ثمن الطيبة و سواد النفوس منى السيد
المحتويات
حادة ووقحة هو أخويا فين؟ قولت لها بهدوء وثبات غير عادي، كنت مستغربة نفسي إزاي قادرة أقف قدامها بالقوة دي أخوكي في الشغل، وميرضاش تدخلي بيته بالطريقة دي يا منى. ضحكت باستهزاء وقالت بيته؟ ده بيت أخويا قبل ما يكون بيتك! وإنتِ ملكيش كلمة هنا! وبعدين قولي لي بقى يا ست العارفين... إنتِ عملتي إيه؟ بصيت في عينيها مباشرة وسألتها ببرود عملت إيه في إيه بالظبط؟ وضحي كلامك عشان أفهم. منى اتلجلجت ثانية، بس الغل كان عاميها يعني الشغل اللي رجع له، والضحكة اللي راجعة لوشوشكم، فاكرة الدنيا سايبة؟ فاكرة إنك هتعيشي متهنية وهو يصرف عليكي وعلى أهلك وإحنا نموت من الجوع؟ قربت منها خطوة وقولت لها بصوت واطي بس حاسم كالسيف إحنا لا بنأذي حد، ولا بنروح لدجالين في نص الليل يا منى... ولا بنرش مياه زفرة على عتبات البيوت، ولا بنحط ورق معقود ورا البراويز! أول ما الكلمات دي خرجت من بقي، وشها جاب ألوان الطيف كلها! عينيها وسعت برعب، شفايفها اترعشت، ورجعت خطوتين لورا وكأنها شافت عفريت. إنتِ... إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟.. قالتها بصوت مرتعش وهي بتحاول تداري الخضة اللي شلت لسانها. كملت كلامي وأنا باصة في عينيها اللي كان ماليها الفزع أنا شوفتك... بعيني الاتنين دول من العين السحرية، شوفتك وإنتِ واقفة مع الراجل اللي جايباه، وشوفتك وإنتِ بتدليله على مكان السحر، وسمعتك وإنتِ بتقولي له بسرعة قبل ما تصحى! منى حاولت تصرخ وتعمل مشهد هجوم كعادتها عشان تداري على فضيحتها إنتِ كدابة! إنتِ بتتبلي عليا عشان تكرهي أخويا فيا! أنا هوريكي مين اللي... وفجأة، اتقطع صوتها، والكلمة وقفت في زورها زي اللقمة الناشفة. الباب كان مفتوح، وكان واقف على العتبة شخصين مكنتش متوقعة وجودهم في اللحظة دي أبدًا جوزي... وحماتي، اللي كانت ساندة على إيده وطالعة معاه السلم عشان كانت جاية تقعد معانا شوية. جوزي كان واقف متصلب، وشه اتخطف تمامًا، وملامحه كانت مليانة صدمة ووجع يهد جبال. الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، وحماتي كانت حاطة إيدها على قلبها وبتنهج، وعينيها بتفيض دموع وهي بتبص لبنتها بنظرة كره وخذلان عمري ما شوفتها في عيون أم قبل كده. منى لفت وشها وشافتهم، واتسمرت مكانها كأن صاعقة نزلت عليها. الصمت اللي خيم على الصالة في اللحظة دي كان أرعب من أي صراخ. حماتي تقدمت خطوتين ببطء، مشيتها كانت تقيلة وكأنها شالت هموم الدنيا كلها، وقفت قدام منى، ورفعت إيدها المرتعشة... ونزلت بيها بقلم طرقع في الصالة كلها! منى حطت إيدها على خدها ودموعها نزلت، بس مكنتش دموع ندم، كانت دموع انكسار وخوف من الفضيحة. حماتي صرخت بصوت مقهور قطع نياط قلبي يا خيبتي فيكي! يا عاري منك يا بت بطني! بتسحري لأخوكي؟ بتسحري للقمة العيش اللي طالعة من عرق جبينه؟ ده هو اللي رباكي وهو اللي كان بيستر عليكي وعلى جوزك! ده جزاته؟ ده جزات الولية الغلبانة اللي شالتك في عينيها؟ جوزي مقالش ولا كلمة، كان بيبص لأخته بنظرة فراغ تام، كأن الإنسانة اللي واقفة قدامه دي ماتت ومبقاش ليها وجود في حياته. دخل الصالة بخطوات تقيلة، ومسك أخته من دراعها بهدوء غريب، هدوء ما قبل العاصفة، وجرها ناحية باب الشقة. منى بدأت تصرخ وتتوسل أحمد... اسمعني يا أحمد، والله العظيم كانت ساعة شيطان، والله ما كنت في وعيي، الدجال ده ضحك عليا وقال لي ده محبة عشان تبطلوا تطالبوني بالفلوس! أحمد وقف عند الباب، وبص لها وقال كلمة واحدة بس، كلمة خرجت من قلبه وهو مجروح إنتِ من اللحظة دي لا أختي... ولا أعرفك. ولو شوفت خيالك جنب البيت ده، أو سمعت إنك قربتي من مراتي أو أمي، قسماً بالله العظيم هسلم السحر ده بالصور اللي سجلتها كاميرا المراقبة بتاعة جارنا اللي في الوش للبوليس وأفضحك قدام جوزك وأهل جوزك كلهم. زقها بره الباب وقفل في وشها، وسمعنا صوت عياطها وصراخها وهي نازلة على السلم بتجري وتتخبط. أول ما الباب اتقفل، أحمد ركع على الأرض ودفن وشه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت عالي كأنه طفل صغير تاه من أمه. جريت عليه وحضنته، وحماتي قعدت جنبه تمسد على راسه وتقول حقك عليا يا ابني... أنا اللي معرفتش أربي، حقك عليا يا حبة عيني. أحمد رفع راسه وبص لي، كانت عينيه حمرة ومليانة دموع سامحيني يا ولاء.. أنا مكنتش مصدق، كنت فاكر المشاكل دي من ضيق الحال، مكنتش متخيل إن السكينة جاية لي من ضهري ومن أقرب الناس ليا. اليوم ده عدى بالعافية، بس النفوس كانت لسه بتغلي ومجروحة. تاني يوم الصبح، كانت الصدمة الأكبر مستنيانا... تليفون البيت رن، وكانت مكالمة من جوز منى، صوته كان مشحون ومخنوق أحمد... تعالى لي المستشفى العام فورًا، منى عملت حادثة كبيرة على الطريق السريع، وحالتها بين الحياة والموت! بصيت لأحمد وهو ماسك التليفون والصدمة مسيطرة على وشه للمرة التانية... يا ترى الغل والحقد هينتهوا بموتها؟ ولا دي كانت بداية لحساب أكبر ربنا بيخلصه في الدنيا قبل الآخرة؟
الفصل الثالث والأخير
التليفون وقع من إيد أحمد على السجادة، وفضل باصص للفراغ كأن روحه اتسحبت منه. الصوت اللي كان طالع من السماعة المرمية على الأرض كان لسه بيتردد أحمد... إنت سامعني؟ أختك بين الحياة والموت!. حماتي اتنفضت من مكانها وجريت عليه وهي بتضرب على صدرها في إيه يا ابني؟ بنتي جرالها إيه؟ انطق يا أحمد نشفت ريقي!. أحمد بلع ريقه بالعافية، وحاول يقف على رجليه اللي مكنتش شايلاه، وبص لأمه بصوت مبحوح ومكسور منى... منى عملت حادثة كبيرة على طريق السويس، وجوزها بيكلمني من المستشفى العام، بيقول العربية اتقلبت كذا مرة وحالتها صعبة جدًا. في اللحظة دي، حماتي نسيت كل حاجة... نسيت القلم اللي نزل على وش بنتها، نسيت السحر والغل والخراب اللي كانت هتدخله علينا، وبانت غريزة الأم اللي مفيش أحن منها في الدنيا. صرخت ووقعت على ركبتها، وبدأت تشق جيبها وهي بتبكي بحرقة بنتي! ضنايا يا رب! احفظها لي يا رب متفجعنيش في ضنايا مهما عملت!. جريت عليها، سندتها وقومتها وأنا بقول لها استهدي بالله يا ماما، ادعي لها بالرحمة والمغفرة، قومي البسي طرحتك ويلا نروح نشوف في إيه. أنا في اللحظة دي مكدبش على ربنا، مشاعري كانت متلخبطة ومربوكة. مكنتش شامتة، لأن الشماتة في المرض والموت مش من طبعنا ولا من ديننا، بس جوايا كان في إحساس تقيل بالرهبة، رهبة من سرعة عدالة ربنا، ومن الانتقام الإلهي اللي لما بينزل على الظالم بياخده أخذ عزيز مقتدر. تذكرت كلام الشيخ عبد الرحمن وهو بيقول لي اللي بيلعب بالنار بيتلسع بيها، والسحر لما يترد على صاحبه بيهد كيانه. نزلنا بسرعة، أحمد ركبنا التاكسي وطاير على الطريق، وعينه مدمعة وإيده بتترعش على الدريكسيون وهو ساكت، سكوت واحد تايه ومش مستوعب إن اللي
متابعة القراءة