سأل عني بعد فوات الاوان

لمحة نيوز

عن أمي.. عن صوتها النشاز وهي بتغسل المواعين، وعن أنها كانت تسوق عربيتها 40 ميل وترجع لمحطة بنزين عشان نسيت شنطتها هناك، وعن طريقتها وهي بتربط لي جزمي مرتين عشان كنت دايماً بفكه. السنين اللي فاتت دي كلها كانت أمي بالنسبة لي مجرد أجزاء متفرقة، وطارق جه كمل لي الباقي بالحاجات اللي مكنش عندي فكرة عنها.
في اليوم الرابع، سألته السؤال اللي جوّايا سبتني هناك ليه؟ طارق بص ناحية الشباك، وفضل ساكت مدة طويلة. وبعدين قال بصوت واطي عشان كنت جبان. استنيت يكمل. بلع ريقه وقال بعد ما أنيسة ماتت، اتجوزت تاني.. كانت حياة جديدة وهشة. وعشان كده؟ قلت لنفسي دار الرعاية ده مؤقت. بصيت بعيد وضغطت على إيدي لغاية ما صوابعي وجعتني. وكلت نفسي وأنا بقول إن الناس المختصة هتعرف تتعامل مع اللي مريتي بيه أحسن مني بكتير. طبعاً.. مبرر هايل. أيوه، اخترت الحياة الأسهل. الجملة دي وجعتني أكتر لأنها كانت صادقة وصريحة. كنت فاكر إني هصلح الموضوع ده بعدين. وبعدين دي مجاتش أبداً؟ طارق بص لي كل سنة كنت بستناها كانت بتصعب عليكي الوصول ليكي.. وبعدين كبرتي ومشيتي وضيعتي من، وعلى ما بدأت أدور عليكي بجد، كنتِ اختفيتي. ضحكت بسخرية يا حرام.. صعبت عليّا! أنا ممتش. يا سوسن.. بعدت عن السرير مش عايزة أتكلم في الموضوع ده.
على اليوم الخامس، كنت بقيت أظبط له المخدات تحت راسه بنفسي. وكارولينا كانت حريصة تفضل مراقباني.. كانت دايماً موجودة وقريبة وبتراقب كل حركة. في ظهر اليوم السادس، مسكتني لوحدي في التراس. إنتي بقالك هنا ست أيام. بصيت لها مبروك.. بتعرفي تعدّي. خبطت بضوافرها على جنبها بابا بيطلبك بالاسم أول ما بيصحى. مش ذنبي. بجد؟ تظهري من ولا حاجة، وفجأة تبقي إنتي الوحيدة المهمة عنده؟ قربت مني وحطت صابعها على ترقوتي بقولك إيه.. ناوية على إيه لما يموت؟ نفس اللي أخدته منه طول عمري. اللي هو إيه؟ ولا حاجة. وسبتها وعديت من جنبها.
في الليلة دي، تعب طارق زيادة. قعدت جنبه والمطر بيخبط على شباك الأوضة. مد إيده.. ولما قربني منه المرة دي، مسكت فيه. أنا عارف إنك بتكرهيني، قالها بصوت مهموس. أحياناً. ابتسامة ضعيفة ظهرت على شفايفه عندك حق. وبعدين ملامحه اتدمرت فجأة قريب قوي.. هتفهمي كل حاجة. بعدت عنه تقصد إيه؟ عينيه اتملت دموع طارق؟ حاول يتكلم.. مطلعش صوت. ناديت على الممرضة بسرعة. دي كانت آخر كلمة أبويا قالها لي. وبعدها بساعات.. مات.
الجنازة عدت قدامي كأنها مشاهد متقطعة. ناس بتقولي إن طارق كان دايماً في سيرتي وبيحب يتكلم عني، الكلام ده ضايقني وخلاني أعصب أكتر من الصمت. بعدها، بدأت ألم هدومي في الشنطة فوراً. وأنا بقفل السوستة، ظهر شريف في الباب.. نفس المحامي اللي جابني هنا من الأول. سوسن. أنا ماشية. أنا عارف. دخل الأوضة وفي إيده ظرف تخين. بصيت له لأ.. مش عايزة... إنتي متعرفيش ده إيه أساساً، قاطعني. ونظرفته بقت حادة هو طارق طلب منك تقعدي الأسبوع الأخير ده؟ كرمشت حواجبي أيوه. وقعدتي برضاكي؟ تفرق في إيه دي؟ شريف حط الظرف على الترابيزة وبص لي يا سوسن.. إنتي وقعتي في الفخ اللي أبوكي عامله بالظبط. إيدي وقفت فوق الظرف. فخ إيه؟ شريف زق الظرف ناحيتي ساب تعليمات دقيقة جداً.. وكان عارف إنتي هتعملي إيه أول ما تحطي رجلك هنا. صوتي نزل إيه ده؟ أنا مش فاهمة. حط إيده على الظرف تأكد إنه مستحيل ترفضي اللي هو رتبه من الأول.. إلا لما تشوفيه بنفسك الأول.
فتحت الظرف أخيراً. الصفحة الأولى مكنتش شيك.. ولا عقد ملكية.. ولا حتى باسمي. كان قرار مجلس إدارة. بصيت لشريف إيه ده؟ اللحظة اللي كملتي فيها السبع أيام هنا بمزاجك، التحويل بقى نهائي وغير قابل للرجوع.. معظم أملاك طارق بقت تابعة لمؤسسة خيرية. فضلت باصة له علشان أنا قعدت؟ علشان إنتي قعدت. وكارولينا؟ كارولينا مؤمنة تماماً ومفيش حاجة ناقصاها. كملت قراية.. مؤسسة خيرية.. برنامج انتقال للشباب.. منح دراسية.. دعم توظيف.. ومساعدة في السكن. وقفت قراية. ده يخصني في إيه؟ شريف شاور على فقرة معينة طارق ساب كرسي فاضي في مجلس الإدارة. لأ.. مستحيل، صرخت. إنتي لسه مسمعتيش الباقي. مش عايزة أسمع. رميت الورق لورا هو مش بعد ما سابني يرجع يديني واجب من وهو في القبر! شريف هز راسه كان عارف إنك هتقولي كده. ده عصبني أكتر خلاص شوفوا غيري! يقدروا. رمشت بعينيا هو مكنش ملزم القبول بالاجبار؟ لأ، قال شريف. أمال فين الفخ؟ بص ناحية الشباك هو اشترط حاجة واحدة بس، قبل ما أي حد تاني ياخد الكرسي ده بشكل دائم. إيه هي؟ إنك تشوفي البرنامج بنفسك. ضحكت بسخرية يعني هو قال أجيب عيال دار رعاية مساكين قدامها عشان أصعب عليهم فأوافق؟ شريف مردش. وفي اللحظة دي ظهرت كارولينا على الباب ساعتها امشي. التفيت لها. كانت شكلها تعبان ومكسور. اطلعي بره.. روحي بيتك.. واكرهيه للابد لو ده يريحك، قالتها وعينيها بتلمع بحدّة بس متضيّعيش عمرك كله جاهلة باللي كان وراء البيت ده. ومشيت. كنت كارهة إن طريقتها جابت نتيجة معايا.
كارولينا مشيت قدامي من بوابة جانبية مبنى كنت فاكرتاه
تم نسخ الرابط