أمانة في عنقي

لمحة نيوز

الفصل الأول
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، حين توقفت السيارات التابعة للقوة أمام أحد المباني القديمة في أطراف المدينة. ترجل رجال الشرطة منها في هدوء، بينما كان فراس يقف في مقدمة القوة، يرتدي زيه الرسمي، وعيناه تراقبان المكان بحذر. اقترب منه صديقه عمر، وهو يعدل سلاحه في حزامه، وقال بصوت خافت المكان هادي زيادة عن اللزوم.
نظر إليه فراس بطرف عينه وده اللي مخليني مش مرتاح.
ابتسم عمر ابتسامة قصيرة أنت عمرك ما ارتحت في مهمة. وأنت عمرك ما بطلت هزار في وقت غلط.
ضحك عمر بخفوت، ثم نظر إلى صديقه للحظات لو رجعنا من المهمة دي، أنا عازمك على الغدا.
رفع فراس حاجبه غدا إيه؟ هنشوف جدول دهب هانم.
تغيرت ملامح فراس وهمس اسمها بخفوت دهب؟
وقبل أن يستكملوا حديثهم، جاء صوت أحد أفراد القوة يا فندم، التحرك!
استدار الاثنان في اللحظة نفسها. عاد فراس إلى جديته يلا.
تحركت القوة نحو المبنى. مرت دقائق ثقيلة. ثم دوى صوت إطلاق نار في المكان. تحولت اللحظات الهادئة إلى فوضى. تعالت أصوات الأوامر، وتحرك أفراد القوة بسرعة، بينما اندفع فراس إلى الأمام الكل ياخد ساتر!
انحنى عمر خلف أحد الحواجز، ثم لمح أحد الخارجين من المبنى يحاول الهرب فراس!
التفت فراس إليه هناك!
تحرك عمر، لكن رصاصة اخترقت المكان قبل أن يصل إلى هدفه. توقف فجأة. وضع يده على صدره. نظر إلى فراس وكأنه لم يستوعب ما حدث. ثم سقط على الأرض عمر!
اندفع فراس نحوه دون تردد. جثا بجواره، وضغط بيده على موضع الإصابة الإسعاف! بسرعة!
حاول عمر التنفس، لكن الألم كان واضحًا على وجهه. أمسك فراس بيده متتكلمش.
ابتسم عمر بصعوبة شكلي هعزمك على الغدا في الجنة بقى. اخرس يا عمر.
حاول فراس السيطرة على ارتجاف صوته الإسعاف جاي، وهتقوم منها.
نظر إليه عمر طويلًا. كان عمر يشعر إنها النهاية وفراس كان يعرف أيضًا، لكنه رفض أن يعترف.
في المستشفى، كانت دهب تجلس في أحد الممرات وهي تضم يديها إلى صدرها. لم تكن تعرف سوى جملة واحدة قالها لها الضابط الذي اتصل بها أخوك اتصاب في مهمة. لم يخبرها شيئًا آخر. وحين ظهر فراس أمامها، وقفت بسرعة. اتجهت إليه وهي تبكي فراس عمر فين؟
لم يجبها قول لي هو كويس؟
خفض فراس عينيه للحظة. ففهمت من صمته أن الأمر أسوأ مما تخيلت لا
هزت رأسها بعنف لا، متقولش حاجة.
أمسكت بذراعه أخويا فين؟ في العمليات.
شهقت يعني إيه؟
اقترب منها فراس، وقال بهدوء حاول أن يجمع به شتات نفسه الأطباء بيعملوا كل اللي يقدروا عليه.
انهمرت دموعها أنا مليش غيره.
أغمض فراس عينيه للحظة. تلك الجملة تحديدًا كانت أكثر ما كان يخشاه. بعد ساعات طويلة، خرج الطبيب. كان وجهه كافيًا ليخبرهما بالحقيقة. اقترب فراس منه حالته؟
تنهد الطبيب الإصابة كانت شديدة جدًا.
وضعت دهب يدها على فمها يعني إيه؟
صمت الطبيب للحظة هو عايز يشوفكم.
انهارت دهب باكية. دخلت الغرفة، بينما وقف فراس عند الباب. كان عمر شاحب الوجه، ضعيفًا بصورة لم يره عليها فراس من قبل. وحين رأى أخته، ابتسم دهب
اقتربت منه وأمسكت يده أنا هنا يا حبيبي.
حاول أن يرفع يده، لكنها لم تستطع متعيطيش. هتقوم صح؟
لم يجب. فقالت بسرعة قول لي إنك هتقوم.
نظر عمر إلى فراس الواقف عند الباب. ثم عاد بعينيه إلى أخته فراس
اقترب فراس أنا هنا.
قال عمر بصوت متقطع عايز منك وعد. أي حاجة.
نظر إليه عمر مباشرة دهب أمانة في رقبتك.
تجمد فراس متقولش كده. اسمعني.
ضغط عمر على يده بصعوبة أنا عارف إنك أخويا قبل ما تكون صاحبي وعارف إنك عمرك ما هتسيبها.
بدأت دهب تبكي أكثر عمر، بلاش الكلام ده.
لكنه تابع بعد ما أموت مش هيبقى ليها حد.
قال فراس بحزم أنا هكون جنبها.
ابتسم عمر براحة عارف.
ثم سكت لحظات، قبل أن يقول بس أنا عايز أكتر من كده.
قطب فراس حاجبيه أكتر؟
نظر عمر إلى أخته، ثم قال اتجوز دهب.
ساد الصمت. حتى دهب توقفت عن البكاء للحظة. نظر فراس إلى صديقه وكأنه لم يسمع جيدًا عمر عايز أطمن عليها. دهب مش محتاجة جواز علشان أحميها.
هز عمر رأسه أنا عارفك وعارف إنك هتحميها حتى لو مفيش بينكم حاجة.
ثم أخذ نفسًا بصعوبة لكن أنا عايز أموت وأنا مطمن إنها هتبقى مع راجل أثق فيه.
اقتربت دهب منه وهي تهز رأسها لا متتكلمش كده.
نظر إليها بحنان سامحيني يا دهب. على إيه؟ إني هسيبك.
صرخت من بين دموعها متسيبنيش!
حاول عمر أن يبتسم. ثم نظر إلى فراس. كانت عيناه تحملان رجاءً لم يستطع فراس تجاهله وعدني.
صمت فراس طويلًا. ثم أمسك بيده أوعدك.
أغمض عمر عينيه براحة هتوحشني يا صاحبي.
ثم فتح عينيه للمرة الأخيرة، ونظر إلى شقيقته خلي بالك من نفسك يا دهب.
اقتربت منه أكثر عمر؟
لم يجب عمر!
ارتفع صوت الأجهزة فجأة. اندفع الأطباء إلى الغرفة. تراجع فراس وهو يمسك دهب التي انهارت بين ذراعيه أخويا!
ثم خرج الطبيب بعد دقائق. كان صمته هذه المرة واضحًا. خفض رأسه وقال البقاء لله.
تجمدت دهب. ثم أطلقت صرخة اخترقت قلب فراس قبل أن تسقط فاقدة الوعي. مسكها فراس إليه كي لا تسقط على الأرض. وفي تلك اللحظة أدرك أن حياته تغيرت. وأن الوعد الذي قطعه لصديقه قبل دقائق لم يعد مجرد وعد. لقد أصبح مسؤولية عمر تركها بين يديه دهب. أخت صديقه والمرأة التي سيضطر يومًا لأن يناديها زوجتي.
الفصل الثاني
مرّت ثلاثة أيام على وفاة عمر. ثلاثة أيام فقط، لكنها بدت لدهب كأنها سنوات كاملة. كتمت صوت شهقاتها، وهي لا تستوعب أن صوته لن يملأ المكان مرة أخرى، وأن الباب الذي اعتادت أن تراه يدخل منه في نهاية كل يوم سيظل مغلقًا. جلست في غرفتها، أمامها صورة قديمة تجمعها بعمر. كانت في الصورة أصغر سنًا، تبتسم بعفوية بينما كان عمر يضع يده فوق رأسها متعمدًا إفساد شعرها. ابتسمت رغم دموعها كنت بتقول إنك هتفضل معايا طول العمر
مسحت دموعها بأطراف أصابعها كدبت عليا يا عمر.
ثم احتضنت الصورة إلى صدرها وانفجرت في البكاء. في الخارج، كان فراس يجلس مع أحد أقارب عمر. منذ انتهاء العزاء وهو لم يغادر المنزل إلا للضرورة. لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان يستطيع مواجهة أخطر المواقف في عمله دون أن تهتز له عين، لكن وجوده في هذا المنزل بعد وفاة صديقه جعله يشعر بالعجز. خصوصًا كلما سمع صوت بكاء دهب من الغرفة. اقترب منه أحد أقاربها يا ابني، أنت لازم ترتاح شوية.
هز فراس رأسه أنا كويس. أنت بقالك تلات أيام تقريبًا مش بتنام.
نظر فراس إلى باب غرفة دهب مش مهم.
ثم ساد الصمت. وبعد لحظات قال الرجل البنت دي ملهاش غيرك تقريبًا.
خفض فراس عينيه. كانت تلك الحقيقة تؤلمه. يعرف عمر منذ سنوات طويلة، ويعرف تمامًا أن دهب كانت عالمه كله. بعد وفاة والديهما، أصبح عمر بالنسبة لها الأب والأخ والسند. والآن رحل. ولم يترك خلفه إلا أختًا في الثالثة والعشرين، ووصية ثقيلة وضعها فوق كتفيه قبل أن يموت. لكن فراس لم يكن مستعدًا بعد لفتح ذلك الموضوع معها. لم يكن

تم نسخ الرابط