تركها وهي بتولد حكايات صافي هاني
بس، لكن نفسي، ولادي، وكل الناس اللي وقفت جنبي.
بعد سنة ونص كنت في مكتبي، دخل المحامي وقال في خبر جديد. قلت إيه؟ قال مروان رجع مصر. قلبي دق وسألته ليه؟ قال عايز يقابلك. قلت لا. قال بيقول إنه معاه دليل يغير كل حاجة. سكت، وفارس كان موجود وقال قابليه. بصيت له وقلت ليه؟ قال لو عنده دليل لازم نعرفه.
وافقت، لكن بشرط المقابلة تكون في المكتب، وأمام المحامي، وأمام فارس. وفي اليوم المحدد دخل مروان، لكن الشخص اللي دخل ماكانش الرجل اللي خرج من البنتهاوس؛ كان أهدى، أنحف، وشكله مرهق. وقف قدامي وقال ليلى. قلت اتفضل. قال أنا عارف إنك ظلمتك. قلت ده مش موضوعنا. قال أنا عايز أشوف ولادي. قلت لما يكون في قرار قانوني يسمح بده. سكت وقال أنا ماكنتش عايز أسيبك تموتي. بصيت له وقلت إنت قلتلي بنفسك كلمي حد يكون مهتم بيكي. قال كنت غضبان. قلت الغضب مش بيخلي الإنسان ينسى الإسعاف. سكت وبعدين قال أنا كنت خايف. قلت من إيه؟ قال من كل حاجة.. من خسارة الشركة، من خسارتك، من الحقيقة. قلت أي حقيقة؟ قرب الملف منه وقال أنا ماكنتش صاحب الفكرة من البداية.. عارفة. قال لكن في حاجة تانية. سحب ورقة وحطها قدامي وقال فارس هو اللي كان بيشتغل معايا من البداية. رفعت عيني، وفارس كان ساكت. مروان بصله وقال هو اللي ساعدني أول مرة، وهو اللي عرفني على المستثمرين، لكن لما اختلفنا بدأ يهددني. فارس قال بهدوء كمل. مروان بصله وقال هو عايز الشركة. فارس رد أنا عايز ليلى تاخد حقها. مروان ضحك وقال إنتِ مصدقة؟ بصيت لفارس، ولأول مرة ماعرفتش أقول حاجة، لأن مروان كان عنده ورقة، والورقة فيها توقيع فارس، وتاريخ قديم، والعنوان كان عنوان الشركة. وقتها فارس قال الورقة دي حقيقية. اتصدمت وقلت يعني هو بيقول الحقيقة؟ فارس قال جزء منها. قلت والجزء التاني؟ قال الجزء اللي مروان ماقالوش إن الاتفاق ده كان قبل ما أعرف إنه سرق حقوقك. قلت ومين كان شريكك؟ سكت وبعدين قال مروان. الصمت نزل على المكتب. مروان ابتسم وقال شايفة؟ فارس قال كنت شريكه، لكن لما عرفت إنك صاحبة الفكرة الأصلية خرجت من الاتفاق. مروان قال كذاب. فارس رد عندي المستندات.
المحامي فتح ملف تاني وطلع عقد انسحاب رسمي موقع من فارس قبل تأسيس الشركة بسنة. بصيت لمروان وسألته إنت كنت عارف إني صاحبة الفكرة؟ قال أيوه. قلت من البداية؟ هز راسه. قلت ومع ذلك أخدت كل حاجة؟ قال كنت فاكر إني بحمي مستقبلنا. ضحكت وقلت إنت كنت بتحمي مستقبلك إنت. مروان سكت وبعدين قال أنا بحبك. الكلمة دي كانت المفروض توجعني، لكنها ماعملتش أي حاجة. قلت الحب مش إنك تسيب أم ولادك مرمية على الأرض، الحب مش إنك تسحب فلوسها، الحب مش إنك تخليها تشك في نفسها، والأهم.. الحب مش إنك تاخد تعب إنسان وتقول إنه تعبك.
وقف وقبل ما يمشي قال هتندمي إنك اخترتي فارس. بصيت له وقلت أنا ما اخترتش فارس، أنا اخترت نفسي.
بعد ما خرج، سكت المكتب. فارس قال أنا آسف. قلت على إيه؟ قال إن جزء من الحقيقة اتأخر. قلت كان لازم تقولي من البداية. قال خفت تخافي مني. قلت أنا مش خايفة. سكت، فقلت بس أنا مش مستعدة أبدأ أي علاقة جديدة. قال أنا ماطلبتش منك. بصيت له فابتسم وقال أنا بس عايزك تعرفي إن اللي حصل بينا ماكانش صدفة. قلت إيه اللي تقصده؟ قال لما لقيتك مرمية على الأرض مافكرتش في الشركة ولا في مروان، فكرت في البنت اللي كانت واقفة قدامي في الجامعة من سنين وبتتكلم عن حلمها كأنه أهم حاجة في الدنيا. سكت وقال ولما شفتك بتدافعي عن ولادك وإنتِ مش قادرة تتحركي، عرفت إن البنت دي لسه موجودة، بس كانت مستخبية تحت سنين من الخوف. دموعي نزلت وقلت يمكن.. بس دلوقتي رجعت. قال أيوه.. رجعت.
بعد تلات سنين كنت واقفة في حفل افتتاح أكبر مشروع عملته الشركة بعد ما استعدت حقوقي. ولادي كانوا بيجروا حواليا، واحد منهم ماسك إيدي والتاني بيجري ناحية فارس. الناس كانت بتصور والصحفيين بيسألوا، لكن أنا ماكانتش مهتمة، كنت ببص لأولادي وأفتكر ليلة المطبخ وأقول في سري أنا ما متشّتش.. أنا نجيت، واللي كنت فاكرة إنه نهاية حياتي طلع بداية حياة جديدة.
بعد الحفل رجعت البيت ولقيت ظرف قديم على الباب. فتحته، كان فيه جواب من مروان، قرأته ليلى.. أنا خسرت كل حاجة، لكن أكتر حاجة خسرتها هي الست اللي كانت مستعدة تقف جنبي وأنا ماكنتش شايف قيمتها. مش بطلب منك ترجعي، ولا بطلب تسامحيني، أنا بس عايزك تعرفي إن آخر مرة شوفتك فيها قبل ما أخرج من البيت كنت عارف إنك بتحبيني، وأنا اخترت نفسي، ودي كانت أكبر غلطة عملتها في حياتي.
قفلت الجواب وحطيته في درج من غير ما أبكي ومن غير ما أكره، لأن في مرحلة من العمر الإنسان ما بيبقاش محتاج ينتقم، بيكون كل اللي محتاجه إنه يعيش.
بعدها بأيام كنت قاعدة في البلكونة والطفلين نايمين جوا وفارس واقف قدامي. قال فاكرة أول مرة اتقابلنا؟ قلت أيوه. قال وكنتِ فاكرة إن المشروع اللي عملتيه وقتها ضاع؟ قلت كنت فاكرة كده. قال ما ضاعش. سألته إزاي؟ أشار لجوا البيت للطفلين وقال إنك بقيتي أم، وإنك رجعتي لنفسك، وإنك بقيتي صاحبة القرار في حياتك. ابتسمت وقلت بس أنا لسه عندي خوف. قال كلنا عندنا خوف. قلت أنا بخاف أصدق حد تاني. قال ما تصدقيش كلام حد، صدقي أفعاله. بصيت له وقلت وأفعالك؟ قال لسه بتتكلم.
مرت سنين، وفي يوم كان ابني الكبير بيسألني ماما، بابا كان ليه مش معانا؟ سكت لحظة وبعدين نزلت لمستواه وقلت أبوك عمل اختيارات غلط. قال زي إيه؟ قلت اختار الفلوس فوق الناس، واختار غروره فوق بيته. وسكت. قال وإنتِ؟ ابتسمت وقلت أنا اخترتكم. سأل وما ندمتيش؟ ضمّيته وقلت أبدًا، لأن لو كنت رجعت بالزمن كنت هختار نفس الطريق، حتى لو كان أصعب طريق في الدنيا، لأن الطريق ده جابني ليكم.
بعد عشر سنين كان عندي مكتب كبير، لكن أكتر حاجة كنت بحبها مش المكتب، كانت صورة صغيرة فوق مكتبي؛ صورة لطفلين حديثي الولادة وتحتها تاريخ ميلادهم، التاريخ اللي كنت فاكرة فيه إني هخسر حياتي، لكنه كان التاريخ اللي بدأت فيه حياتي الحقيقية.
دخلت عليا بنتي وقالت ماما، في ضيف بره. قلت مين؟ قالت واحد اسمه فارس. ابتسمت وقلت خليه يدخل.
دخل فارس وكان ماسك باقة ورد صغيرة وقال افتكرت إن النهارده ذكرى مهمة. بصيت للصورة وقلت يوم ولادة التوأم. قال أيوه. ضحكت وقلت إنت لسه فاكر؟ قال أنا عمري ما نسيت.
قعدنا نتكلم والأطفال كانوا في الجامعة وقتها، والحياة كانت عدت بسرعة غريبة. فارس قال ليلى. قلت نعم؟ قال أنا عندي سؤال. قلت اسأل. قال بعد
كل اللي حصل، لسه بتخافي؟ فكرت وبعدين قلت أيوه. قال من إيه؟ قلت إني في يوم أصحى وأكتشف إن كل اللي بنيته ممكن يضيع. قال وإيه اللي عملتيه لما ضاع منك كل حاجة أول مرة؟ قلت بدأت من الصفر. قال يبقى إنتِ مش خايفة من الخسارة، إنتِ خايفة تنسي إنك تقدري تبدأي من جديد.
بصيت له وسكت، لأن الجملة دي كانت الحقيقة. في نفس الليلة فتحت درج قديم ولقيت الجواب اللي كتبه مروان، قرأته للمرة الأخيرة وبعدين قطعته؛ مش عشان أكرهه، لكن عشان مايبقاش ليه مكان في حياتي أكتر من اللي يستحقه.
قمت فتحت الشباك، الهوا دخل، وسمعت صوت أولادي من الصالة بيضحكوا ضحكة عالية، ضحكة بيت كامل. وقفت للحظة وافتكرت نفسي مرمية على أرض المطبخ في آخر الشهر التامن، إيدي الشمال مش حاساها، طفلي بيتحرك والتاني ساكت، وجوزي بيقفل الباب ويمشي. وقتها كنت متأكدة إن كل حاجة انتهت، لكن الحياة كانت مخبية لي مفاجأة الرجل اللي كنت فاكرة إنه عدوي كان أول واحد يشيلني من الأرض، والراجل اللي كنت فاكرة إنه سندي كان أول واحد يسيبني وأنا بموت. والأغرب إن أكبر خسارة في حياتي هي نفسها اللي خلتني أكتشف قيمتي.
أنا ما بقيتش مرات مروان، ولا الست اللي وقعت على عقد من غير ما تقراه، ولا الموظفة اللي اختفى اسمها من الشركة؛ أنا ليلى، الأم اللي نجت، والست اللي بدأت من الصفر، والإنسانة اللي عرفت إن ربنا ممكن يقفل باب مش عشان يعاقبها، لكن عشان يفتح لها باب أكبر؛ باب ماكانتوش شايفاه وهي واقفة قدام الباب القديم وبتعيط.
وفي آخر يوم من السنة كنت واقفة مع أولادي وفارس قدام النيل. ابني بصلي وقال ماما، إنتِ فعلًا كنتِ بتموتي يوم ما اتولدنا؟ ابتسمت وقلت كنت فاكرة إني باموت. قال وبعدين؟ بصيت لفارس وبعدين لأولادي وقلت وبعدين ربنا كتبلي عمر جديد. ضحك وقال يعني إحنا السبب؟ ضحكت وضمّيتهم وقلت إنتوا أجمل سبب.
وفارس وقف جنبنا من غير ما يقول حاجة، لكن عينه كانت بتقول كل حاجة. ساعتها فهمت إن بعض الناس بيدخلوا حياتنا في اللحظة اللي بنكون فيها على آخرنا، مش عشان ينقذونا من الدنيا، لكن عشان يفكرونا إننا نقدر نقف تاني.
وأنا فعلًا وقفت.. مش على رجلي بس، وقفت على حق، على اسمي، على شغلي، على ولادي، وعلى نفسي. أما مروان فبقى مجرد فصل قديم، فصل موجع، لكن لولاه يمكن ماكنتش هعرف أقرأ باقي الكتاب. وأحيانًا، أقسى ليلة في حياتنا بتكون هي اللي بتخبّي أول صفحة في حياة جديدة؛ صفحة بدأت بامرأة حامل مرمية على أرض مطبخ، وانتهت بأم واقفة على رجليها جنب ولادها، ومش محتاجة حد يقول لها إنها تستحق الحياة، لأنها أخيرًا عرفت الحقيقة إنها كانت تستحقها من البداية.