كنت بحمي بنت جوزي مامتها اتجوزت وهي عايشة معايا
كنت بحمي بنت جوزي مامتها اتجوزت وهي عايشة معايا، عندها 9 سنين، وبسرحلها شعرها عشان مدرستها بكره. قعدت أدردش معاها وبقولها ذاكري وانجحي، ولما تكبري تشتغلي وتجيبي عربية، ولما يجيلي بيبي إنتِ اللي هتاخدي بالك منه وتفسحيه وتجيبي له طلباته. كانت قاعدة قدامي على الكرسي الصغير اللي بتحبه، ورجليها بتتحرك لقدام وورا وهي بتحكيلي عن يومها في المدرسة، وأنا بسرحلها شعرها واحدة واحدة وبحاول أفك التشابكات من غير ما أوجعها، وكل شوية كانت تقوللي بالراحة يا ماما فأضحك وأقول لها هو أنا بشد شعرك؟ فترد عليا وهي بتضحك أيوه بتشدي! فأقول لها خلاص خلاص، آسفة يا ست البنات. كانت لحظة عادية جدًا في بيتنا، من اللحظات اللي مفيهاش أي حاجة مميزة، بس بعدها بدقايق قليلة حصل موقف صغير جدًا في شكله، لكنه فضل محفور جوايا من يومها.
البنت دي دخلت حياتي وهي صغيرة، ومن أول يوم وأنا عارفة إن علاقتي بيها مختلفة عن أي علاقة تانية، لأنها مش بنتي اللي ولدتني، لكن مع الوقت بقت بنتي بكل المعاني اللي ممكن الكلمة تحملها. مامتها اتجوزت وهي لسه صغيرة، والبنت فضلت عايشة معايا ومع أبوها، وأنا من أول يوم حاولت ما أحسسهاش إنها ضيفة في بيتنا ولا إن ليها مكان مؤقت. كنت دايمًا أقول لجوزي إن البنت ملهاش ذنب في أي حاجة حصلت بين الكبار، وإن أهم حاجة عندي إنها تكبر وهي حاسة بالأمان، وإنها متفضلش طول عمرها تسأل نفسها هي تبع مين ومين بيحبها ومين ممكن يسيبها.
كنت عارفة إنها في سن صغير، لكن الأطفال بيفهموا حاجات إحنا الكبار ساعات بنفتكر إنهم مش واخدين بالهم منها. بيحسوا بنبرة الصوت، وبنظرة العين، وبالفرق بين كلمة تتقال بحب وكلمة تتقال مجاملة، وكنت حريصة جدًا إن البنت دي متحسش في يوم إنها أقل من أي طفل ممكن ييجي في المستقبل. يمكن عشان كده كنت بفرح لما تناديني ماما، حتى لو كانت بتقولها أحيانًا وهي مكسوفة أو بصوت واطي، وكنت كل مرة أسمعها أحس إن ربنا حطني قدام مسؤولية كبيرة لازم أحافظ عليها.
في اليوم ده كانت المدرسة تاني يوم، فكنت بجهزها للنوم، وغسلت لها شعرها ولبستها هدوم النوم، وقعدت أسرحلها شعرها عشان الصبح متتعبش وهي بتلبس. كانت بتتكلم بسرعة كالعادة، مرة عن صاحبتها، ومرة عن المدرّسة، ومرة عن شنطة واحدة من البنات، ومرة عن عربية نفسها تجيبها لما تكبر. قلتلها وأنا بضحك إنتِ الأول ذاكري وبعدين فكري في العربية. قالتلي هجيب عربية كبيرة. قلتلها ليه كبيرة؟ قالت عشان أخدك معايا. ضحكت وقلتلها طب وأنا هركب فين؟ قالت هقعدك جنبي. قلتلها خلاص اتفقنا. وبعدها بدأت أديها نصايح زي كل أم بتكلم بنتها، وقلتلها ذاكري وانجحي، ولما تكبري تشتغلي وتجيبي عربية، ولما يجيلي بيبي إنتِ اللي هتاخدي بالك منه وتفسحيه وتجيبي له طلباته.
هي سكتت لحظة وبعدين قالتلي إحنا الاتنين؟ أنا من غير ما أفكر رديت عليها لا لا. كنت أقصد حاجة تانية خالص، كنت أقصد إني لو ربنا رزقني بأطفال، نفسي أخلف طفلين، لكن لما قالت إحنا الاتنين دماغي راحت تلقائي لفكرة التوأم، فقلت لا لا وأنا أصلًا مش واخدة بالي إن هي بتسألني إذا كانت هي والبيبي محسوبين مع بعض ولا لأ.
أول ما قلت الكلمتين، حسيت إن صوتها اختفى. كأن حد قفل الكلام فجأة. رفعت عيني من شعرها وبصيت في المراية، لقيتها مطأطية راسها. في الأول افتكرت إنها زعلت من حاجة بسيطة، فقلت لها مالك؟ قالت مفيش. قلتلها طب بصيلي. مردتش. قربت منها شوية وقلتلها إنتِ زعلانة مني؟ هزت راسها بالنفي، بس أنا عرفت إنها زعلانة. كان واضح في طريقة قعدتها وفي إيدها اللي كانت ماسكة طرف هدومها وبتلفه حوالين صباعها. حطيت المشط على الترابيزة ولفيت الكرسي ناحيتي وقلتلها تعالي هنا. رفعت وشها، وكانت عينيها فيها دموع محپوسة، وسألتني بصوت صغير أوي هو أنا مش بنتك برضه؟
الكلمة دي دخلت قلبي بطريقة وجعتني. مش عشان هي سألت، لكن عشان اكتشفت في لحظة واحدة إنها ممكن تكون شايلة جواها خوف أنا مكنتش عارفة إنه موجود. مسكت وشها بإيدي وقلتلها أكيد بنتي طبعًا. قالتلي طب ليه قلتي لا على كلمة الاتنين؟ وقتها فهمت هي سمعت إيه من كلامي. بالنسبة لي كانت لا لا عابرة، لكن بالنسبة لها كانت ممكن تكون معناها إن الطفل اللي هخلفه هيبقى ابن حقيقي وأنا لأ. قلتلها بسرعة يا حبيبتي أنا كنت أقصد حاجة تانية خالص، إنتِ لما قلتي إحنا الاتنين أنا افتكرتك بتقولي أنا والبيبي نخليهم اتنين ولا تقصدي توأم، فقلتلك لا لا، مش قصدي إنك مش بنتي.
فضلت ساكتة. قلتلها إنتِ بنتي، فاهمة؟ قالت بس مش زي البيبي. سألتها مين قالك كده؟ قالت محدش. قلتلها أمال ليه بتقولي كده؟ قالت عشان هو هيبقى ابنك وإنتِ هتولديه. الكلمة دي خبطتني. قلتلها وإنتِ إيه؟ قالت أنا بنتك بس مش من بطنك. وقتها حضنتها وقلتلها في حاجات كتير في الدنيا بتخلّي الإنسان يبقى ابنك من غير ما يكون من بطنك. في طفل ممكن يتولد من بطنك وميفهمكيش ولا يحبك، وفي طفل تاني ممكن ميكونش من بطنك لكنه يبقى أقرب واحد لقلبك. الأم مش بس اللي بتولد، الأم اللي تخاف عليك، وتنام وهي مطمنة إنك كويسة، وتفرح لما تنجحي، وتزعل لما تزعلي، وتفضل موجودة وقت ما تحتاجيها.
كانت بتسمعني وهي ساكتة، وبعدها سألتني يعني لو جه بيبي هتفضلي تحبيني؟ قلتلها ده أنا هحبك أكتر، عشان هتبقي أخت كبيرة، وهحتاج مساعدتك. قالتلي يعني مش هتسيبيني؟ قلتلها أسيبك ليه؟ قالت عشان البيبي. قلتلها هو البيبي هييجي ياخد مكانك؟ لا، البيبي هييجي يبقى ليه مكانه، وإنتِ ليكي مكانك، ومكانك مش هيتاخد. قالتلي حتى لو البيبي ولد؟ ضحكت وقلتلها حتى لو ولد. قالت حتى لو كان أحلى مني؟ هنا ضحكت من قلبي وقلتلها هو في حد أحلى منك؟ ضحكت وقالت أنا عارفة إنك هتقولي كده. قلتلها وأنا كمان عارفة إنك بتحبي تسمعيها.
فضلت تضحك، وبعدها حطت راسها على صدري وقالت أنا بحبك. قلتلها وأنا بحبك. قالتلي إنتِ ماما. الكلمة دي رغم إنها كانت بتقولها قبل كده، إلا إن المرة دي كانت مختلفة. يمكن عشان جات بعد خوف، وبعد سؤال، وبعد لحظة كانت محتاجة فيها تطمن إن مكانها محفوظ. حضنتها جامد وفضلت أطبطب عليها، وقلبي كان بيوجعني وأنا بفكر قد إيه الطفل ممكن ېخاف من حاجات إحنا مش شايفينها.
بعد شوية قلتلها طب خلاص بقى، نكمل شعرك قبل ما تنامي. قالتلي اعمليلي ضفيرة. قلتلها حاضر. وأنا بعمل الضفيرة سألتها هو إنتِ كنتي فاكرة إيه لما قلتي إحنا الاتنين؟ سكتت شوية وبعدين قالت كنت أقصد أنا والبيبي. قلتلها وعشان كده لما قلت لا زعلتي؟ هزت راسها. سألتها إنتِ كنتي خاېفة إني لما أخلف أنساكي؟ قالت شوية. قلتلها ليه؟ قالت عشان بابا لما اتجوزك، أنا كنت بخاف إنك متحبينيش.
وقفت إيدي