أخت جوزي ولسانها الطويل
المحتويات
لمنة اتغيرت تمامًا.
أما منة؟ لسه مش فاهمة المصيبة اللي عملتها. فضلت تضحك وتبص حوالين السفرة، كأنها مستنية حد يضحك معاها. لكن محدش ضحك.
نادية نفسها متحركتش بسرعة. حطت الشوكة بهدوء. وبعدين أخدت المنديل ومسحت طرف بوقها على مهَل. رفعت عينيها لمنة... وابتمست. الغريب إن ابتسامتها مكنتش ابتسامة واحدة متعصبة. لأ، كانت ابتسامة ست فهمت اللي قدامها كويس جدًا، وقررت ترد عليه بالمقاس.
قالت بصوت هادي
بصي يا منة، أنا النهارده حطيت ميكاب علشان دي أول مرة أقابلك فيها... وحبيت أكون مهندمة، احترامًا ليكي ولأهلك.
وسكتت لحظة، وبعدين كملت
إنتِ محطتيش ميكاب، وأنا لا علقت ولا اهتميت. لكن إنك مش قادرة تتحكمي في لسانك... دي حاجة أنا أهتم بيها جدًا.
ابتسامة منة اختفت من على وشها. ونادية كملت
الست ممكن تعيش من غير أي حاجة تحطها على وشها. لكن التربية والذوق، لما الإنسان يفقدهم، بيكون صعب جدًا يرجع يلاقيهم.
ولا شخص على السفرة اتكلم. وش منة اتحول من الأبيض للأحمر، وبعدين من الأحمر للون غامق من شدة الإحراج. فتحت بوقها أكتر من مرة، لكن لأول مرة من يوم ما عرفتها... معرفتش تقول كلمة.
كريم نزل عينيه في طبقه، وكان ماسك الشوكة جامد لدرجة إن صوابعه ابيضت. حماتي أخيرًا استوعبت الموقف وحاولت تنقذ اللي يمكن إنقاذه. ضحكت ضحكة متوترة وقالت
معلش يا أم كريم، منة بتتكلم من غير ما تفكر. متشيليش منها.
نادية ابتسمت ابتسامة صغيرة
لا خالص، مش هشيلها في بطني.
وبعدين رفعت صباعها وأشارت على دماغها وقالت
أنا حطيتها هنا... وذاكرتي كويسة جدًا.
مش فاكرة باقي الغدا عدى إزاي. كل اللي فاكراه إن منة فضلت طول الوقت منزلة راسها، تقلب الرز بالشوكة، ومكلتش تقريبًا لقمة. وإحنا راجعين البيت، العربية كانت ساكتة تمامًا. منة قاعدة ورا، مديانا ضهرها تقريبًا وباصة من الشباك.
حماتي تنهدت وقالت
يا بنتي، إنتِ إزاي تقولي كلام زي ده في موقف زي ده؟
منة مردتش.
حمايا قال من قدام
تستاهلي.
وفجأة منة انفجرت في العياط
أنا قلت كلمة عادية وخلاص! هي كان لازم تحرجني بالشكل ده قدام الناس كلها؟!
أنا كنت قاعدة جنب أحمد قدام. مبصتش ورا. وأحمد فضل سايق من غير ما يقول حاجة. لكن جوايا كنت برد عليها آه... كان لازم. وكان لازم من زمان.
منة فضلت تعيط طول الليل. الصبح، عينيها كانوا منفخين كأنها مسهرتش ليلة، دي مسهرة أسبوع. كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، حاضنة الموبايل ومش بتتكلم.
حماتي قلبها وجعها على بنتها. دخلت المطبخ وعملت لها طبق شوربة خفيفة، وجابت لها معاها عيش، وحطتهم قدامها
كلي أي حاجة يا منة.
منة زقت الطبق بعيد. وبعد شوية رفعت عينيها وقالت
ماما... إنتِ مش حاسة إن الست دي كانت قاصداني؟
حماتي تنهدت
قاصداكي إيه بس؟ ما هي كلامها مكانش غلط.
منة اتعصبت فورًا
يعني إيه مكانش غلط؟! مهما كان، مينفعش تقول قدام الناس كلها إني متربتش!
ورمت الموبايل جنبها على الكنبة
أنا متربتش في إيه؟! أنا بس لساني سريع!
كنت في المطبخ بغسل الأطباق، وسمعت الجملة بمنتهى الوضوح. لساني سريع... نفس الحجة كل مرة. طول عمرها بتستخدم الجملة دي كأن سرعة اللسان موهبة ربنا مديهالها، مش عيب محتاج يتصلح.
حماتي فضلت تهديها وتحايل عليها لحد ما في الآخر أكلت معلقتين بالعافية. وبعدين منة مسكت الموبايل واتصلت بكريم. مرنش عليها. اتصلت تاني، مردش. المرة التالتة... برضه مردش.
هنا منة بدأت تتوتر
هو ماله؟! أمه أهانتني وهو لا دافع عني ولا حتى قال لها حاجة، ودلوقتي مش بيرد على تليفوني كمان؟!
حماتي قالت
يمكن مشغول يا بنتي.
منة بصتلها باستنكار
مشغول في إيه يعني؟! ده بيبيع فاكهة! الساعة تمانية الصبح هيكون مشغول في إيه؟
أنا في اللحظة دي كنت ماسكة طبق، وكنت هوقعه من إيدي. هي دي منة... لسانها مبيفرقش بين حد وحد. حتى شغل الراجل اللي المفروض إنها بتحبه، ممكن تقلل منه في ثانية لمجرد إنها متعصبة. وإيه يعني بيبيع فاكهة؟ راجل فاتح محل وبيشتغل بالحلال وواقف على رجله، احسن من واحدة عندها ستة وعشرين سنة ولسه عايشة على حساب أبوها وأمها، وكل شطارتها إنها تقلل من الناس.
فضل كريم ساكت لحد الضهر. وفي الآخر رد عليها، بس مش بمكالمة... بعت لها رسالة على واتساب. منة فتحت الرسالة، قرأت أول سطر، وفجأة ملامح وشها كلها اتغيرت. قامت من على الكنبة بسرعة، مسكت موبايلها، ودخلت أوضتها وقَفلت الباب وراها بعنف.
حماتي اتخضت وقامت وراها وخبطت على الباب
منة؟ مالك يا بنتي؟ حصل إيه؟
مفيش رد.
منة، افتحي الباب.
عدت ثواني، وبعدين الباب اتفتح. منة كانت واقفة قدامنا، عينيها حمرا ودموعها متجمعة فيها. رفعت الموبايل بإيد بترتعش وقالت
كريم بيقول... بلعت ريقها، وصوتها اتكسر بيقول إن أمه عايزاني أروح أعتذر لها.
منة كانت واقفة قدام باب أوضتها، ماسكة الموبايل، ووشها مليان غضب وإهانة. قالت وهي شبه بتصرخ
كريم بيقول إن أمه عايزاني أروح أعتذر لها!
حماتي بصتلها ثانيتين
وماله؟
منة كأنها مسمعتش صح
نعم؟!
بقولك وماله؟ تروحي تعتذري.
منة ضحكت ضحكة عصبية
أعتذر لها على إيه؟ هي اللي أهانتني قدام الناس!
حمايا كان لسه داخل من البلكونة، وسمع آخر جملة. وقف عند باب الصالة وقال
هي أهانتك؟
منة لفت له
أيوه يا بابا، قالتلي معنديش تربية قدام الناس كلها!
حمايا حط النظارة على الترابيزة
وإنتِ قلتي لها قدام الناس كلها إيه؟
منة سكتت.
قولي.
كنت بهزر.
لأ، متقوليش كنت بهزر. قولي الجملة اللي قولتيها.
منة عضت شفايفها
قلت لها يعني... في سنها ولسه بتحط ميكاب ليه.
وبس؟
منة منزلتش عينها
وقولت لها... هتغري مين.
حمايا هز راسه
يبقى روحي اعتذري.
منة بصت لأمها مستنجدة. لكن المرة دي، الغريب إن حماتي مساعدتهاش. قالت
أبوكي عنده حق.
منة اتجمدت. يمكن دي كانت أول مرة أهلها ميتحركوش بشكل تلقائي علشان يغطوا غلطتها. رفعت صوتها
حتى إنتِ يا ماما؟!
حماتي بصتلها بتعب
حتى أنا... إحنا اللي بوظناكي يا منة.
منة رمشت.
حماتي كملت
كل مرة غلطتي فيها، إحنا قلنا للناس معلش أصلها كده. وكل مرة جرحتِ حد، قلنا قلبها أبيض. وكل مرة حد زعل منك، خليناه هو اللي حساس. لحد ما صدقتي إن المشكلة في الناس كلها، إلا إنتِ.
الصالة كلها سكتت. أنا نفسي اتفاجئت. يمكن حماتي كانت محتاجة حد زي نادية يهزها هي كمان.
منة عينيها اتمَلّوا دموع
يعني أنا وحشة؟
حماتي قربت منها ومسكت إيدها
لأ... لكن عندك عادة وحشة جدًا، ولو مصلحتيهاش هتخسري ناس بتحبيهم.
منة سحبت إيدها
كريم عايز يسيبني يعني؟
محدش رد. وده كان أوحش رد ممكن تسمعه. دخلت أوضتها تاني وقفلت الباب. اليوم كله عدى وهي مطلعتش.
بالليل، أحمد رجع من الشغل، وحماتي حكتله. قعدنا نتعشى، ومنة منزلتش. حوالي الساعة عشرة، سمعت باب أوضتها بيتفتح. طلعت ببيجامة وشعرها منكوش ووشها مرهق. وقفت قدام أحمد
كريم كلمك؟
أحمد رفع عينه
آه.
قالك إيه؟
أحمد سكت شوية
إنتِ متأكدة عايزة تعرفي؟
منة قعدت قصاده
قول.
أحمد حط المعلقة
قال إن الموضوع مش اعتذار لأمه وبس.
وش منة اتشد
يعني إيه؟
يعني هو بيفكر إذا كان يكمل أصلًا ولا لأ.
منة ضحكت، لكن الضحكة خرجت مهزوزة
متابعة القراءة