بعد خمس سنين من الفراق

لمحة نيوز


وكنت عايش وحيد، مش عايز أقرب لحد، خوفًا من الخيانة مرة تانية.
قلت لصوفيا كنت فاكر إنك سابتني بإرادتك، وإنك كرهتني. وعشت كل السنين دي وأنا أحمل ذنبك، وأحس إنني السبب في كل حاجة حصلت.
وأنا كمان يا ريان، قالت وهي تمسك إيدي بيدها الدافئة. كنت عايشة وأنا خايفة عليك، وندمانة إني ما قدرتش أحميك، ومش عارفة هل أنت عايش ولا ميت، ولا إيه اللي حصلك. وكل ما كبرت جنى، كل ما كنت أتمنى إنك تشوفها، وتعرف إن ليك بنت جميلة وذكية زيها. وكنت دايماً أحكيلها عنك، وأقولها إن باباها شخص طيب، وإن الظروف هي اللي أبعدتنا عن بعض.
جنى قالت فجأة، وهي بتضغط على إيدي عشان كده كنت برسمه يا بابا؟ عشان ماما كانت بتقولي كلام حلو عنك كتير قوي، فكنت أتخيل شكله.
الكلمة بابا خرجت من فمها بكل براءة، وضربت قلبي في أضعف مكان فيه. دموعي نزلت من غير ما أحس، وكنت مش عارف أقول ولا كلمة، بس قربت منها كأنني عايز أجمع كل الحنان اللي حرمته منها ومن أمها طوال السنين دي. كانت صغيرة وناعمة، وريحتها حلوة، وحسيت إنها أمانة من ربنا، وإنها اللي هتردلي الروح من تاني.
وقالت ما تخليناش تفرق تاني يا بابا؟
قلت بصوت مليان دموع وفرحة أبدًا يا روح بابا، أبدًا. مش هتفرقنا حاجة تاني أبدًا.
القسم الرابع العدالة اللي جت في الوقت المناسب
بعد ما هدأت شوية، سألت صوفيا وإيه اللي جابك لسان فرانسيسكو دلوقتي بالذات؟ وإيه اللي خلاكِ تخرجي من المكان اللي كنتِ مختبئة فيه؟
ابتسمت صوفيا، وفي عيونها أمل جديد عرفت أخبار كريم وسليم من فترة قريبة جداً. سمعت إنهم وقعوا في مشكلة كبيرة، وإن كل أعمالهم الغير قانونية اتكشفت، وإنهم مطلوبين للقانون في مصر وفي دول تانية كمان. وسمعت إنك رجعت تشتغل تاني، وإنك ناجح، وإنك لسا عايش وحيد. فعرفت إن الوقت جاي عشان أرجع، وأقولك الحقيقة، ونكمل مع بعض.
وبعدين كملت وصديقتي اللي رايحين نزورها دي، هي اللي ساعدتني أجمع الأدلة اللي تثبت إنهم خدعونا، وإنهم هم اللي سرقوا الحق بتاعنا. كانت عندهم مستندات ورسائل تثبت كل كلامي، واتفقت معاها إننا نروح مع بعض لمصر، ونقدم الأدلة للنيابة، عشان ياخد كل واحد جزاء اللي عمله.
كنت مستغرب أوي، وسألتها وأين الأدلة دي؟ وهل هي كافية عشان نثبت الحقيقة؟
كافية جداً يا ريان، قالت وهي تلمس كتفها. أنا حاطة نسخة من كل الأدلة في مكان آمن، ومعايا نسخة رقمية في هاتفي. فيها تسجيلات صوتية، ومستندات مزورة، وشهادات ناس كانت شغالة معاهم وشافت كل حاجة. وكل ده يثبت إنهم خططوا لفرقتنا من أول، وإنهم هم اللي سرقوا الصفقة والأرض منك، وإنهم هددوني عشان ما أتكلمش.
طوال السنين دي، كنت دايماً أشك فيهم، بس ما كانش عندي دليل قوي يثبت كلامي، وكانوا دايماً أذكى مني، وبيغطوا على أخطائهم بطرق ذكية. لكن دلوقتي، وبوجود صوفيا والأدلة اللي معاها، عرفت إن الحق راجع، وإن العدالة مهما اتأخرت، فهي جاية أكيد.
وصلنا لسان فرانسيسكو بعد رحلة طويلة، وكنت مش عايز أسيبهم ولا دقيقة واحدة. استأجرنا شقة كبيرة قريبة من بيت صديقة صوفيا، وقضينا الأيام التالية نعوض بعض كل اللي فات. كنت كل يوم أستيقظ وأشوف جنى نايمة جنبي، وأحس إنني أغنى راجل في الدنيا. كنت أروح معاها الحدائق، وأشتريلها كل الألعاب اللي بتحبها، وأعلمها كل حاجة عايزة تعرفها، وكنت كل دقيقة أتمنى إن الأيام دي ما تخلصش.
في نفس الوقت، كنا نجهز كل الأوراق والأدلة عشان نرجع لمصر، ونتقدم بالبلاغ للنيابة. تواصلنا مع محامٍ كبير وموثوق، وقلناله كل التفاصيل، وقالنا إن القضية قوية جداً، وإنهم أكيد هينالوا جزاءهم، وإن الحقوق هترجع لأصحابها.
القسم الخامس العودة والبداية الجديدة
بعد أسبوعين، رجعنا لمصر. كنت خايف شوية، ومش عارف كيف ستكون النتيجة، لكن كنت واثق من الحق، وواثق إن ربنا مش بيضيع أجر من أحسن عملاً. وصلنا للمطار، وكنت حاسس إنني راجع لبلدي بقلوب تانية، ومعي أغلى ما أملك في الدنيا حبيبتي وبنتي.
تقدمنا بالبلاغ للنيابة العامة، وكلمنا القاضي بكل التفاصيل، وقدمنا له كل الأدلة والشهادات. كانت المحاكمات طويلة ومتعبة، واستغرقت شهور كتير، لكن في النهاية، صدر الحكم النهائي حُكم على كريم الجوهري وسليم العزازي بالسجن لمدة طويلة، لما ثبت ضدهم من تهم الابتزاز، والتهديد، والغش، وتزوير المستندات، والاستيلاء على أموال الغير بطرق غير مشروعة. ورُدّت لي كل الحقوق والأراضي والصفقات اللي سرقوها مني، واتعرضنا لنا تعويضات مادية عن الأضرار المعنوية والمادية اللي تعرضنا لها.
يوم ما صدر الحكم، كنت قاعد مع صوفيا وجنى في حديقة البيت اللي كنا بنحلم بيه، وقلت لهم الحمد لله اللي ردلكم ليا، ورد الحق لأصحابه. مهما طال الزمن، ومهما كثرت المصاعب، فالخير هو اللي بيبقى في النهاية.
جنى قفزت، وقالت عشان كده ماما كانت بتقول إن ربنا مع الصابرين؟
قلت وأنا ألمس شعرها الكيرلي بالظبط يا حبيبتي. الصبر هو مفتاح كل فرج، والظلم عمره ما يدوم، مهما كان صاحبه قوي.
بعد فترة، قررنا نعيش حياة هادئة بعيدًا عن ضوضاء الأعمال الكبيرة والمشاكل. بعت جزء من الأصول، واشتريت مزرعة صغيرة في الجيزة، قريبة من المكان اللي كنت عايش فيه زمان، وعشنا فيها ببساطة وسعادة.
كنت أهتم بالمزرعة، وأقضي أغلب وقتي مع صوفيا وجنى، وكنت كل يوم أشكر ربنا على نعمه اللي ما تنتهي.
كبرت جنى شوية، ودخلت المدرسة، وظهرت فيها موهبة الرسم زي ما كنت بتعمل من صغرها، فشجعناها كتير، وسجلناها في مراكز تعليم الرسم، وبدأت تظهر أعمالها في معارض صغيرة. كانت دايماً بتقول إنها بترسم عشان تخلد ذكرياتنا، وإن كل لوحة ليها قصة جميلة تجمعنا مع بعض.
في يوم من الأيام، سألتني جنى وهي بتشوفني بعمل في المزرعة يا بابا، لو رجع بيك الزمن لورا، كنت تغير حاجة في حياتك؟
فكرت شوية، وبصيت لصوفيا اللي كانت بتشوفنا وبتضحك، وبعدين قلت كنت أغير شيء واحد بس يا روحي كنت أثق في الحب أكتر، وما أصدقش أي كلمة تقال عن أمك من غير ما أسألها. لكن كل حاجة تانية، حتى الألم والفراق، كانت سبب إننا نعرف قيمة بعض أكتر، ونعرف إن السعادة مش بتيجي إلا بعد صبر ومشقة.
الخاتمة
عشت بقية عمري وأنا حاسس بالسعادة والاطمئنان اللي ما حسيتهم من قبل. عرفت إن الخيانة ممكن تيجي من أقرب الناس، وإن الحب ممكن يتحمل كل المصاعب، وإن الحقيقة مهما اتخفت خلف جدران الكذب والظلم، فهي لازمة تظهر في النور.
كنت دايماً أقول لجنى يا بنتي، الحياة مش كلها فرح، ومش كلها حزن. فيها أيام بيضاء وأيام سوداء، بس المهم إنك تفضل تمشي في الطريق الصحيح، وتثق في ربنا، وتحب اللي معاك، وتكوني دايماً بجانب الحق. واعرفي إن مهما حصل، فأنا وأمك هنكون دايماً جنبك، ولا حاجة تقدر تفرقنا أبدًا.
والبيت اللي كنا بنعيش فيه، كان مليان ضحك وأمل وحب، وكل ركن فيه بيحكي قصة صمود وعدالة وقصة حب ما ماتت ولا ضاعت، مهما طالت السنين وبعدت المسافات. وانتهت الخمس سنين اللي كانت مجرد كابوس، وبدأت معاهم حياة جديدة مليانة بالخير والفرح، اللي استحقت كل ما تعبناه وانتظرناه.

 

تم نسخ الرابط