مرات ابني كانت راكعة على ركبها جوة عشة الفراخ، وبتأكل درة ناشفة من على التراب
المحتويات
مريم حامل، في الشهر الرابع.. وهناك علامات واضحة ومؤكدة على تعرضها لإساءة جسدية متعمدة ومتكررة، وبيئة معيشية قاسية جداً تهدد حياتها وحياة الجنين. الكلام ده كان صاعقة نزلت على دماغي. مريم اللي كانت بتاكل درة ناشفة على التراب، اللي جسمها مليان كدمات وجروح قديمة، اللي ضلعين مكسورين من شهور.. حامل! حامل في الشهر الرابع، ومصطفى كان عارف! أكيد كان عارف، وده السبب في حبسها، جوعها، ضربها، خوفها من كل حاجة. كان بيحاول يخلص منها ومن اللي في بطنها، ببطء وبشكل وحش، من غير ما يظهر عليه أثر مباشر! الورقة وقعت من إيدي، وقعدت على الكرسي ودموعي نزلت لوحدها من غير ما أحس. الدكتور قعد جنبي ومسك إيدي أنا فاهم صدمتكِ.. الموضوع مش مجرد عنف منزلي، ده جناية بكل معنى الكلمة. إساءة معاملة حامل بهالشكل ده ممكن يؤدي لموتها وموت الجنين في أي لحظة. والتقرير ده دليل قانوني قوي جداً، ومش ممكن نسكت عنه. فتحت فمي عشان أتكلم، بس ما طلعش صوت. كل اللي كنت أقدر أقوله هو.. هو كان عارف.. كان عارف وهي حامل وعمل فيها كل ده؟ يبدو كده يا ثريا هانم. والأخطر من كده، إن العلامات بتاعت الإصابات القديمة بتوحي إن فيه محاولة متعمدة للإجهاض، وده جرم يعاقب بقانون العقوبات بمدة تصل لخمس سنين، ولو حصل إجهاض فعلاً بتبقى جناية يعاقب عليها بالسجن المؤبد. سكتّ، وكل كلمة بيقولها الدكتور كانت بتزيد نار في قلبي. ابني.. ابني اللي كان بيحمل العصافير المكسورة عشان يداويها، اللي كان بيعيط لو شاف حد بيتألم، ده اللي عمل كل ده؟ ده اللي حبس مراته زي الحيوانة، جوعها، ضربها، وهي حامل في ابنه أو بنته؟ تليفوني رن تاني. مصطفى. بصيت للشاشة، ودموعي لسه نازلة، بس العياط خلص، واللي جاي مكانه غضب أسود، غضب ما شفتهوش في نفسي طول عمري. رديت، وصوتي كان بارد ومتزن، كأن شيء ما حصل ألو. قولي لي إنكِ ما قريتيش التقرير.. صوته كان متوتر، خايف، عرف إن كشفه اتكشف. عرفت كل حاجة يا مصطفى. سكت شوية، وبعدين صوته اتغير، بقى حاد وعدواني يبقى أنتِ اللي خربتي كل حاجة! لو كنتِ سكتّي وسيبتي الأمور زي ما هي، كنتِ رجعتِ وما حدش اتأذى.. بس أنتِ عاوزة تدمري بيتي، تدمري سمعتي، تدمري مستقبلي! أنت اللي دمرت كل حاجة من زمان يا مصطفى. أنت اللي حبست إنسانة في عشة فراخ، جوعتها، ضربتها، وهي حامل في ولدك! ده بيتك؟ ده كان سجن وجحيم لستة ما تستاهلش منك غير الخير! هي اللي غلطانة! هي اللي خربت حياتي! ما تعرفيش حاجة.. ما تعرفيش إيه اللي حصل! صرخ فيا، صوته اتعلا كأنه بيحاول يثبت حاجة لنفسه مش لي. إذًا تعالى وقولي لي إيه اللي حصل. تعالى واجه الحقيقة بدل ما تخبّي ورا القوة والقسوة. أنا مستنياك في المستشفى. قفلت الخط من غير ما أستنى رد. رجعت جوا أوضة مريم، لقيتها قاعدة على السرير، شكلها أهدأ شوية، بس عيناها لسه مليانة خوف ورعب. لما شافتني دخلت، حاولت تقف، بس منعتها وقعدت جنبها. مسكت إيدها اللي كانت لسه باردة ومتعصبة، وقولت لها بصوت حاولت أخلّيه قوي ومطمن مريم.. حبيبتي.. عاوزة أسألكِ سؤال، وإن شاء الله تجاوبيني بكل صراحة، لأن اللي هقوله ده مهم جداً ليكِ ولللي في بطنكِ. بصت لي بخوف، وهزّت راسها ببطء. أنتِ عارفة إنكِ حامل؟ في الشهر الرابع؟ عيناها اتوسعت، وفمها اتفتح بدهشة، وبعدين دموعها نزلت بغزارة، وبدأت تعيط بصوت مكتوم، كأن الكلام ده كان صدمة ليها هي كمان. أنا.. أنا كنت حاسة بحاجة.. بس هو.. هو قال لي إني مريضة، إني نحفت أوي، إني مش محتاجة أكل.. قال لي بطني بتكبر عشان الدهون.. منعني أروح لدكتور.. منعني أشوف حد.. كلامها كان متقطع من العياط، وكل كلمة بتقولها كانت بتقطع قلبي أكتر. كنت خايفة.. خايفة أكون حامل وهو يعرف.. كنت عارفة إنه مش هيقبل.. كان بيقول إنه مش عاوز عيال، إني لو خلفت هيرميني. يعني ما كنتيش عارفة بالتأكيد؟ لأ.. أنا كنت مجرد حاسة.. بس.. بس لما كنت بروح الحمام كنت بشوف دم.. كنت خايفة.. هو قال لي ده عادي، إني تعبانة.. سكتّ شوية، وقلبي اتقطع عليها. المسكينة ما كانتش عارفة، كانت تعيش في رعب وجهل، وهو مستغل خوفها وجهلها عشان يفعل بيها اللي هو عاوزه. مسحت دموعها وقولت لها بجدية مريم.. اللي في بطنكِ حي، وإن شاء الله هيكون بخير. وأنتِ كمان هتكوني بخير. من النهاردة مفيش حد هيقدر يأذيكِ ولا يأذي اللي في بطنكِ. أنا هحميكِ، وهيجيب لك حقكِ، وكل اللي حصل هيتعرض للي يستحقه. بس عاوزكِ تثقي فيّ.. تثقي فيا كأمك. بصت لي نظرة ما انساها طول عمري، نظرة أمل وخلاص، وهزّت راسها ببطء أثق فيكِ يا طنط ثريا.. ربنا يخليكِ ليا.
مرّت ساعات كأنها دهور. جلست جنب مريم لحد ما نامت، كان نومها متقطع، كل شوية تفتح عينها بفزع، وتطمن إنها لسه في المستشفى، إن الباب مقفول، إن محدش هيجي يضربها. كنت ببقى جنبها كل ما تصحى، أمسك إيدها وأقول لها أنا هنا.. محدش هيقدر يأذيكِ. وفي كل مرة كانت تهدأ شوية، وتغمض عينها تاني. في الصباح الباكر، جالي اتصال من الأستاذ داوود، المحامي القديم بتاع عيلتنا، اللي كان جوزي بيثق فيه بكل ثقة. رديت عليه بسرعة يا أستاذ داوود.. شكراً لإنك رديت بسرعة. العفو يا ثريا هانم.. وصلني رسالتكِ، وأنا قريت التقرير الطبي اللي أرسلتيه لي.. الموضوع خطير جداً، وأولًا عاوز أقول لكِ إنكِ عملتي الصح لما أخذتي السيدة مريم للمستشفى وثبّتيتي الإصابات بالتقارير الرسمية. ده أهم دليل عندنا. أنا عاوزة أعرف كل حاجة ممكنة يا أستاذ داوود. إيه اللي ممكن نعمله؟ وإيه اللي هيحصل لمصطفى؟ تنهد بعمق قبل ما يرد الحالة دي بتدخل تحت قانون منع العنف ضد المرأة، وكمان جناية إساءة معاملة حامل، ومحاولة إجهاض متعمد لو اتأكد. العقوبة بتاعة دي بتتراوح من 3 ل 15 سنة سجن، حسب شدة الإصابات ونتيجة التحقيقات. وطبعاً في قضية نفقة وخلع وحراسة للطفل اللي لم يولد بعد. بس لازم نكون حذرين، لأن مصطفى ممكن يستخدم كل وسيلة عشان يهرب من العقاب، وخصوصاً إنه عارف تفاصيل كتير عن القوانين وعن الإجراءات. يعني ممكن يهرب؟ مش بالسهولة دي، بس لازم نسرع في رفع القضايا وتسجيل الأقوال. لازم ناخد إفادة السيدة مريم كاملة وموثقة، ونثبت كل تفصيلة صغيرة وكبيرة. وكل ما نسرع، كل ما الدليل يبقى أقوى ويصعب التلاعب بيه. بعد ما قفلت معاه، دخلت لمريم لقيتها صحيت، وشكلها أحسن بكتير. حكت لي كل حاجة، من أول يوم اتجوزوا لحد ما أنا جيت. حكايتها كانت أطول وأبشع من أي وقت كنت أتخيل. اتجوزوا قبل 6 سنين، بعد ما مات أبو مصطفى. كان مصطفى في البداية كويس، حنون،
متابعة القراءة