حماني قالتلي يافلاحة
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تحصل في عيد ميلادي ال، هي إني أسمع حماتي وهي بتقول قدام كل الناس نشوف بقى بنت الأرياف تعرف تقدر النعمة اللي هي فيها ولا لأ.
ما رديتش عليها. كل اللي عملته إني انحنيت، وشلت جردل التراب القديم من قدامها، وخرجت من القاعة وأنا محافظة على كرامتي. لكن تاني يوم... لقيت جواب من محامي، ومعاه مستندات تخص أرض باسمي. وساعتها بس فهمت إن الإهانة اللي حصلت في عيد ميلادي ما كانتش هي المصيبة الحقيقية. وإن الخيانة الحقيقية... ماجتش من الشخص اللي حماتي فضلت خمس سنين كاملة وهي شاكّة فيه وبتراقبه.
عشان عمرك ما تنسي إنتِ جاية منين. قالتها الحاجة نادية المنشاوي، في نفس اللحظة اللي واحد من العاملين حط قدامي جردل حديد قديم، عليه صدأ ومليان تراب.
فجأة، القاعة الرئيسية في فيلا عيلة المنشاوي سكتت تمامًا. كل العيون اتوجهت ناحيتي. الليلة دي ما كانتش مجرد احتفال بعيد ميلادي ال. أنا وجوزي أحمد المنشاوي كنا كمان بنحتفل بمرور خمس سنين على جوازنا. وحماتي قررت تجمع المناسبتين مع الحفل السنوي اللي كانت بتعمله كل سنة لأعضاء مجلس الإدارة، وأصدقاء العيلة، وكبار الموظفين والمتعاونين مع مجموعة المنشاوي. وعشان كده، كان موجود في القاعة أكتر من مية شخص؛ رجال أعمال، دكاترة، مديرين تنفيذيين، معارف للعيلة، وناس عمري ما اتكلمت معاهم أكتر من خمس دقايق في حياتي كلها.
اسمي مريم رمضان. اتولدت واتربيت في قرية صغيرة في محافظة المنوفية. أبويا كان فلاح، وأمي كانت مدرسة، وأبويا قضى عمره كله وسط الأرض بين الذرة والخضار وأشجار الفاكهة. من سبع سنين، قابلت أحمد لأول مرة، وقتاها كان عنده 32 سنة، وأنا كان عندي 28، وبعد سنتين اتجوزنا، وبعد سنة ربنا رزقنا ببنتنا سلمى اللي بقى عندها أربع سنين دلوقتي.
وأنا بقالي خمس سنين كاملة بحاول أتعايش مع ست عمرها ما شافتني فعلًا واحدة من عيلتها. حماتي، الحاجة نادية المنشاوي، كان عندها 75 سنة، وكانت رئيسة مجلس إدارة مجموعة المنشاوي وأكبر مساهمة فيها. والمجموعة ما كانتش شركة صغيرة، دي كانت مجموعة ضخمة ليها أنشطة في الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والعقارات. أحمد كان مسؤول عن القطاع الصناعي وماكانش بيتدخل بشكل مباشر في مشروعات العقارات أو السياحة، ويمكن دي كانت أول غلطة كبيرة، لأن لا أحمد ولا أمه كانوا متخيلين أصلًا إيه اللي كان بيحصل في أجزاء تانية من المجموعة.
الحاجة نادية كانت ست شيك جدًا، ذكية، قوية، والناس كلها تقريبًا بتخاف منها. لكن كان عندها موهبة تانية... كانت تعرف تهينك من غير ما تعلي صوتها. ممكن أكون عاملة أكل في البيت، فتبتسم وتقول حلو أوي إنك لسه بتحبي الأكلات البسيطة دي يا مريم. أو تبص على لبسي في مناسبة وتقول أكيد عندكم في البلد اللبس ده كان يعتبر شيك جدًا. عمرها ما قالتلي في وشي إنتِ مش من مستوانا، ماكانتش محتاجة تقولها، وعلى مدار خمس سنين وصلتلي الرسالة بكل الطرق الممكنة.
وفي الليلة دي، بعد ما الضيوف قدمولي الورد، وزجاجات العطور، والكتب، والمجوهرات، وهدايا عيد ميلادي وذكرى جوازنا... الحاجة نادية وقفت وقالت إن هديتها هي احتفظت بيها للآخر. دخل اتنين من العاملين، واحد منهم شايل جردل حديد قديم صدئ ومليان تراب، واتحط قدامي مباشرة.
أحمد قام من مكانه فورًا وقال ماما، كفاية. لكنها رفعت إيدها ناحيته وقالت ما تتدخلش يا أحمد. الموضوع بيني وبين مريم.
بصيت للجردل اللي كان قريب جدًا من فستاني الفاتح، وبدأت ألمح بعض الناس وهما بيطلعوا موبايلاتهم في هدوء، ناس مستنية تشوف هعمل إيه وناس عايزة تصصور لحظة إحراجي. أما حماتي فابتسمت وقالت إنتِ دايمًا بتتكلمي بفخر عن أصلك يا مريم، ودايمًا بتقولي إن الأرض بتعلم الإنسان التواضع. وأنا حبيت أعرف إذا كنتِ فعلًا مؤمنة بالكلام ده... لما الأرض تيجي لحد عندك هنا، قدام الناس دي كلها.
حسيت وشي بيولع؛ مش من الخجل بس، من الإهانة. كان ممكن أرد، أزعق، أو أرمي الجردل وأمشي. لكن في اللحظة دي افتكرت كلام جدتي الحاجة زينب وهي بتقولي وأنا صغيرة أوعي تكسفي من الأرض يا بنتي. الحاجة اللي بتوسخ الإيد هي نفسها اللي بتأكل البيت.
أخدت نفس طويل، وبهدوء انحنيت مسكت الجردل بإيدي، ورفعت رأسي وبصيت لحماتي شكرًا يا حاجة نادية. ابتسامتها اتجمدت شوية، فكملت بكرة هاخد التراب ده معايا البلد، وهحطه تحت شجرة الليمون اللي أبويا ساعدني أزرعها قبل ما يموت. على الأقل هناك هيكون ليه فايدة أكتر من هنا.
لثواني محدش اتكلم، وبعدين سمعت صوت تصفيق شخص واحد، وبعده شخص تاني، لحد ما جزء كبير من القاعة كان بيصفقلي. بصيت ناحية حماتي؛ وشها ما اتحركش لكن عينيها اتغيرت. أحمد جه ناحيتي ومسك إيدي وقال إحنا ماشيين. هزيت راسي وخرجنا. وأنا عند الباب بصيت ورايا للمرة الأخيرة، كنت متوقعة أشوفها واقفة بانتصار، لكن الغريب إنها ما كانتش مبسوطة؛ بالعكس، كان شكلها متوتر وقلقان كأن حاجة حصلت ما كانتش في حساباتها.
تاني يوم الصبح، ركبت عربيتي وروحت لوحدي على البلد وسلّمى فضلت مع أبوها. طول الطريق كنت بفكر في نظرة حماتي الأخيرة. وصلت بيت أبويا القديم، نزلت وشلت الجردل ومشيت ناحية شجرة الليمون اللي