بعد خمس سنين من الفراق
كلمة ولا رسالة! كنتِ سابتلي رسالة واحدة بس بتقولي إنك سابتني ومش عايزة تشوفني تاني! سألت عليكِ كل حتة، روحت لكل الأماكن اللي كنا نروحها، سألت الأهل والأصحاب، ولا حد كان يعرف حاجة! وكنتِ عايزني أصدق إيه غير إنك خنتِ الحب اللي بينا؟
الطيارة بدأت تطلع في الجو، والمدينة تحتنا صارت مجرد نقاط نور صغيرة. صوفيا خدت نفس عميق، وقالت بصوت هادي لكن كل كلمة منها بتقطع القلب الرسالة دي مش كتبتها أنا يا ريان. ما كتبتهاش أبدًا.
القسم الثاني الخيانة اللي جت من أقرب الناس
سكتّ شوية، وعقلي بدأ يربط الخيوط ببعض. زمان، قبل ما تختفي صوفيا بفترة قصيرة، كنت خلصت صفقة كبيرة جداً في العاصمة الجديدة، صفقة كانت هتجعلني من أكبر المستثمرين في المنطقة، وهغير مستقبلي ومستقبل صوفيا كمان. كنت سعيد أوي، وقلتلها إننا قريب هنستقر، ونبني البيت اللي كنا بنحلم بيه، ونعيش فيه حياة هادئة بعيد عن ضوضاء الشغل والمشاكل.
لكن في نفس الوقت، كان في ناس كتير مستفيدة إن الصفقة دي ما تتمش، وإنني أخرج من السوق نهائيًا. منهم شريكي القديم في الشغل، كريم الجوهري، اللي كان بينا وبينه خلافات كتير على الحقوق والأرباح، وكنت عارف إنه بيكرهني من جواه، وبيحاول يلحقني بأي طريقة ممكنة. وبرضه كان في رجل أعمال كبير اسمه سليم العزازي، كان عايز يسيطر على الأرض اللي اشتريتها، ولما رفضت أبيعه إياها بثمن بخس، قاللي كلام تهديد واضح ما تعرفش مين قدامك يا ريان... الأرض دي هتكون ليا، سواء بعتليها ولا لأ، وانت هتكون عبرة لغيرك.
ساعتها كنت واثق من نفسي، وقلتلهم إن الحق معايا، والقانون هيحميني، ومش عايز أهتم بتهديداتهم. لكن كنت غبي أوي، ومش عارف إن دول مش بيخافوا القانون، وبيستخدموا كل الطرق القذرة عشان يوصلوا لهدفهم.
صوفيا بدأت تحكي يوم ما اختفيت، كان كريم جالي في البيت بتاعنا، وكنت لوحدي. قاللي إنك تعرضت لمحاولة اغتيال، وإنك في حالة خطيرة جداً في مستشفى بعيد، وعايز تشوفني ضروري. خدني معاه من غير ما أتصل بحد، ولا أجيب حاجة معايا غير المحفظة والموبايل. لكن بدل ما يوديني المستشفى، وصلني لطريق صحراوي، وهناك كان في استناه سليم ومعاه رجالة مسلحين.
سكتت شوية عشان تسيطر على دموعها، وكملت سليم قاللي إنك رفضت تبيعله الأرض، وإن لازم أدفع التمن، وإلا هيدمروك ويدمروا سمعتك. قاللي إن الطريقة الوحيدة عشان تنقذك إنك أختفي، وإنك تسيب رسالة بتقول إنك سابتني. وقاللي لو حكيتلك ولا قلت لحد الحقيقة، هيقتلك ويقتلوني معاك. كانوا معاهم ورق مزور بيقول إنك مديون بمبالغ ضخمة، وإنك هتسجن لسنوات طويلة لو كملت في الصفقة دي. وهددوني كمان بالعيلة بتاعتي، وقاللي هيوصلوا لكل غالي عليا.
قلت بصوت مرتجف وليه ما حاولتي تتصلي بي؟ أو تسيبي رسالة تانية؟
كانوا مسيطرين عليا تمامًا يا ريان، قالت بصوت حزين. أخذوا مني الموبايل، وحبسوني في شقة بعيدة في الساحل، وكل فترة كانوا بيجيلي واحد منهم ويقولي إنك تعبان، وإنك بتبحث عني بجنون، وإن لو كلمتك هتكون النهاية. وبعد فترة، عرفت إنهم بيعملوا كل ده عشان ياخدوا الصفقة منك، وإنهم خدعوك وقالولك إنك خسرت كل فلوسك، وإنك مطلوب للقانون. وكنت مستعجلة أوي أجيلك، لكن ما كانش في إيدي حيلة، لحد ما... لحد ما عرفت إن فيني جنى.
بصيت للبنت الصغيرة اللي كانت قاعدة جنبي، وعيونها بتتحرك بيني وبين أمها بتركيز، كأنها بتحاول تفهم كل كلمة بنقولها. قلت بدهشة يعني... لما كنتِ بعيدة، كانت جنى في بطنك؟
هزت راسها، ودموعها نزلت بغزارة آه يا ريان... عرفت بالخبر ده وأنا في أصعب أيام حياتي. كنت خايفة أوي، ومش عارفة هعرف أربيها ولا لأ، ولا هتعرف تشوفك يوم تاني. ولما كبرت شوية، قررت أهرب من المكان اللي كانوا حابسيني فيه، بمساعدة واحدة من الجيران اللي كانت شايلة شفقة عليا. سافرت لبلد تانية، واخدت اسم مستعار، وعشت هناك خمس سنين، خايفة أظهر ولا أتصل بحد، خوفًا من إنهم يلاقوني وينفذوا تهديدهم.
القسم الثالث الخمس سنين اللي ضاعت مننا
سكتّ طويلًا، وكل ذكريات الخمس سنين اللي مضت مرت قدامي زي الفيلم. كنت في الفترة دي عايش في جحيم حقيقي بعد ما اختفت صوفيا، كريم وسليم قاموا بكل حيلة عشان يدمروني، نشروا شائعات كتير عني، قالوا إنني نصاب، وإنني خسرت أموال الناس، وإنني هربت من العدالة. خسرت كل الفلوس اللي جمعتها، وخسرت الشغل، وحتى الأصحاب اللي كنت فاكرهم أقرب الناس لي ابتعدوا عني، خوفًا من إنهم يتضرروا مني.
كنت كل يوم أروح مكان كنت أروحه مع صوفيا، وأقعد هناك لساعات، وأحسّ بوجع في قلبي مش بيتحمل. كنت أكرهها أحيانًا، وأكره نفسي أكتر، عشانني ما حافظتش عليها، وعشانني سمعت الكلام اللي قالوه عنها وصدقتها. كنت أتمنى لو أقدر أرجع بالزمن لورا، وأغير كل حاجة، وأحميها من كل الأذى اللي شافته بسببي.
وبعدين، بدأت أجمع نفسي من تاني، وبدأت من الصفر. شغلت في شغل بسيط، وبعدين رجعت للاستثمار مرة تانية، ببطء وحذر، وكنت دايماً أتأكد إن كل خطوة خطاها قانونية ومش فيها أي شبهة. لحد ما رجعت أقف على رجلي تاني، وبقيت معروف تاني، لكن بقيت شخص تاني تمامًا قلبي اتقسّى، ومش بثق في حد،