة، بنتنا خرجت من هنا معززة مكرمة، ودخلت بيتكم شالتكم كلكم على راسها، وفي الآخر تطلع كدابة ومفترية وتتهان قدام الصغير والكبير؟ الكلام ده ميرضيش ربنا.
أحمد اتكلم وصوته فيه رجا حقيقي أنا غلطان يا عمي، حقكم عليا، وجزمتك وجزمة بنتك فوق راسي، بس أنا شاري ومش بايع، وكل شروطكم مجابة. هنا حماتي نطقت بصوت مكسور البت بنتي، وأنا حسبة أمها، والشيطان دخل بينا، وساعة غضب راحت لحالها، وأنا جاية عشان خاطر ابني وبيته ميتخربش. محمود رد عليها بحدة لا يا خالة، إنتِ مجيتيش عشان ساعة غضب، إنتِ جيتي عشان ملقتيش خدامة تشيل وسخ بنتك بعد ما أميرة مشيت! جيتي عشان بنتك معرفتش تعمل كوباية شاي لأخوها!
الحاج عبد الرازق قال سيبك من اللي فات يا محمود، المطلوب إيه دلوقتي عشان الصلح يتم؟ أبويا رفع صوته ونده عليا يا أميرة... تعالي يا بنتي، اسمعي شروطك من لسانك.
دخلت المندرة، رافعة راسي وباصة في عيونهم كلهم بثبات. الحاج عبد الرازق بصلي وقال اتكلمي يا بنتي، شروطك إيه عشان ترجعي لبيتك معززة؟ وقفت في نص الأوضة، وقولت بصوت واضح سمعه الكل
أنا مش هرجع لبيت العيلة ده تاني نهائي. لو أحمد شاري، يبقى شقة مستقلة بعيد عن العمارة وبعيد عن الشارع كله، باسمي أو إيجار جديد في مكان تاني يختاره هو بس يكون بعيد. حماتي شهقت وكانت لسه هتفتح بقها تعترض، بس بص لها الحاج عبد الرازق نظرة أخرستها.
الشرط التاني ماليش دعوة بأي خدمة تحت، زيي زي أي ضيفة لما أروح أزور حماتي أروح بإيدي علبة حلويات، أقعد ساعتين بكرامتي وأقوم، وبناتها هما اللي يخدموها ويخدموا بيتهم. دهبي اللي بعته يرجعلي مكتوب في وصل أمانة، وحقي اللي اتهان قدام بناتها يتعوض قدامهم في بيتهم.
أحمد رفع راسه وقال من غير تردد أنا موافق يا أميرة، كل شروطك على عيني وراسي، الشقة بكرة الصبح هنزل أدور على غيرها، ودهبك هكتبلك بيه شيك ومؤخر صداقك هيتضاعف، والبيت تحت مش هتدخليه إلا زي الملكة وزي الضيوف.
حماتي كانت هتموت من الغيظ، ابنها اللي كانت ممشياه بكلمة وبيسمع كلامها عمياني، ركع لكل شروطي قدام كبارات العيلة، وحكم عليها ترجع هي وبناتها يخدموا نفسهم بنفسهم. بصيت لأحمد، حسيت بانتصار كرامتي، وقولت لأحمد لما الشقة تجهز والورق يتكتب... ساعتها هفكر أرجع.
الفصل الرابع والأخير الخاتمة
أسبوعين كاملين قعدتهم في بيت أبويا، مروا علي كأنهم نقاهة بعد سنين من الشقا. أحمد كان بيتصل كل يوم عشرين مرة، يبعت رسايل فيها صور شقق نزل عاينها في مناطق راقية. وفي الأسبوعين دول، حماتي دخلت في نوبة غضب مبتهداش، وبناتها اختلفوا مين فيهم يمسح ويغسل لحد ما البيت اتملى زبالة ومواعين معفنة، ومحدش فيهم كان بيعرف يعمل حتى صينية بطاطس عدلة!
في نهاية الأسبوع التاني، جه أحمد الصعيد لوحده، شايل شنطة صغيرة في إيده ومستعد. قعد مع أبويا ومحمود، وطلع الورق؛ عقد إيجار شقة خمس سنين مدفوع مقدمها سنة كاملة في حي هادي ونضيف، شيك بنكي بقيمة دهبي، وإيصال أمانة بمؤخر الصداق الجديد. محمود راجع الورق كلمة كلمة، وأبويا بص لأحمد وقال
قوم يا بتي، البسي عبايتك وسافري مع جوزك، وراسك تفضل مرفوعة للسما، لو اتلوت رقبته في يوم من الأيام، باب دار أبوكي مفتوح ليكي على مصراعيه.
وصلنا الشقة الجديدة، كانت في عمارة نضيفة، في الدور التالت، فيها أسانسير وهواها بحري. دخلت الشقة، لقيت عفشي القديم مترتب وممسوح، وفيه صالون جديد مودرن والمطبخ واسع وفي كل الأجهزة الحديثة.
مر أول شهر في الشقة الجديدة، وكانت العيشة جنة وهدوء. أحمد كان بينزل شغله ويرجع يلاقي بيته منظم وأكله سخن ومفيهوش أي نكد. بس الشيطان مابيموتش... وحماتي مكانتش من النوع اللي يسكت على هزيمته.
بعد شهر ونص، يوم جمعة، كنت مجهزة الغدا وقاعدين أنا وأحمد بنتفرج على التلفزيون في هدوء، وفجأة جرس الباب رن رنات متتالية وسريعة. أحمد استغرب وقام يفتح، وأنا قومت وقفت وراه. أول ما الباب اتفتح، دخلت حماتي ووراها بناتها التلاتة، لابسين ومتشيكين، ودخلوا يزقوا في الباب كأنهم داخلين زريبة!
حماتي بصت للشقة بعين كلها حسد وغل، وبصتلي وأنا واقفة بكامل أناقتي
ما شاء الله، ما شاء الله! أهو الهوانم عايشين في النعيم وإحنا اللي سيبتونا في الخرابة ناكل في بعضنا! أدي الشقة اللي فلوس ابني طارت عليها عشان خاطر ست الحسن والجمال!
أحمد وشه اتخطف، بس أنا المرة دي كنت هادية جداً، ابتسمت ابتسامة باردة
أهلاً يا حماتي... اتفضلوا، بس يا ريت بالراحة على الباب والجرس، البيت هنا له أصوله مش زي تحت. نهى أخته لوت بوزها وقعدت على الصالون الجديد ورجل على رجل أصول إيه يا مرات أخويا؟ دا بيت أخونا ومن حقنا ندخله في أي وقت! مشيت بهدوء، قعدت على الكرسي المقابل ليهم وحطيت رجل على رجل بيت أخوكم
تم نسخ الرابط