طردوني من الفيلا
كنت باخد خطواتي بصعوبة وأنا سامعة صوت عجلات شنطتي القديمة اللي من قماش رخيص بتعمل صوت خبط مزعج على الرصيف المرصوف بعناية فائقة قدام واحد من أرقى الكمبوندات في الشيخ زايد. طقطق.. طقطق.. طقطق. كل صوت كان بينزل على قلبي زي ضربة قلم، وكل خطوة كانت بتفكرني أنا خرجت من هنا بإيه، كأني مجرد حشرة تخلصوا منها. اسمي أمينة عبد التواب، بنت شعبية من بولاق الدكرور، وكنت رافضة تماماً ألتفت ورايا وأبص للفلل الفخمة دي تاني. ورا البوابات العالية دي كان عايش شريف الهواري، رجل الأعمال والمليونير اللي اسم شركاته لوحده بيعمل رعدة في السوق العقاري، وأبو الثلاثة توائم اللي ملهمش غير ربنا ثم أنا. الراجل ده لسه طاردني برا بيته بكل جحود، كأني مجرد قطعة أثاث قديمة رماها في الشارع عشان جاب غيرها.
الموضوع كله بدأ بكدبة سمجة، مصممة بدقة عشان تخلص مني. هدى، خطيبته اللي كلها عمليات تجميل وغرور، وقفت وسط الصالة الفخمة وقدام شريف، وطلعت ساعة رولكس غالية جداً من شنطتها الجلد، كأنها قاضي بيعرض أدلة الإدانة في قضية أمن دولة. قالت ببرود واستهزاء لقيتها في شنطتها جوه المطبخ.. دي سرقتها يا شريف، وكنت متأكدة إن ورا وشها البشوش ده طمع مقرف. ثلاثة سنين كاملة. ثلاثة سنين ضيعتهم من عمري في خدمة البيت ده، إخلاص وأمانة وتعب ليل نهار. مش بس تنظيف وطبخ وترتيب، لكن رعاية كاملة لياسين وحمزة وآدم، الولاد اللي اتخلقوا ماشافوش أمهم لأنها ماتت وهي بتولدهم، ففتحت لهم قلبي وعوضتهم عن حنان الأم اللي محرومين منه. ولا كلمة من دي فرقت معاه.
شريف الهواري ماكلفتش خاطره يبص في عيني ولا يسألني حتى لو كنت مجنونة عشان أسرق ساعة. بكل برود قال جملته اللي هتعيش تحرق في قلبي لحد آخر عمري امشي.. حالا برة بيتي. صوته كان كفيل يهد الدنيا فوق دماغي، كسر كل جسور الثقة اللي بينا في ثانية واحدة. مشفتش في عيونه غير الغضب الأعمى، ولاحظت إنه حتى ما أخدش باله إزاي الولاد كانوا بيتشعبطوا في هدومي ويبكوا كل ما ييجي ينزل الشغل، ولا إن عياطهم وجنونهم ما كانش بيسكت غير وأنا أخدهم في حضني. ولما جيت أفتح بوقي وأدافع عن نفسي، عطاني ضهره ومسك كوباية القهوة بتاعته كأني كيس زبالة بيطلبوا منه يمشي. والإهانة الكبرى ماخلصتش لحد هنا، دي انتهت بفلوس رماها على الأرض قدام رجلي، ورق فئات كبيرة مرمي على الباركيه كأن الكرامة تمنها شوية ورقات يقدر يشتريني بيهم. وعشان كرامتي كانت أثمن حاجة بملكهاليم، مشيت.
لكن وأنا ماشية برة البوابة، قلبي كان بينزف ومش مقبوض عشان فلوسه ولا طردته، لسبب واحد بس مرعب. أنا سايبة الولاد مع هدى. وهدى دي، في يوم من الأيام، وهي فكراني مش سامعاها وهي بتكلم صاحبتها في التليفون، قالت لي جملة مستحيل أنساها مادام فيا نفس العيال دي أول ما أتجوزه هرميهم في أي مدرسة برة مصر، أنا أصلاً مش طايقة خلقتهم ولا هربي عيال مش عيالي.
إيدي كانت بتترعش على يد الشنطة الخشبية المكسورة، وكنت حاسة إن رجلي مش شايلاني. وفي اللحظة دي.. سمعت صوتهم. طنط أمينة! طنط أمينة استني! صوت الثلاثة توائم جايين بيجروا ورايا بجنون، عمالين يعيطوا ويصرخوا باسمي بصوت مقطوع بيمزق القلوب. التفتّ مفزوعة، ولقيت ياسين وحمزة وآدم طالعين يجروا من بوابة الكمبوند بشورتات البيت من غير أحذية، حافيين على الإسفلت الساخن، وعمالين يبعدوا أمن البوابة اللي بيحاولوا يمسكوهم. جريت عليهم بلهفة وسقطت على ركبي في نص الشارع، مرة واحدة بقوة حسيت فيها إن ضلوعي هتكشر. يا حبيبي يا ولادي.. إيه اللي طلعكم كدة؟ رجليكم حرقتكم! آدم كان بيعيط بشهقات قطعت قلبي متسيبناش يا طنط أمينة.. طنط هدى شريرة، ضربت ياسين عشان كان بينادي عليكِ وقالت إنك حرامية ومستحجيش ترجعي.. بابا مش راضي يسمعنا وهو قاعد جوه بيشرب شاي ومطنشنا! ودموعي كانت نازلة زي الشلال، وبصيت جوه الكمبوند شفت شريف واقف عند شرفة الدور التاني باصص علينا ببرود، وشايف ولاده بيعيطوا في حضني في الشارع ولا كأنهم يعنوله حاجة، وجنبيه هدى واقفة دراعاتها وبتضحك بشماتة.
في اللحظة دي، التحول الجذري جوه نفسي تم. الحزن والكسرة اتحولوا لنار حمرا مش هتطفي غير لما أجيب حق الولاد دول، وحقي أنا كمان. قومت، مسحت دموعي بإيدي، وبست راس كل واحد فيهم وعدتهم بصوت ثابت وقوي أنا مش هسيبكم.. وربنا شاهد إني هرجع وهجيب حقكم وحقي تالت ومثلث، اصبروا عليا. رجعتهم لأمن البوابة اللي سلموهم للمربية التانية اللي كانت ميتة من الرعب ليتشئوا قدام أبوهم، وأنا مشيت وخدت توكتوك على محطة المترو، راجعة شقتنا الضيقة في بولاق، بس وأنا راجعة كنت شخص تاني خالص.. مش أمينة المكسورة، دي أمينة اللي هتعرف إزاي تلعبها صح.
وصلت البيت، لقيت أمي الله يرحمها متوفية من سنين، بس اختي الكبيرة صابرين كانت قاعدة على الكنبة بتصلح جلباب قديم. صابرين شافت منظري وعرفت إن الدنيا باظت خالص. قعدت حكيت لها كل اللي حصل بالتفصيل الممل، من ساعة الساعة اللي ظهرت فجأة في شنطتي لحد الفلوس اللي اترمت على الأرض، ولحد كلام هدى عن الولاد. صابرين ضربت