سأل عني بعد فوات الاوان

لمحة نيوز

أمي ماتت وأنا عندي ست سنين، ومن وقتها وأنا متنقلة من دار رعاية للثانية، وكنت فاكرة إن أبويا اختفى من حياتي تماماً. لحد ما فيوم ظهرلي محامي وقالي إن طارق أبويا بقى غني، وكان بيموت وطلب يقضي معايا سبعة أيام. وفضلت قاعدَة معاه.
وبعد جنازته، لقيت المحامي بيدخل عليا وأنا بلم هدومي في الشنطة، وزق قدامي ظرف على الترابيزة وهو بتقول لي إنتي وقعتي في الفخ اللي أبوكي عامله بالظبط.
كنت واقفة في مطبخي البسيط لما نعل جزمتي فك فجأة. سمعت الصوت الخفيف وهو بيخبط في البلاط، وبصيت لتحت على طول. للدرجادي؟ الجزمتي كانت قديمة، مش متهالكة تماماً، بس كان فيه فرق.. على الأقل بالنسبة لي أنا، طول عمري متعودة ألاحظ الفرق ده.
طلعت أنبوب اللزق من تحت الحوض، وقعدت على ترابيزة المطبخ، وبدأت أحط اللزق بحرص على الحرف. أنظفها الأول.. أضغط جامد.. وأستني. فيه عادات بتعيش معانا من الطفولة لأنها مفيدة، وعادات تانية بتعيش لأن جسمك بيفكر بالنيابة عن عقلك الحاجات اللي نفسك تنسيها.
وأنا ماسكة النعل عشان يلزق، خبط الباب تلات خبطات سريعة. مسحت اللزق من إيدي وفتحت. كان فيه راجل واقف قدام الباب لابس بدلة غامقة وغالية. إنتي سوسن؟ حسب مين بويسأل. عرفني نفسه إنه شريف.. محامي. ولثانية واحدة حسيت بالرعب وظنت إن فيه مشكلة في الإيجار أو الضرائب. لكن قالي أنا بمثل أبوكي. ضحكت بسخرية أنا معنديش أب. ملامحه متحركتش خالص اسمه طارق. لثانية واحدة فضلت باصة له مصدومة. قضيت سنين عمري بسأل نفسي هو أبويا مات، سابني، ولا مجرد شخص محدش بياخد سيرته أصلاً؟ بس كونه يكون ليه اسم، ده خلاه حقيقي فجأة وبطريقة توجع.
شدّيت إيدي على باب الشقة غلطان في سوسن. لأ. جيت أقفل الباب، بس الحقني قبل ما الترباس يطق. اسم أمك كان أنيسة. الباب وقف مكانه. طارق كان بيحاول يدور عليكي من زمان، زي ما شريف قال. بيدور عليا؟! هو تعبان جداً. فضلت باصة له تعبان قد إيه؟ الدكاترة بيقولوا مفيش وقت. كنت خلاص هقفل الباب في وشّه، بس شريف قال الكلمة الوحيدة اللي عشت طفولتي كلها بتمنى أسمعها أمنيته الوحيدة قبل ما يموت إنه يشوف بنته.
بعدها بيومين، كنت واقفة قدام بيت تحس إنه متشال من مجلة. كلمة بيت دي قليلة عليه، ده قصر فخم شبابيكه أطول من الأوضة اللي كنت بايتها فيها مع تلات بنات في دار الرعاية وأنا عندي حداشر سنة.
يعني هو ده اللي عايش فيه؟ أيوه. من إمتى؟ شريف اتردد شوية سنين طويلة. سنين طويلة.. وفي نفس الوقت ده، كنت بتعلم إزاي دور الرعاية بيقفلوا علب الشيبسي والبسكويت بعد العهد، وكنت بلبس هدوم متبرع بيها، وبتعلم إني متعودش على مكان عشان ممكن الشهر اللي جاي أكتشف إني مش مناسبة ليهم. وأبويا كان قاعد هنا!
قبل ما نوصل للباب، فتحته ست شكلها في التلاتينات، جميلة، أنيقة، وحاسة إنها في بيتها بامتياز. إنتي أكيد سوسن. أيوه. أنا كارولينا.. بنت طارق الحقيقية. كل كلمة قالتها كانت قاطعة ومفيش فيها نقطة اعتذار واحدة. شريف اتحرك جنبها باضطراب، وكارولينا رجعت خطوة لورا وقالت هو فوق في الأوضة. دخلت وسبتها ورايا.
طارق مكنش قاعد لوحده طول السنين دي بيعيط على بنته اللي ضاعت منه، ده اتجوز وبنى عيلة تانية.. وبكل بساطة عمل نسخة تانية أحسن. لما شفته، لقيته أصغر وأضعف بكتير من اللي تخيلته. معصعص، وخدوده غرقانة جوه، والبطانية متغطية لحد رقبته. أول ما دخلت، عينيه دمعت على طول إنتي شبه أمك أنيسة بالضبط. مقدرتش أقعد. هو إنت كنت عارف أنا فين؟ طارق غمض عينيه أيوه. كلمة واحدة.. ودي كانت كفيلة تكسرني. رفعت صوتي كنت عارف؟! أنا دخلت دار رعاية وأنا عندي ست سنين.. نمت في تمانية بيوت شكل بعض قبل ما أتم ال.. كنت بنام جعانة.. ولبست جزم مقطوعة لحد ما نعلها اتقطع! سكتّ لحظة وبلعت ريقي، وبصيت حواليا وإنت عايش في العز ده كله؟ طارق بدأ يعيط. متعيطش وكأن اللي حصل ده نزل عليك إنت! انكمش في مكانه عندك حق. جيت ألفت ضهري عشان امشي، بس إيده الضعيفة مسكت إيدي. ماليش أي مبرر يا سوسن. بصيت على صوابعه وهي ماسكة في إيدي. وماليش أي حق أطلب منك حاجة، زي ما همس. يبقى بلاش. إيده فكت شوية اديني سبعة أيام. بصيت له باستغراب ليه؟ نفسه كان قصير عشان الوقت.. هو الحاجة الوحيدة اللي مش معايا. كان المفروض أمشي.. بس لقيت نفسي بقعد.
في اليوم الأول، متكلمناش تقريبا. طارق مدركنيش بضغط. في اليوم التاني، سألني لو لسه باره الكُمثرى. بصيت له باستغراب عرفت منين دي؟ أمك كانت بتكرهها. وأنا مال أمي؟ شفايفه اتحركت بابتسامة خفيفة نتي كمان.. من ونتي رضيعة مطحونة في الاكل. المفروض كنت قمت مشيت، كرهت القصة دي، وغالباً لأن عايزة أسمع أكتر.
في اليوم التالت، حكالي إن أمي كانت بتخبط بصابع واحد على الكوباية لما تتعصب. بصيت على إيدي.. لقيت صابعي السبابة بيخبط على دراع الكرسي لوحده. طارق ابتسم، فوقفت خبط فورا. متبتسمش كده. أنا مابتسمتش يا حبيبتي. إنت فرحان. رديت عليه بندية. تنفس بعمق ممكن شوية.
لساعات طويلة، قعدنا نتكلم

تم نسخ الرابط