تركها وهي بتولد حكايات صافي هاني
المحتويات
ده اللي لسه بندور عليه.
بعد أسبوع خرجت من المستشفى، وأول حاجة عملتها إني رحت للحضانة. وقفت قدام الطفلين، كانوا لسه ضعاف، لكن الاتنين بدأوا يتحسنوا. الدكتور قال لو فضلوا بنفس المعدل ممكن يرجعوا البيت خلال أيام. كنت ببكي كل مرة أسمع فيها كلمة البيت، لأن البيت بالنسبة لي بقى مرتبط بالليلة اللي كنت مرمية فيها على الأرض. لكن فارس قال لي لو مش عايزة ترجعي البنتهاوس ماترجعيش. قلت مش هرجع. قال عندي بيت تاني. قلت لا. قال مش قصدي أعيشِ فيه، ده ملكي ومؤمن، تقدري تقعدي فيه لحد ما تعرفي هتعملي إيه. قلت مش عايزة أكون مديونة لك. قال إنتِ مش مديونة لي، أنا بس برد جزء من دين قديم. قلت إحنا ماكناش نعرف بعض. قال إحنا كنا نعرف بعض. قلت إمتى؟ بصلي وقال قبل مروان. أنا سكت، فقال إنتِ يمكن نسيتي، لكن أنا فاكر.
رجعت بالذاكرة سنين؛ قبل الشركة، قبل الفلوس، قبل الشهرة. كنت في الجامعة وكان عندي مشروع صغير، كنت بحاول أصمم نظام لإدارة سيارات النقل. وفي يوم دخلت مسابقة مشروعات، وكان في شاب واقف آخر القاعة بيسألني أسئلة عن المشروع، كان اسمه فارس. وقتها ماكانش غني، ولا معروف، ولا حتى كان عنده شركة. قعد معايا ساعتين وقالي إن فكرتي ممتازة وإنها ممكن تغير طريقة إدارة النقل في مصر، وبعدها بأسبوع اختفى. أنا نسيت الموضوع كله، وبعد سنين قابلت مروان وساعدته في تأسيس الشركة، واكتشفت بعد فترة إن جزء كبير من فكرتي القديمة اتحول إلى أساس المشروع.
سألت فارس إنت كنت فاكرني من ساعتها؟ قال أنا ما نسيتكيش. قلت طب ليه ماكلمتنيش؟ قال لما شفتك مع مروان، افتكرت إنك اخترتي طريقك. قلت كنت متجوزة. قال عشان كده بالضبط ما تدخلتش. وبعدين أضاف لحد ما فهمت إنك مش عارفة الحقيقة كاملة. قلت أي حقيقة؟ قال إن مروان ما بدأش الشركة من الصفر، هو استخدم مشروعك وباع جزء منه لمستثمرين من غير ما يذكر اسمك. اتصدمت وقلت إنت متأكد؟ قال عندي المستندات.
بعد أسبوعين خرج الطفلان من الحضانة، أخدتهم البيت الجديد. كان بيت هادي، مش فاخر زي البنتهاوس، لكن كان فيه حاجة ماكانتش موجودة في بيتي القديم الأمان. أول ليلة حطيت الطفلين جنب بعض وقعدت أبص لهم وبكيت؛ مش عشان مروان، لكن عشان نفسي. أنا قضيت سنين وأنا بحاول أثبت له إني مهمة، وبعد ما مشي اكتشفت إني ماكنتش محتاجة أثبت له أي حاجة أصلًا، كنت أنا السبب الحقيقي في نجاحه وكان لازم أفتكر ده، لكن اللي ماكنتش أعرفه إن مروان لسه ماخلصش.
في الساعة تلاتة الفجر رن جرس الباب. فارس كان في الصالة، فتح الباب وكان واحد من الحرس قال في عربية وقفت تحت البيت وفضلت واقفة حوالي عشر دقايق. فارس سأل رقمها؟ الحارس قال مجهول. فارس قال خلي عينكم عليها. وبعدين دخل عندي وقال ليلى، لازم نتحرك. قلت في إيه؟ قال مروان عرف مكانك. قلت إزاي؟ قال لأن حد من المستشفى سرب عنوانك. قمت بسرعة وقلت والأطفال؟ قال هننقلهم لمكان تاني.
وفي نفس اللحظة سمعنا صوت عربية بتتحرك تحت البيت. فارس قرب من الشباك وبص من بعيد وبعدين قال العربية اختفت. لكن قبل ما يبعد تليفونه رن، بص للشاشة وبعدين اداني الموبايل وقال دي مكالمة ليكي. قلت مين؟ قال مروان. رفضت أرد. فارس قال ردي، يمكن يقول حاجة نحتاجها. ضغطت زر الإجابة وسكت. جالي صوته هادئ على غير عادته، قال إنتِ فاكرة إن فارس أنقذك عشان طيب؟ ما رديتش. قال هو ليس عايز ينقذك، هو عايز ياخد الشركة. قفلت.
فارس كان واقف قدامي، وقلت هو بيكدب؟ قال ممكن. قلت ممكن؟ قال أنا فعلًا عايز الشركة. سكت، وقال لكن مش شركتك. قلت يعني؟ قال الشركة اللي مروان سرقها منك، أنا عايز أرجعها لصاحبتها. قلت وليه؟ قال لأنك الوحيدة اللي تقدر تديرها. بصيت له وقلت أنا مش عايزة الشركة. قال هتغيري رأيك. قلت لا. قال لما تعرفي الحقيقة كلها هتغيري رأيك.
تاني يوم فارس أخدني لمكتب المحامي، وكانت هناك صناديق مليانة أوراق. قال دي كل الملفات اللي قدرنا نوصل لها. بدأنا نقرأ، وكانت المفاجأة إن اسمي موجود في كل حاجة كل مشروع، كل براءة اختراع، كل نظام، كل اتفاق؛ كان فيه توقيعي، لكن مروان كان بيقدم نفسه للناس باعتباره صاحب الفكرة، حتى شهادات الملكية الفكرية كانت متسجلة باسم شركة يملك معظم أسهمها. سألت إزاي عمل ده؟ المحامي قال لأنك وثقتي فيه. الجملة وجعتني لأنها كانت صحيحة، لكن بين الملفات لقيت ورقة مختلفة؛ ورقة من البنك بتثبت إن مروان سحب مبلغ ضخم قبل ما يسيبني. قلت ده فلوس الشركة؟ المحامي قال جزء منها. قلت وجزء من فلوسي؟ قال أيوه. قلت يبقى لازم نرجعها. فارس بصلي وقال ده أول قرار صحيح. ابتسمت لأول مرة من أيام وقلت أنا مش هسيب له حاجة، مش عشان أنتقم، عشان ولادي.
بعد شهر بدأت القضية. الصحافة بدأت تتكلم؛ ناس قالت إن مروان رجل أعمال ناجح، وناس قالت إن في نزاع عائلي. لكن أنا ماطلعتش أتكلم، ماكانش عندي وقت للرد على الناس، كان عندي طفلين لازم يكبروا، وشركة لازم أعرف حقي فيها.
وفي يوم وصلني ظرف من غير اسم مرسل. فتحته، لقيت صورة قديمة ليا أنا ومروان من أول يوم بدأنا فيه المشروع، وخلف الصورة جملة مكتوبة بخط إيده من غيرك ماكنتش وصلت. بصيت للصورة طويلًا وبعدين قلبتها، لقيت جملة تانية لكن من غيري إنتِ مش هتعرفي توصلي. ضحكت، لأن الجملة دي كانت آخر دليل كنت محتاجاه. احتفظت بالصورة وقدمتها للمحامي.
وبعد أيام ظهر تسجيل قديم، كان مروان بيتكلم مع أحد المستثمرين وقال بوضوح إن كل حقوق المشروع الأساسية راجعة ليا، وإنه أخفى اسمي لأنه كان خايف أخد نصيب أكبر. التسجيل قلب القضية، وفجأة مروان ما بقاش هو اللي بيطاردني، هو اللي بقى بيحاول يبرر نفسه.
بعد شهور رجعت أقف في مكتب الشركة؛ نفس المبنى، نفس المصعد، نفس الموظفين. لكن المرة دي أنا اللي دخلت من الباب الرئيسي، مش زوجة رجل الأعمال، مش أم توأم، مش موظفة سابقة؛ دخلت باعتباري واحدة من أصحاب الحق الأصلي في الشركة.
وفي أول اجتماع دخل فارس، حط قدامي ملف وقال كل حاجة جاهزة. قلت عايزين نعمل إيه؟ قال نبدأ من الصفر. قلت لا، نبني من جديد. سكت وبعدين ابتسم وقال دي أول مرة أسمعك بتتكلمي عن الشركة كأنها بتاعتك. قلت لأنها فعلًا بتاعتي.
مرت سنة، الطفلين كبروا وبقوا بيجروا في البيت، واحد كان هادي والتاني كان مشاغب. كنت كل ليلة قبل ما أنام أبص لهم وأفتكر الليلة اللي كنت فاكرة فيها إني هموت، وأفتكر جملة مروان لو إنتِ فعلًا بتموتي كلمي حد يكون مهتم بيكي. الغريب إن الجملة اللي قصد بيها يقتل الأمل جوايا كانت السبب إني عرفت مين فعلًا مهتم بيا؛ مش فارس
متابعة القراءة