ثمن الطيبة و سواد النفوس منى السيد

لمحة نيوز

كان بيحاول يدمره من ساعات بقى هو اللي محتاج له دلوقتي. وصلنا المستشفى العام، الريحة بتاعة المعقمات وأصوات الأجهزة والتروليات اللي بتجري خلت قلوبنا تنقبض. لقينا جوزها واقف بره العمليات، هدومه متبهدلة تراب ودموع مغرقة وشه، أول ما شاف أحمد ارتمى في حضنه. أحمد... كانت سايقة زي المجنونة، كانت طالعة من عندكم وهي بتصرخ ومش شايفة قدامها، دخلت في مقطورة كانت واقفة على جنب الطريق، العربية بقت كوم صاج!، جوزها كان بيحكي وهو بيترعش ومش فاهم إيه اللي وصلها للحالة دي، وطبعًا مكنش يعرف أي حاجة عن السحر ولا عن الفضيحة اللي حصلت قبلها بساعة. حماتي كانت قاعدة على كراسي الانتظار الحديد وهي ساندة ضهرها للحيطة، وسبحتها في إيدها، بتتمتم بدعوات مبحوحة، وأنا واقفة جنبها بماسك إيديها وبطمنها. بعد تلات ساعات كاملة، الباب الأزرق بتاع العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وهو قالع الكمامة وتعبان، ملامح وشه كانت كفيلة تقول إن الموقف كارثي. أحمد وجوزها وحماتي اتلموا حواليه بلهفة خير يا دكتور طمنا بالله عليك؟. الدكتور اتنهد تنهيدة طويلة وقال الحمد لله، قدرنا نوقف النزيف الداخلي وأنقذنا حياتها بأعجوبة، بس للأسف... الكدمات والكسور كانت بالغة جدًا في منطقة العمود الفقري والحوض، حصل تهتك شديد في النخاع الشوكي، وده معناه إنها فقدت القدرة على الحركة في نصها السفلي تمامًا... شلل نصفي دائم، ومش هتقدر تمشي على رجليها تاني. الكلمة نزلت زي الصاعقة على راس الكل. حماتي حطت إيدها على راسها وغمي عليها في ساعتها، الممرضين جريوا يشيلوها يدخلوها أوضة الملاحظة عشان ضغطها علي فجأة، وأحمد فضل باصص للدكتور وهو مش مصدق. شلل؟ الرجلين اللي مشيت في نص الليل للدجالين، والرجلين اللي وقفت على عتبة بيتي ترش الأذى والخراب، ربنا كتب عليها إنها متتحركش خطوة تانية في الدنيا إلا بكرسي متحرك! جوزها مسك في هدوم الدكتور وبدأ يبكي بهستيريا، وأنا وقفت بعيد، جسمي كله قشعر. حسيت ببرد شديد نزل على صدري. ده عدل ربنا، ربنا ميموتهاش عشان تخلص، ربنا سابها عايشة عشان تشوف أثر اللي عملته، وتدوق من نفس الكاس اللي كانت عايزة تسقيه لأخوها ولمراته، كاس العجز وقلة الحيلة والكسرة. عدت أيام وأسابيع طويلة، منى اتنقلت لأوضة عادية بعد ما فاقت، والصدمة كانت أكبر لما عرفت حالتها. الصراخ اللي كان طالع من أوضتها كان بيهز المستشفى كلها، كانت رافضة تاكل، ورافضة تبص لوش حد. لما أحمد دخل عليها بعد ما اتحايلت عليه أمه، منى أول ما شافته، دارت وشها في الملاية وفضلت تبكي بصوت يقطع القلب اخرج بره يا أحمد! متجيش تشمت فيا! أنا استاهل اللي جرالي، ربنا بيعاقبني عشان كنت عايزة أكسرك، ودلوقتي أنا اللي اتكسرت ومحدش هيقدر يجبّرني!. أحمد مقربش منها خطوة، فضل واقف عند الباب وبص لها بوجع وقال أنا مش شامت يا منى، أنا قلبي موجوع عليكي وعلى اللي عملتيه في نفسك. إنتِ ضيعتي آخرتك ودنيتك عشان شوية غل وفلوس لا راحت ولا جت. ربنا يسامحك على اللي عملتيه، بس الشفا مش هتشوفيه إلا لما قلبك ينضف وتستغفري بجد. وسابها وخرج ومبقاش يروح لها تاني، كان بيتكفل بمصاريف علاجها والمستشفى من غير ما يقابلها، بيعمل ده لوجه الله وبرًا بأمه مش أكتر. لكن انتقام ربنا مكنش وقف عند حد العجز الجسدي بس، الحساب كان لسه بيكمل فصوله واحد ورا التاني بدقة تخلي الواحد يقف مذهول قدام حكمة القدير. جوزها، اللي هي كانت واخدة الفلوس علشانه وباعت أخوها وسحرت له عشان تداري على أزمته، أول ما عرف إنها بقت عاجزة ومش هتقدر تخدمه ولا تخدم بيته، بدأت حقيقته تبان. الراجل اللي كانت بتدافع عنه باستماتة، فضل شهرين بالعدد يزورها على مضض، وبعدها دخل عليها بورقة طلاقها في وشها! مش بس كده، ده طلع كاتب كل حاجة باسمه، ومكنش في أي أزمة مالية حقيقية زي ما فهموها، كان بيستغل غلها وحقدها على أخوها عشان يلهف الفلوس، وأول ما وقعت، اتجوز عليها واحدة تانية في نفس الشقة اللي اتفرشت من خير أخوها، وطرد منى ورمى لها شنطة هدومها عند بيت حماتي! منى رجعت بيت حماتي، بس مش منى المتكبرة اللي كانت بتبص للناس بتعالي وتمد إيدها تاخد اللي مش بتاعها، رجعت مكسورة الجناح، على كرسي بعجل، لا حيلة لها ولا قوة، وشها شحب، وعينيها اللي كانت بتقد شرار انطفت تمامًا وبقت نظرتها تملأها الذل والانكسار. بقت قاعدة في أوضة صغيرة تحت، تسمع حس الدنيا والناس طالعة ونازلة وهي مش قادرة حتى تقوم تعمل لنفسها كوباية شاي أو تدخل الحمام من غير ما حد يسندها. في المقابل، كأن ربنا كان بيعوضنا عن كل ثانية خوف وحزن وقهر عشناه في الفترة اللي فاتت. السحر لما اتفك واتحرق بنور القرآن، البركة رجعت بيتنا زي المطر. شركة المقاولات اللي جوزي كان شغال فيها اتوسعت، وربنا فتح عليه في مشروع كبير جدًا كسب منه أضعاف المبلغ اللي كانت أخته سرقته منه. الديون كلها اتسددت، وبقينا عايشين في راحة بال ورضا عمري ما حسيته في حياتي. والأهم من الفلوس، ربنا كرمني وحملت بعد سنين انتظار، البيت اتملى بهجة وضحكة أحمد رجعت تنور وشه من جديد. حماتي كانت دايماً معايا، علاقتنا بقت أقوى وأعمق، كانت شايلاني في عينيها وبقت تتكسف حتى تبص في وشي من كتر خجلها من تصرفات بنتها. كنت بدخل عليها، ألاقيها قاعدة بتعيط لوحدها من اللي حصل لمنى، فكنت أقعد جنبها وأطبطب عليها وأقول لها يا ماما متزعليش، ربنا كبير ورحمته وسعت كل شيء، وهي بتدوق نصيبها وبتتعلم. وفي يوم من الأيام، قبل ولادتي بشهر، كنت نازلة عند حماتي عشان أحضر لها الغدا وأقعد معاها شوية زي عادتي. وأنا داخلة من باب الشقة، لقيت باب أوضة منى مفتوح، وسمعت صوت بكاء واطي ومخنوق طالع من جوه. رجليا وقفت، مكنتش بدخل أوضتها خالص من يوم ما رجعت، كنت بتجنبها تمامًا عشان مشوفش الذل في عينيها ولا أحسسها بحاجة. لكن المرة دي، سمعتها بتنادي بصوت ضعيف ومرتعش ولاء... ولاء يا أختي، تعالي بالله عليكي متخافيش مني. قلبي وجعني، وقفت للحظة استجمعت فيها قوتي، ودخلت الأوضة. لقيتها قاعدة على طرف السرير، رجليها متغطية بملاية، وجسمها كله خاسس، ووشها مسحوب. أول ما شافتني داخلة، نزلت عينيها في الأرض وفضلت دموعها تنزل على كفوف إيديها. قربت خطوتين ووقفت بهدوء نعم يا منى؟ محتاجة حاجة؟ أجبلك أكل ولا مياه؟ منى رفعت راسها بالعافية، وبصت لي بنظرة مليانة ندم حقيقي عمري ما شفته، نظرة إنسان داق العذاب وشاف نهايته بعينه. مسكت الكرسي المتحرك اللي جنبها وحاولت تقرب، وقالت بصوت متقطع وخانقاه العبرة أنا مش محتاجة أكل ولا شرب يا ولاء... أنا محتاجة كلمة واحدة بس عشان أقدر أنام بالليل، وميبقاش في كوابيس بتاكل في جسمي كل ما أغمض عيني. سامحيني يا ولاء... ابوس
تم نسخ الرابط