أخت جوزي ولسانها الطويل
من ده يا ابني؟
قبل ما كريم يرد، عامل صغير في المحل ضحك مع زميله وقال
اللي معهوش ميشتريش.
منة كانت واقفة جنب الكاشير، بصت للولد، وشها اتغير وقالت
إنت اسمك إيه؟
الولد اتلخبط
محمود.
يا محمود، الست سألت على سعر أقل. مقالتش رأيك في ظروفها.
الولد سكت، ومنة كملت
ولما تبقى كلمة ملهاش لازمة، وفرها.
أنا كنت واقفة بعيد، وشوفت نادية كانت واقفة عند باب المخزن وسمعت كل حاجة. مقالتش لمنة برافو ولا مدحتها، بس ابتسمت. ومن يومها فهمت حاجة التغيير الحقيقي مش إنك تبطل تقول كلام وحش قدام الشخص اللي خوفك، التغيير إنك تبدأ تمنع نفس الكلام حتى لما يطلع من حد تاني.
الخطوبة تمت، وبعد سنة، منة وكريم اتجوزوا. في ليلة الفرح، نادية كانت لابسة فستان شيك جدًا وحاطة ميكاب أكتر من أول مرة قابلناها فيها. وأنا واقفة جنب منة قبل ما تنزل القاعة، قلتلها
بصي حماتك.
منة بصت وقالت
شايفاها.
ضحكت وقلت
في السن ده ولسه بتحط ميكاب؟
منة فتحت عينيها فيا
يا شيخة اتلمي!
انفجرت من الضحك، وهي كمان ضحكت. وبعدين سكتت شوية وقالت
عارفة؟ أنا عمري ما هنسى اليوم ده.
يوم إيه؟
أول غدا.
بصت لنفسها في المراية
كنت فاكرة إن طنط نادية أحرجتني.
ودلوقتي؟
منة ابتسمت
دلوقتي عارفة إنها أنقذتني.
لفت ناحيتي
لو كانت سكتت زي كل الناس، كنت غالبًا هفضل فاكرة إني خفيفة دم.
قلت
كنتِ تقيلة دم جدًا بالمناسبة.
بصتلي بصدمة مصطنعة
هو إنتِ مستنية يوم فرحي علشان تنتقمي؟
ضحكت
أهو أنا كمان لساني سريع.
منة بصتلي ثانيتين، وبعدين قالت
لأ.
إيه؟
متقوليش لساني سريع... قولي غلطت.
ابتسمت، كانت حفظت الدرس.
لكن القصة مخلصتش هنا بالنسبة لي. بعد جواز منة بحوالي شهرين، كنا مجتمعين كلنا عند حماتي. وأثناء الأكل، حماتي علقت على بنت صغيرة من قرايبنا
البنت تخنت أوي، أمها لازم تقلل أكلها.
منة رفعت عينها فورًا.
حماتي كملت عادي
دي لسه صغيرة، لو فضلت كده لما تكبر...
منة قاطعتها بهدوء
بابا ماما.
حماتي بصتلها
إيه؟
منة قالت
خلي بالك.
حماتي استغربت
من إيه؟
منة أشارت لبوقها
من هنا.
الصالة سكتت لحظة، ثم حمايا انفجر من الضحك، وأحمد ضحك، وأنا مقدرتش أمسك نفسي. حتى حماتي نفسها ضحكت في الآخر وقالت
بقيتي بتربيني إنتِ؟
منة ابتسمت
لا يا ماما... بفكرك بس، زي ما كان المفروض تفكريني من زمان.
حماتي سكتت، وبعدها مدت إيدها وربتت على إيد بنتها
عندك حق.
في اللحظة دي، افتكرت أول سنة ليا في البيت، لما منة علقت على بشرتي قدام العيلة، وأحمد قالها تسكت، وحماتي غيرت الموضوع، وحمايا دفن وشه في الطبق، وأنا قررت أسكت. وقتها افتكرت إن السكوت كان حكمة. لكن بعد سنين فهمت إن السكوت مش دايمًا حكمة، أحيانًا السكوت بيساعد الشخص الغلط يفضل غلط، لأن محدش بيوقفه ومحدش بيخليه يشوف نفسه.
نادية عملت اللي إحنا كلنا فشلنا نعمله سنين. مزعقتش، مشتمتش، ولا نزلت لمستوى الإهانة. هي بس حطت مراية قدام منة وخليتها تشوف شكل كلامها وهي بتقوله للناس.
ومن ساعتها، كل ما حد يقول قدامي أنا كده، صريح، أفتكر منة. لأن فيه فرق كبير جدًا بين الصراحة وقلة الذوق. الصراحة إنك تقول الحقيقة لما يكون ليها لازمة، لكن قلة الذوق إنك تجرح حد لمجرد إنك تقدر. وفيه فرق أكبر بين خفة الدم والسخرية؛ خفة الدم تخلي اللي حواليك يضحكوا، أما السخرية، ساعات بتخلي شخص واحد بس يضحك... والباقي يروحوا بيوتهم شايلين كلمة يمكن صاحبها نسيها بعد دقيقة.
منة اتعلمت الدرس متأخر، لكن لحسن حظها... اتعلمته قبل ما تخسر كل الناس اللي بتحبهم.
أما نادية؟ لحد النهارده، كل ما تيجي عندنا وهي حاطة ميكاب، منة أول واحدة تقول لها
إيه الجمال ده يا طنط؟
فترد نادية وهي بتضحك
جاية أغري حماكي.
فتصرخ حماتي
ياختي اتلمي!
ونقعد كلنا نضحك... المرة دي، من غير ما يكون فيه شخص واحد على السفرة بيتوجع.