الوريثة الحقيقية
أمي كانت ست قلبها ميت وجرأتها تكفي بلد، بس في نفس الوقت كانت ساذجة وبتتصرف قبل ما تفكر. بطريقة ما، قدرت تاخد دلاية فضة قديمة كانت مع واحدة تانية في دار تجهيز الموتى، وبكل ثقة مسكتني من إيدي وراحت بيا لعيلة المنشاوي، أغنى عيلة في إسكندرية، علشان تدّعي إنها بنتهم اللي ضاعت من 23 سنة.
بس يوم ما العيلة استقبلتنا رسمي، الحاجة زينب المنشاوي فضلت باصة لأمي وقت طويل جدًا، وبعدين سألتها فجأة نادية وهي صغيرة كان عندها في الناحية الداخلية من رسغ إيدها الشمال علامة خفيفة شبه الهلال، لسه موجودة عندك؟. ابتسامة أمي اتجمدت على وشها. بصيت على إيدها؛ رسغها أبيض ونضيف تمامًا، لا علامة هلال ولا حتى أثر قرصة ناموسة! حسيت إننا خلاص اتكشفنا.
وفي أقل من ثانية أخدت قراري، اتكعبلت متعمدة وأنا بتقدم لقدام وخبطت في الترابيزة الصغيرة اللي جنب الكنبة. كوباية المية السخنة اللي كانت عليها وقعت، والمية اندفعت ناحية رسغ أمي الشمال. صرخت أمي من الوجع والجلد احمرّ فورًا، وقبل حتى ما حد يلحق يستوعب اللي حصل، أمي رمت نفسها. الحاجة زينب بصتلها وفجأة دموعها نزلت وهي بتقول هي نادية بنتي! نادية كانت أكتر واحدة بتخاف من الوجع، وهي صغيرة أول ما تتعور كانت تجري عليّا وتستخبى بنفس الطريقة دي. أمي كانت بتكز على سنانها من الألم، لكن وسط عياطها قدرت تقول ماما. الكلمة دي كانت كفاية؛ الحاجة زينب أمرت فورًا إنهم يدخلونا البيت الرئيسي لعيلة المنشاوي.
وفي يوم وليلة، من بنت محدش يعرفها جاية من محافظة صغيرة، بقيت حفيدة العيلة الأغنى والأشهر في إسكندرية، بنت نادية المنشاوي، الوريثة الضايعة اللي رجعت بعد 23 سنة. كنت شايفة بعيني إزاي أنا وأمي خلاص هنطلع من القاع للقمة. لكن عيلة المنشاوي كانت فرحانة برجوع بنتهم لدرجة إنهم قرروا يعملوا إعلان رسمي في برنامج بيتذاع عالهوا.
الاستوديو اتجهز، الكاميرات اشتغلت، والبث المباشر بدأ. لكن بعد دقايق قليلة، باب الاستوديو اتفتح ودخلت ست لابسة فستان أبيض وعينيها حُمر من العياط. وقفت قدام الكاميرات وبصت ناحية أمي وقالت بصوت مرتعش الست دي مش نادية المنشاوي.. أنا نادية المنشاوي الحقيقية.
قلبي وقع في رجلي. إزاي؟! الست اللي أمي أخدت منها الدلاية الفضية مش المفروض إنها كانت خلاص دخلت إجراءات الدفن؟! أمي نفسها وشها اصفر، وبعد ما رجعنا من الاستوديو دموعها فضلت تنزل وهي بتقوللي والله يا ليلى أنا كنت عايزة أخليكي تاكلي أكل حلو كام يوم وتعيشي في بيت كبير بدل الأوضة اللي إحنا فيها، ماكنتش أعرف إن البنت الحقيقية لسه عايشة!.
الحاجة زينب بصت للست اللي دخلت وصوتها بيرتعش إنتِ بتقولي إنك مين؟. الست رفعت وشها وقالت اسمي اللي اتربيت بيه هو داليا فوزي، لكن اسمي الحقيقي المفروض يكون نادية المنشاوي. مدت إيدها جوه ياقة فستانها وطلعت دلاية فضة. كل اللي في المكان اتصدموا؛ نفس التصميم، نفس الحجم، حتى الخدوش وآثار الزمن تقريبًا متطابقة مع الدلاية اللي كانت مع أمي.
داليا بدأت تعيط وهي بتقول من 23 سنة وأنا طفلة اتخطفت من حفلة كبيرة كانت العيلة عاملاها، بعدها اتنقلت بين أكتر من مكان، وفي الآخر اتربيت عند أسرة كانت رافضة طول الوقت إني أدور على أهلي الحقيقيين.. بالصدفة شوفت البرنامج والبث المباشر، ولما شوفت واحدة ماسكة نسخة مزيفة من الدلاية بتاعتي وبتدّعي إنها أنا، عرفت إن لازم أظهر. رفعت صباعها ناحية أمي وقالت الست دي نصابة.
أمي اترعبت واستخبت ورا ضهري فورًا. الغريب إن أمي في البيت ممكن تقعد تحكي للناس ساعتين وتقنعهم إنها كانت مستشارة لرئيس الوزراء وإن نص رجال الأعمال عايزين يتجوزوها، لكن لما الموقف بقى جد لسانها اتربط. عمرو المنشاوي، والد نادية، وشه اتغير وقال لداليا بتقولي إنك نادية، عندك دليل؟.
داليا ما ردتش فورًا، لفت بعينيها في الصالة كلها وقالت بهدوء ستاير الأوضة دي ماكانتش بالشكل ده زمان. الحاجة زينب شهقت إنتِ فاكرة الأوضة؟. داليا اتحركت ناحية الشباك، مدت إيدها ولمست البيانو القديم وأنا صغيرة كنت بكره درس البيانو، وكل مرة المُدرسة تيجي كنت بخبي النوت الموسيقية تحت كرسي البيانو علشان أقول إنها ضاعت. وبعدين أشارت للكمودينو الدرج التالت المفروض لسه فيه آثار صغيرة جوه من أيام ما كنت بخبي فيه ورق الحلويات، ماما كانت بتمنعني من الحلويات الكتير فكنت باكلها في السر وأخبي الورق هناك.
دموع الحاجة زينب بدأت تنزل، لكن داليا ما وقفتش كنت بخاف جدًا من صوت الرعد، لما الدنيا ترعد طنط سامية كانت تقعد بيا على السرير الصغير ده وتغنيلي أغاني قديمة علشان أنام. وبعدين بصت ناحية عمرو المنشاوي وأنا اللي كسرت تمثال الغزالة الصغير المصنوع من الزجاج الأزرق اللي بابا جابه من فرنسا.
وش عمرو المنشاوي اتغير تمامًا؛ التفاصيل دي مستحيل شخص غريب يعرفها. أمي كانت واقفة ورايا وجسمها بيرتعش أكتر من الحاجة زينب نفسها، قربت مني وهمست ليلى هي عارفة كل ده منين؟. قلت بهدوء احتمال تكون هي الأصلية فعلًا. أمي كانت هتعيط يعني إحنا كده رحنا في داهية؟. ما رديتش.
داليا بصت لأمي ودموعها نزلت أكتر يا سعاد إنتِ أخدتي الدلاية بتاعتي ودخلتي بيها بيت المنشاوي، ضحكتي على جدتي وضحكتي على أبويا وأمي.. شفتيهم وهما بيعيطوا من الفرحة علشانك وماحسيتيش بالذنب؟. شفايف أمي بدأت ترتعش أنا.. أنا... دي كانت مشكلة أمي من زمان، أول ما تتوتر عقلها كأنه بيفصل تمامًا.
الحاجة زينب قالت ببرود، وإيديها قابضة على مسند الكرسي المتحرك بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضّت يا سعاد عندك تفسير؟ اتكلمي يا سعاد. أمي فتحت بقها وحاولت تتكلم أكتر من مرة، وفي الآخر بعد كل ده قالت إيدي وجعاني.
التعليقات على البث المباشر انفجرت ضحك وسخرية هههههه كل ما يسألوها سؤال تقول إيدي وجعاني، النصابة اتزنقت خلاص، الأم هبلة والبنت بتاعتها مكارة فعلًا اتنين لايقين على بعض. أنا سندت أمي وطول الوقت كنت ساكتة. أخيرًا عمرو المنشاوي قال طالما ظهر شخصين وكل واحدة بتقول إنها نادية، يبقى الحل واضح... تحليل DNA.
لما أنا وأمي دخلنا بيت المنشاوي أول مرة ماكانش حصل تحليل DNA، مش لأنهم ناس ساذجين، لكن لأن الدلاية الفضية كانت حقيقية بشكل مرعب؛ الحاجة زينب هي اللي صممتها بنفسها وهي اللي لبستها لنادية وهي طفلة، حتى الأربع كلمات المحفورة من الداخل كانت الحاجة زينب بنفسها اللي رسمت شكل حروفها للصايغ علشان ينقشها. مجرد ما شافت الدلاية، نص شكوكها اختفت.
داليا هزت راسها وهي موافقة وبصت للحاجة زينب أنا مش عايزة حاجة غير إني أرجع بيتي. عمرو بص لأمي وإنتِ؟. أمي فتحت بقها وكانت مرعوبة لدرجة إن صوابعها نفسها كانت بترتعش، لكن أنا مسكت إيدها وضغطت عليها بخفة. أمي بصتلي وبعدين شدت ضهرها وقالت بصوت مرتعش نعمله.. نعمل التحليل.
عيلة المنشاوي اتصلت بالمستشفى فورًا، والعينات اتاخدت تحت إشراف الشرطة وفريق البرنامج؛ الحاجة زينب أخدوا منها عينة، عمرو المنشاوي أخدوا منه عينة، وكمان من مراته، ومن أمي،