جوزي طردني من البيت بسبب امه
بحب أحمد، وده كان أصعب جزء، لأنك لما تكرهي حد ظلمك الموضوع بيبقى أسهل، لكن لما تفضلي بتحبيه بيبقى أصعب بكتير.
وفي ليلة، كنت راجعة من الشغل، ولقيت رقم غريب بيتصل، رديت، وجالي صوت ست كبيرة بتبكي، عرفته فورًا حماتي.
سكتت ثواني، وبعدين قالت
سارة ما رديتش، قالت وهي بتبعيط
أنا عارفة إني ظلمتك.
ولأول مرة من يوم عرفتها سمعتها مكسورة فعلًا، لكن كان فيه حاجة غريبة في صوتها، حاجة خلت قلبي يقبض، وكأن في مصيبة أكبر جاية، وساعتها قالت الجملة اللي خلتني أقف مكاني
تعالي بسرعة أحمد في المستشفى.
قلبي وقع، ومخي وقف عن التفكير، ما سألتش، ما فكرتش، أول حاجة عملتها إني أخدت شنطتي ونزلت أجري.. طول الطريق للمستشفى كنت بدعي، رغم كل اللي حصل بينا، رغم الوجع، رغم الطرد، رغم الخذلان، كان أحمد زي ما يكون جزء كبير من عمري، وما كنتش مستعدة أخسره.
وصلت المستشفى، ولقيت حماتي قاعدة قدام غرفة الطوارئ، أول ما شافتني قامت، وشكلها كان مختلف تمامًا عن الست اللي عرفتها طول السنين، لا في كبر، ولا في عناد، ولا في أوامر، كانت مجرد أم مرعوبة على ابنها.. قالت وهي بتبعيط
سامحيني يا بنتي.
لكن وقتها ما كانش عندي طاقة لأي كلام، قلت بسرعة
أحمد ماله؟
أغمي عليه، الدكتور قال إجهاد شديد وضغط عصبي.
تنفست شوية، لأن خوفي كان رايح لأسوأ من كده، وقعدت مستنية.. بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور، وقال إن حالته مستقرة، لكن محتاج راحة، وإن الضغط النفسي اللي عاشه الفترة الأخيرة أثر عليه بشكل كبير.
دخلت أشوفه، كان نايم، وشه مرهق، وكأنه كبر عشر سنين في أسبوعين.. وقفت جنبه، وبصيت له، وافتكرت أول يوم شفته، وأول ضحكة، وأول حلم جمعنا.. وافتكرت كمان أسوأ يوم، اليوم اللي طردني فيه.. والحقيقة إن المشاعر كلها كانت متلخبطة جوايا، لا أنا قادرة أنسى، ولا قادرة أكره.
تاني يوم فاق، وأول ما فتح عينه، شافني قاعدة جنبه، فضل يبصلي ثواني، وبعدين نزلت دمعة من عينه، وقال بصوت ضعيف
كنت عارف إنك هتيجي.. حتى بعد اللي عملته. سكت شوية، وبعدين قال
أنا خسرتك بإيدي. قلت بهدوء
لسه ما خسرنيش بالكامل. رفع عينه بسرعة، فكملت
بس اللي اتكسر محتاج وقت. هز رأسه، وقال
مستعد أستنى العمر كله.
بعدها بأيام، بدأت الأمور تهدى، التحقيقات أثبتت إن أحمد فعلًا ما كانش ليه علاقة بالقرض، والبنك بدأ إجراءات تصحيح الوضع.. أما خاله فتقبض عليه بعد فترة قصيرة، واتكشف إنه كان مستغل ثقة ناس كتير غير أحمد كمان.
وأخيرًا، الحقيقة كلها ظهرت، قدام العيلة كلها، وقدام الناس كلها، وما بقاش فيه حد يقدر يقول إني كنت السبب، ولا إني كنت بخبي فلوس، ولا إني ظلمت حد.
أما حماتي فكانت أكتر شخص اتغير، يمكن لأول مرة في حياتها تشوف نتيجة أفعالها بشكل واضح، كانت كل فترة تتصل بيا، مش عشان تبرر، لكن عشان تعتذر.. وفي الأول كنت بسمع وساكتة، لكن مع الوقت، حسيت إن ندمها حقيقي، وفي يوم طلبت تشوفني، وافقت.
قعدت قدامي، وقالت
عارفة إن كلمة آسفة قليلة، وعارفة إنك ممكن ما تسامحينيش أبدًا، بس كنت خايفة أفقد ابني.
ابتسمت بحزن، وقلت
والخوف خلاكي تضيعيه فعلًا.
نزلت دموعها، وما قدرتش ترد، لأن دي كانت الحقيقة، كل محاولة سيطرة منها كانت بتبعده عنها أكتر.
عدى شهرين، وأحمد كان يتغير فعلًا، مش بالكلام، بالتصرفات، كان بيتعلم يسمع، ويتحمل مسؤولية قراراته، ويبني الثقة من أول وجديد، طوبة طوبة، من غير استعجال، ومن غير ضغط.. ولأول مرة من سنين، بقيت أحس إننا بنتعامل كشريكين، مش كزوج وأمه واقفة بينه وبين مراته.
وفي يوم، طلب يقابلني في نفس المكان اللي اعتذرلي فيه أول مرة، روحت، ولقيته مبتسم الابتسامة اللي كنت مفتقداها، قعد قدامي، وقال
فاكرة أول يوم قابلتك فيه؟ ضحكت، وقلت
أيوة.
وقتها قلت لنفسي إن البنت دي لو خرجت من حياتي هبقى أغبى إنسان في الدنيا.. للأسف أثبت لنفسي إني كنت فعلاً غبي.
ضحكت لأول مرة من قلبي من شهور، وأول مرة أحس إن الجرح بدأ يخف، مش لأنه اختفى، لكن لأنه أخيرًا اتعالج.
بعدها بشهور، رجعت البيت، لكن مش نفس البيت، بيت جديد، في مكان جديد، بداية جديدة.. وأهم شرط كان واضح من البداية، مفيش حد يتدخل بينا، ولا أسرار، ولا شك، ولا قرارات تتاخد من غير الطرف التاني.. وأحمد وافق من غير نقاش، لأنه كان عارف إن الثقة لما تتكسر، إرجاعها بيحتاج شغل أكتر من بنائها أول مرة.
وفي يوم وأنا برتب دولاب قديم، لقيت الشنطة الصغيرة اللي خرجت بيها من البيت، وقفت أبص لها، وافتكرت الليلة دي، الليلة اللي حسيت فيها إن حياتي انتهت.. لكن الحقيقة إنها ما كانتش النهاية، كانت بداية الحقيقة، وبداية اكتشاف الناس على حقيقتها، وبداية إن أحمد يتعلم إن الحب من غير ثقة ما يكملش، وإن الأم مهما كانت غالية ما ينفعش تبقى سبب في ظلم حد.
قفلت الشنطة، وحطيتها فوق الدولاب، وساعتها دخل أحمد، وسألني
بتبصي على إيه؟ ابتسمت، وقلت
على ذكرى قديمة.
بص للشنطة وفهم فورًا، قرب مني، وقال
أوعدك عمري ما هخليكي تخرجي من بيتي مكسورة تاني. بصيت له، وقلت
وأنا أوعدك إن الحقيقة مهما اتأخرت لازم تظهر.
ابتسم ومسك إيدي، وفي اللحظة دي حسيت إن كل العاصفة اللي عدت علينا أخيرًا انتهت، وإن البيت اللي اتكسر يوم ما
خرجت منه بالشنطة الصغيرة اتبنى من جديد، المرة دي على أساس أقوى الصدق والثقة والاحترام.
تمت.