حماتي جت بعد وفاة جوزي بأسبوع
طب مراتي محمود ماتت ليه؟ قالت داليا لأنها عرفت إنهم بدّلوا الأطفال. مين اللي بدلهم؟ نجلاء الممرضة. الاسم اللي ظهر في فيديو أحمد. وكملت داليا أختي كانت في المستشفى وقت ولادة يوسف، واكتشفت إن فيه تعليمات من حماتك لتبديل الملفات. ليه؟ لأنهم كانوا عايزين يضغطوا على محمود. قال محمود عليا أنا؟ أيوه، لأنك كنت المحاسب اللي اكتشف الحسابات. فهمت؛ يوسف كان ورقة ضغط، لكن ليه أحمد خد الطفل؟ لأنه عرف الحقيقة، وكان عايز يرجعه لمحمود. وأنا؟ سكتت داليا أحمد كان عايز يقولك. إمتى؟ يوم موته. وطلعت ورقة دي كانت معه. أخدتها وكانت رسالة من أحمد حبيبتي، لو إنتِ بتقري دي يبقى الحقيقة ظهرت، أنا عارف إنك هتتوجعي بس صدقيني ما خنتكيش.. الطفل اللي ربيتيه غالي عندي زي ابني، لكن ابني الحقيقي يوسف وأنا كنت ناوي أرجعه لأبوه وأقولك الحقيقة، ولو حصل لي حاجة متكرهيش نفسك، إنتِ كنتِ أم آدم بكل معنى الكلمة.
انهرت.. لأول مرة من ساعة موت أحمد بكيت على نفسي، على السنين اللي راحت، على الطفل اللي حبيته وربيتُه، وعلى ابني اللي اتاخد مني قبل ما أعرفه. ولكن المفاجأة الأخيرة كانت في آخر سطر وفي شخص واحد لسه ما ظهرش.. الشخص اللي لو اتكلم هتكتمل القضية، اسمه... والورقة كانت مقطوعة.
لكن داليا بصتلي وقالت أنا عارفة هو مين. مين؟ أبو أحمد. اتجمدت أبو أحمد مات من سنين. هزت راسه لأ. إزاي؟ هو عايش. فين؟ هو اللي كان بيمول كل حاجة. وسكتت لحظة وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة وحماتك ما كانتش صاحبة الشركة أصلًا. أمال مين؟ بصت داليا لمحمود وقالت أبو أحمد.
في اللحظة دي دخل الضابط بسرعة عندنا خبر.. سليم اعترف إن فيه شخص أكبر منه ومن حماتك. مين؟ والد أحمد. ثم حط ملف قدامي وقال والمشكلة إن الراجل ده... وفتح أول صفحة وكان فيه صورة. أنا أعرف الصورة، كنت فاكرة إن الراجل ده مات من سبع سنين، لكن في أسفل الملف كان مكتوب على قيد الحياة وفوقها عنوان حديث.
وفي نفس اللحظة تليفوني رن برقم مجهول، رديت فصوت راجل عجوز قال أنا عارف إنك عايزة ابنك. مين؟ ضحك أبو أحمد. لو عايزة يوسف يفضل عايش... وقفت أنفاسي تعالى لوحدك. وقفل.
بصيت للضابط وفهمت إن القبض على حماتي وسليم كان مجرد بداية، لأن الشخص الحقيقي اللي حرك كل الخيوط كان لسه حر. فضلت ماسكة الموبايل وصوت الراجل لسه بيرن في ودني لو عايزة يوسف يفضل عايش تعالى لوحدك. بصيت للضابط هو عايزني أروحله لوحدي. رد فورًا ومش هتروحي. بس ده ابني! وعشان كده بالذات مش هتروحي.
محمود كان واقف جنبي شايل يوسف وقال أنا هروح معاكي. هو قال لوحدك. وأنا مش هسيبك. داليا قالت لازم نعرف هو فين. فتح الضابط الملف إحنا بالفعل قدرنا نحدد مصدر المكالمة بشكل مبدئي. فين؟ مصنع قديم على أطراف المدينة. قرب محمود منه ده المكان اللي كانت الشركة بتخزن فيه الأوراق. يعني هو كان هناك طول الوقت؟ غالبًا. الضابط قال هنطلع قوة للمكان. ولو عرف؟ مش هيعرف.
خرجنا وطول الطريق كنت قاعدة في العربية مش قادرة أبطل تفكير في أحمد، ويوسف، وآدم، وحماتي، وسليم، والراجل المفروض إنه أبو أحمد ومات من سنين. كل حاجة كانت متشابكة، وأكتر حاجة كانت بتوجعني إني كنت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلتلي هي موت جوزي، وطلعت الحقيقة إن موت أحمد كان أول باب فتح على كل الكوارث.
وصلنا المصنع وكان مهجور والباب الحديدي متهالك، وزع الضابط القوة ودخلنا. المكان كان ضلمة إلا من لمبات صغيرة معلقة في السقف، وفجأة سمعنا صوت لو عايزة ابنك، ادخلي لوحدك. بصلي الضابط وهزيت راسي ودخلت مشيت في ممر طويل لحد ما في آخره كان فيه رجل قاعد على كرسي لابس بدلة رمادي وشعره أبيض ووشه هادي جدا. أول ما شوفته حسيت إن ملامحه شبه أحمد، مش شبهه بس.. ده نفس العينين ونفس النظرة.
وقفت فقال أخيرًا قابلتك. إنت أبو أحمد؟ أيوه. الناس قالت إنك ميت. ابتسم كان لازم يصدقوا. بصيت حواليه يوسف فين؟ قريب. هاته. الأول نتكلم. صرخت أنا مش جاية أتكلم! ابتسم إنتِ شبه أحمد جدًا لما كان بيتعصب. الكلمة وجعتني وقلت متجيبش سيرته. ليه؟ خايفة تعرفي الحقيقة؟ أنا عرفت الحقيقة. لأ.. إنتِ عرفتي جزء صغير.. أحمد كان ابني، لكن أنا كنت شايفه ضعيف. ضعيف؟ كان عايز يعيش شريف. ضحكت بمرارة وده عيب؟ في عالمنا أيوه. بصيتله باحتقار إنت السبب في كل ده؟ أنا بنيت الشركة. وخليت ابني يشارك في جرايم؟! هو اختار. صرخت كداب! اتغيرت ملامحه أحمد كان عنده فرصة يهرب، لكنه اختار يقاوم. لأنه كان إنسان. سكت وقلت إنت اللي قتلته؟ أنا ما لمستوش، بس أمرت بقتله.. أمه كانت بتنفذ. حسيت إني هفقد أعصابي وهي قالت إنكم سممتوه. أيوه. ليه؟ لأنه كان هيكشفنا. طب يوسف؟ يوسف كان مفتاح. مفتاح لإيه؟ ابتسم لأكبر عملية نقل ملكية حصلت في تاريخ الشركة. طفل؟! الطفل كان مجرد وسيلة. حسيت بالغثيان إنت مريض. يمكن. وبعدين أشار لباب خلفه يوسف هناك.
جريت ناحية الباب لكن قبل ما أوصل قال لو فتحتي الباب، مش هتقدري ترجعي. وقفت ليه؟ لأن الحقيقة جوا. فتحت الباب وكان يوسف جوا مربوط في سرير صغير، جريت عليه وفكيت الحبل يوسف! الطفل ماما... الكلمة هزتني أنا هنا.
ولما خرجت بيه كان الراجل واقف وقال خديه. استغربت بسهولة كده؟ ابتسم لأنك لسه ما عرفتيش الجزء الأخير. طلع ملف آدم. قلبي اتقبض ابني؟ الطفل اللي ربيتيه... مالُه؟ هو مش ابن محمود. اتجمدت إيه؟ ولا ابنك. بصيتله أمال ابن مين؟ ابن سليم. حسيت إني مش فاهمة إنت بتكدب. لأ. وطلع شهادة ميلاد؛ اسم الأم كان اسمي، لكن الأب سليم عبد الرحمن. صرخت مستحيل! ليلة ولادتك، حصل تبديل تاني. يعني إيه؟ الطفل اللي خرجتي بيه من المستشفى كان ابن سليم من علاقة سابقة، لكنهم سجلوا اسمك عليه. ليه؟ عشان يختفي الطفل قانونيًا. بصيت للشهادة وإيدي بترتعش وأحمد كان عارف؟ أيوه. ليه ما قالليش؟ لأنه كان بيحاول يحميكِ. من مين؟ من الحقيقة. ضحكت وأنا بعيط الحقيقة دمرت حياتي! الحقيقة كانت هتدمر حياة ناس كتير.
في اللحظة دي سمعنا صوت سيارات برا وصرخ الضابط شرطة! اطلع وإيديك فوق! ابتسم أبو أحمد وصلوا. قلت كنت عارف إنهم جايين؟ طبعًا. دخل الضابط ارفع إيدك! رفع إيده، ولكن قبل ما يتقبض عليه قال عندي شرط. الضابط قال مفيش شروط. هديكم كل الملفات... مقابل إيه؟ حماية آدم. بصيتله آدم فين؟ ابتسم في مكان آمن.
قبض عليه الضابط وأخدنا الملفات، وبدأت بعدها التحقيقات الحقيقية؛ سليم اعترف، حماتي اعترفت، نجلاء الممرضة اعترفت، واتكشفت كل شبكة التزوير اللي بتستخدم بيانات المواليد لتسجيل أطفال بأسماء مختلفة في عمليات تزوير ملكيات وغسيل أموال. والأهم إننا قدرنا نثبت إن وفاة أحمد كانت جريمة قتل، وبعد شهور من التحقيقات والمحاكمات صدرت الأحكام السجن لحماتي وسليم ونجلاء، وأما أبو أحمد فأخد حكمًا أشد بسبب دوره الرئيسي.
وبالنسبة لي، القضية ما انتهتش عند كده؛ كان لازم أعرف الحقيقة كاملة عن ولادي. عملنا تحاليل DNA وأكدت إن يوسف ابني أنا وأحمد، وآدم ابن سليم وامرأة أخرى. وقفت قدام آدم بعد ما عرفت الحقيقة وكان طفل صغير ملوش ذنب في أي حاجة، بصلي وقال ماما، إنتِ زعلانة مني؟ وقعت على ركبتي قدامه عمري ما أزعل منك. هتسيبيني؟ بكيت لأ. حتى لو مش ابنك؟ حطيت إيدي على وشه إنت ابني من يوم ما شلتك بين إيديا. لأنه مهما قالت التحاليل، أنا اللي ربيته وسهرت عليه وتعبت معه وسمع أول كلمة ماما منه. يوسف كان ابني، وآدم كان ابني برضه، لكن كل واحد فيهم بطريقته.
أما محمود فكان أصعب موقف؛ اتضح في النهاية إنه مش الأب البيولوجي ليوسف، وأن زوجته كانت قد تبنته سرًا قبل ما تبدأ الشبكة في استخدامه. لكن محمود ظل أبوه الحقيقي في كل معنى عاشه الطفل، ولما ظهرت الحقيقة اتفقنا إن يوسف يفضل قريب منه، لأن الأبوة مش دايمًا دم، أحيانًا بتكون حضن وتعب وسهر وحماية.
أما داليا فبقت أقرب واحدة ليا بتساعدني في تربية الطفلين، وبعد سنة كاملة فتحت مشروع صغير باسم أحمد عبارة عن شركة قانونية نظيفة، وكان أول قرار أخدته إني أشتري الشقة اللي حماتي حاولت تطردني منها.. مش عشان أثبت لها إنها خسرت، لكن عشان أعيش فيها من غير خوف.
وفي يوم وأنا واقفة في أوضة النوم فتحت الدولاب ومكان الصندوق لسه موجود، لمست الخشب وافتكرت أول يوم اكتشفت فيه الحقيقة لما كنت مكسورة، ودلوقتي كنت أقوى. طلعت صورة أحمد وحطيتها على الكومود وقلت سامحتك... سامحتك عشان عرفت إنك كنت بتحاول تحمينا.. بس كنت أتمنى تقوللي، كنت هقف جنبك. ضحكت وسط دموعي.
بعدها دخل يوسف ماما؟ نعم؟ بابا أحمد كان بيحبني؟ أكثر مما تتخيل. وأنا؟ إنت بتحبه؟ هز راسه أيوه. يبقى خليه دايمًا في قلبك. دخل آدم بعدها وجري علينا، وفجأة لقيت نفسي وسط الاتنين.. يوسف على يميني وآدم على شمالي؛ اتنين أطفال واحد ابني بالدم والتاني ابني بالعمر والحب. وساعتها فهمت إن الحياة أحيانًا بتاخد منك كل حاجة عشان تعلمك إن العيلة مش ورقة ولا عقد ولا اسم في شهادة، العيلة هي الشخص اللي يفضل واقف جنبك وقت ما الكل يسيبك.
بعد سنتين وصلني جواب من السجن من حماتي، فتحته وكانت كاتبة أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني، بس أحمد كان محظوظ إنه اتجوزك... أنا خسرت ابني بإيدي. قفلت الجواب؛ محبتهاش ومسامحتهاش، لكن لأول مرة ما حسيتش بالغضب لأن كل واحد دفع تمن اختياراته.
أما أنا فكان لازم أبدأ حياتي من جديد، وفي نفس اليوم جالي اتصال من المحامي اللي كان مع حماتي أول مرة واللي ساعد الشرطة بعدين وقال في حاجة أخيرة تخص أحمد. إيه؟ كان سايبلك حساب بنكي. حساب؟! أيوه. فيه كام؟ سكت وقال حوالي سبعة مليون جنيه. ضحكت سبعة مليون؟ أحمد كان بيحول جزء من فلوسه ليكي من غير ما تعرفي، وكان بيجمعهم باسمك عشان يضمن مستقبلك.
قعدت.. سبع مليون! كل الفلوس اللي كنت فاكرة إنها راحت في مشروعات، كان أحمد مخبي جزء كبير منها عشان يأمن مستقبلي. لكن أكتر حاجة وجعتني إنه كان مخطط لكل حاجة إلا إنه يموت! وفي نهاية المكالمة قال فيه رسالة كمان وصلتني. فتحته وكانت آخر رسالة من أحمد لو وصلتي للرسالة دي يبقى أنا مش موجود.. متعيشيش بقية عمرك في الحزن، إنتِ أقوى واحدة عرفتها، ربي ولادنا كويس، ولو يوم حسيتِ إنك لوحدك افتكري إني اخترتك من وسط كل الناس، وأنا عمري ما ندمت.
وقفت قدام الشباك والشارع مليان ناس والحياة ماشية، وأنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم مات أحمد، لكن الحقيقة إن حياتي بدأت من جديد يوم عرفت الحقيقة. بعد أسبوع بعتنا الحجر الجديد على قبر أحمد، ومكتبتش عليه كلام كتير غير جملة واحدة هنا يرقد رجل أخطأ كثيرًا، لكنه مات وهو بيحاول يصلّح أخطاءه. وقفت قدام قبره ويوسف ماسك إيدي وآدم ماسك إيدي التانية، بصيت للسماء وقلت ارتاح يا أحمد.. ولادك في أمان.
ومشيت.. المرة دي من غير ما أبص ورايا. لأن حماتي ما خدتش الشقة، وسليم ما أخدش الفلوس، وأبو أحمد ما قدرش يمحو الحقيقة. وأحمد، رغم كل أسراره، سابلي أغلى حاجة الحقيقة. والحقيقة علمتني إن الإنسان ممكن يخسر بيت وممكن يخسر فلوس وممكن يخسر شخص بيحبه، لكن لو حافظ على نفسه هيقدر يبني حياته من جديد. وأنا بنيت حياتي.. من الصفر، لكن المرة دي من غير خوف، ومن غير أسرار، ومن غير حد يقدر يقولي اخرجي من بيتك، لأن البيت اللي بنيناه بالحب مش بيتهد بورقة، ولا بختم محامي، ولا حتى بالموت.