حماني قالتلي يافلاحة
المحتويات
زرعناها سوا بإيد أبويا قبل ما يموت. وقفت لحظات وبعدين بدأت أفضي نص التراب حوالين جذورها، وجبت جاروف صغير أوزع بيه التراب.
فجأة... طَق! الجاروف خبط في حاجة صلبة. بعدت التراب بإيدي، واللي ظهر ماكانش حجر، كان طرف علبة معدنية صغيرة متغلفة كويس جدًا بكيس بلاستيك مقاوم للمياه. وقتها فهمت إن وجودها وسط التراب ماكانش صدفة؛ حد حطها هنا عمدًا.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها، ولقيت جواها أربع حاجات جواب، صورة قديمة، مفتاح، ورقم تليفون. مسكت الجواب، وأول ما فتحت وشفت أول سطر حسيت إن الأرض اتحركت من تحت رجلي مريم... المستندات الأصلية موجودة في أمان عند الأستاذ شريف سالم، المحامي. لو لقيتي العلبة دي، كلميه قبل ما تحكمي عليّا... حتى لو كان من حقك تحكمي.
كملت قراءة، وتحت السطر الأول كان فيه سطر تاني كفاية يخليني أنسى الإهانة تمامًا لأنني طوال خمس سنوات... ربما كنت أراقب الشخص الخطأ.
اتجمدت مكاني. خمس سنين؟ نفس مدة جوازي من أحمد تقريبًا! مسكت الصورة والمفتاح ورقم المحامي، وأسئلة كتير بدأت تضرب في دماغي حماتي كانت بتراقب مين وليه؟ وإيه علاقة الموضوع بيا وبأرضي والمستندات اللي عند المحامي؟ وقتها ماكنتش أعرف إن جردل التراب ماكانش هو المشكلة الحقيقية، وإن اللي كنت على وشك أكتشفه هيخليني أبص لحياتي بطريقة مختلفة تمامًا.
اتصلت بالرقم فورًا، وبعد ثواني رد عليا صوت راجل مكتب الأستاذ شريف سالم للمحاماة. بلعت ريقي وقلت أنا مريم رمضان المنشاوي... لقيت جواب من الحاجة نادية المنشاوي. الراجل سكت كام ثانية وبعدين سألني لقيتي مفتاح كمان؟ بصيت للمفتاح الصغير وقلت أيوه. صوته اتغير وقال يبقى المستندات اللي الحاجة نادية سابتها بقت متاحة ليكي وللأستاذ أحمد. الأصول اتحفظت بالفعل في مكان آمن، والمفتاح اللي معاكي خاص بخزنة أمان فيها نسخ موثقة وإقرار مكتوب وموقّع منها شخصيًا.
أول ما قفلت مع المحامي، اتصلت بأحمد وقلتله يجي البلد حالًا. بعد فترة وصل ودخل البيت ولقاني قاعدة قدام العلبة والجواب والصورة. أول ما شافهم ملامحه اتغيرت وسأل إيه ده؟ مديتله الجواب وقعدنا نقرأ سوا الحكاية اللي كانت مستخبية ورا تصرفات حماتي طول السنين دي.
من عشرين سنة، كان لأحمد أخ أكبر اسمه خالد المنشاوي، متجوز واحدة اسمها ليلى، وماتوا الاتنين في حادثة عربية. بعد الجنازة، اكتشفت العيلة مستندات وأوراق غريبة لنقل جزء من الأصول لشركات خارجية، واسم ليلى ظهر مرتبط بالاتفاقات دي. ماقدروش يثبتوا كل حاجة وقتها، لكن اللي اكتشفوه دمر الحاجة نادية نفسيًا؛ فقدت ابنها الكبير وبدأت تشك إن مرات ابنها كانت بتحضر لانفصال مالي كبير عن العيلة. ومن اليوم ده، بقت تشك في أي حد يدخل العيلة من بره، ولما أنا دخلت، كل خوفها القديم رجع وبقى موجه ناحيتي.
رفعت عيني لأحمد اللي كان مصدوم وقال أنا كنت عارف إن بعد موت خالد ماما بقت مهووسة بالسيطرة، لكن عمري ما تخيلت إنها طول السنين دي كانت بتقارنك بليلى.
لكن اللي قريته بعد كده كان أخطر. قبل عيد ميلادي بثلاث شهور، الحاجة نادية كانت بتراجع تقرير مبدئي لمشروع سياحي في المنطقة اللي فيها أرضي، وفي واحد من ملاحق التقرير ظهر اسم أرضي، وهكذا عرفت إن فيه جهة مهتمة بشرائها. هي ما كانتش مراقباني ولا مجسسة عليا، دا اسمي ظهر جوه مستند رسمي داخلي تابع للمجموعة نفسها. وبعدها بشهر، راجل اسمه محمود كمال جه لحد بيتي عرض عليا أشتري الأرض بثلاث أضعاف سعرها، وأنا رفضت لأني متمسكة بشجرة الليمون وذكرى أبويا، وموضوع انتهى عند النقطة دي بالنسبة لي.
لكن بالنسبة للحاجة نادية، الموضوع كان لسه بيبدأ. قبل عيد ميلادي بثلاث أسابيع، اكتشفت إن أحد المديرين داخل مجموعة المنشاوي كان كاتب في أوراق المشروع إن شراء أرضي أصبح مرجحًا وكأن الصفقة محسومة، رغم إني ما مضيتش ولا وافقت. داخل واحدة من أكبر شركات عيلة جوزي، كان فيه شخص بيتعامل مع أرضي كأنها ملكهم قريب! وهنا بدأ الشك يدخل قلبها ماذا لو كنت ظلمت مريم من البداية؟ وماذا لو أن المشكلة الحقيقية موجودة داخل شركتي أنا؟
وصلنا للصفحة الأخيرة المكتوبة بخط الحاجة نادية أنا لا أريد أن أكرر الخطأ نفسه... الأستاذ شريف سالم يحتفظ بالمستندات لتنفيذ مراجعة مستقلة. وإذا كنت قد أخطأت في حقها... فسأكون مضطرة أن أقول لها ذلك وأنا أنظر في عينيها.
أحمد حط الورقة وقال بصوت منخفض خمس سنين يا مريم... وأنا سايب أمي تكلمك كأنك دخيلة على العيلة. قلت وأنا كمان قضيت خمس سنين فاكرة إن سكوتي هو اللي هيحافظ على السلام.
رجعنا القاهرة في نفس اليوم، وقبل ما نوصل تليفون أحمد رن وكانت أمه اتحجزت في المستشفى بسبب اضطراب في ضربات القلب نتيجة التوتر والمجهود ورفضها الاعتراف بسنها البالغ 75 سنة.
روحنا على طول، وأول ما دخلنا أوضتها بصتلي وعينيها نزلت على العلبة المعدنية، حطيتها قدامها وقالت لقيتيها. قعدت قدامها وقلت بجدية دلوقتي أنا عايزة إجابات من غير ألغاز ولا اختبارات شخصية، ومن غير ما تهينيني تاني قدام مية بني آدم. ولأول مرة من خمس سنين ما حاولتش تدافع عن نفسها وقالت بهدوء حقك، وأنا مدينة ليكي بالإجابات دي.
سألتها ليه أرضي كانت موجودة في المشروع، فقالت لأن فيه شخص
متابعة القراءة