"قالتلها: أبوكي مش هيصدقك"
الضابط يشيل نضارته ويمسح عينيه.
نادية في الصالة، قاعدة القرفصاء قدام نور، وبتقول بوضوح كفاية عشان كاميرا الطرقة تلقطها
لو خليته يختار، هيمشيكي. الرجالة م بيحتفظوش بالبنات الصغيرين الزعلانين للأبد.
اضطريت أسيب الأوضة.
وصلت لحد الطرقة قبل ما جسمي ينهار. سندت إيد واحدة على الحيطة تحت لوحة مطبوعة نادية كانت اختارتها، حاجة دهبي تجريدية كده كانت مكان صورة لإيمان وهي ماسكة نور لسه مولودة.
البيت كان باين إنه مليان أدلة ضايعة.
مش بس اللي نادية عملته.
اللي أنا سمحتله يختفي.
بعد كام دقيقة، نور طلعت من أوضة اللعب وهي ماسكة إيد أم حسين.
شافتني في الطرقة ووقفت.
أجبرت نفسي على الوقوف.
الأطفال بيبصوا للكبار عشان يعرفوا هل العالم بينتهي ولا لأ. مكنتش أقدر أخليها تشوف إن عالمي أنا انتهى.
يا حبيب بابا، قلت.
اسم الدلع القديم طلع مني.
عينيها اتملت دموع.
أنت م قلتليش كده من زمان.
مكنتش واخد بالي.
نادية كانت بتكره أسامي الدلع. كانت بتقول إنها بتخلي الأطفال طفوليين بزيادة. كانت بتقول إن نور محتاجة تكبر وتسيب العادات القديمة.
فتحت دراعاتي.
نور جت براحة، لسه بتحمي إيديها، ومالت عليا.
أنا آسف، همست في شعرها.
مقالتش إن حصل خير.
كنت ممتن لده.
مكانش حصل خير.
عصام جه الطرقة بعدها بلحظة. وشها كان متماسك، بس عينيه كانت ناشفة.
محتاجة تمشي النهاردة، قال.
نادية، اللي كانت واقفة جمب مدخل الصالة، نطرت راسها ناحيتنا.
أنا مش رايحة في حتة.
عصام معلاش صوته. يبقى كريم ونور هيمشوا.
ده بيتي.
لفيت.
لأ، قلت. مش بيتك.
تعبير وشها اتهز.
البيت كان ملكي قبل ما أتجوز نادية. إيمان وأنا اشتريناه مع بعض، مع إنها عمرها م اهتمت بمساحته. كانت بتهتم بشباك الفطار، شجرة القيقب اللي في الحوش الورا، ركن القراية الصغير تحت السلم. بعد ما ماتت، كنت هبيعه تقريباً لأن كل أوضة كانت بتوجع.
نادية حبته علطول.
السلم. الرخام. البوابات. العنوان.
كانت نقلت لحياة وافتكرتها ملكية.
الضابط قدم خطوة. مدام نادية، نظراً للظروف، هيكون من الأفضل لو رتبتي تقعدي في مكان تاني بينما بيتم التحقيق في الموضوع.
نادية بصت حوالين الصالة، بتدور على شاهد يقف جمبها. بس الناس الوحيدين في البيت ده دلوقتي كانوا اللي شافوا.
أم حسين ماسكة نور.
دكتورة إيمان واقفة بشنطتها الطبية.
كاريمان لطفي بتراقب بوش ثابت.
عصام ماسك الملف.
الضابط مستني.
وأنا واقف قدام الطفل اللي نادية كانت متأكدة أوي إني مش هصدقه.
السكوت عمل اللي الزعيق م قدرش يعمله.
بينلها إنها لوحدها.
بوقها اتلوى.
هتندم على ده يا كريم.
كنت مصدق إنها تقصدها.
بس الندم كان خلاص وصل. وصل في شكل كفوف طفلة مجروحة وفولدر اسمه لو سأل أخيرًا.
نادية طلعت فوق عشان تلم هدومها والضابط مستني جمب أول درجة سلم. نزلت بعدها بعشرين دقيقة بشنطتين سفر ماركة ومن غير دموع. مش دموع حقيقية يعني.
عند باب الشقة، وقفت.
لثانية، افتكرت إنها ممكن تبص لنور.
بصت للنجفة مكانها.
وكأنها بتودع البيت.
بعدين مشيت برة.
الباب اتقفل وراها بصوت خبطة ناعمة وغالية.
نور مهيصتش. محدش هيص.
في أنواع من الإنقاذ م بتحسش بالانتصار في الأول.
بتحس وكأنك واقف في الحطام وأخيراً بتعترف إن البيت بيتحرق من زمان.
الليلة دي، نور نامت في أوضتي.
مش لأني كنت عايز أعمل وعد درامي. لأن لما شلتها لفوق، وقفت عند باب أوضتها وهمست، م ينفعش م أنامش جوه؟
مسألتش ليه.
مش وقتها.
غطيتها في السرير الكبير، وحطيت الأرنب الجديد جمب خروفها اللعبة القديم، ولقيت صورة البحر المستخبية ورا أطباق التقديم في دولاب المطبخ. حطيتها على الكومودينو.
نور لمست البرواز بصابعين متصمدين.
نادية قالت إن ماما خليتك تعيط.
حصل، قلت براحة. بس مش لأني كنت عايز أنساها.
نور بصتلي.
أنا بعيط لأني حبيتها. وببتسم لأني حبيتها برضه. الاتنين ينفع يعيشوا في نفس البيت.
درست الكلام ده بالجدية اللي الأطفال والعواجيز بس باين إن عندهم منها.
بعدين سألت، ينفع صور ماما ترجع؟
بلعت ريقي.
كلهم.
نامت وإيد واحدة جمب البرواز.
أنا منمتش.
مشيت في البيت بعد نص الليل بكرتونة، برجع كل صورة نادية شالتها. إيمان وهي بتضحك في الجنينة. إيمان وهي ماسكة نور في المستشفى. إيمان وأنا بندهن أوضة الأطفال وحش وبندعي إن خط الحيطة المعوج ليه شخصية. نور وهي عندها تلات سنين والكريمة على مناخيرها.
لقيت أكتر في الجراج.
في منهم ملفوف في منديل ورق.
وفي منهم محشور ورا صناديق الكريسماس.
برواز واحد كان فيه كسر في الزاوية.
قعدت على أرض الجراج ماسكه لحد الفجر.
التحقيق م خلصش في ليلة واحدة.
العواقب الحقيقية نادراً ما بتتحرك بالسرعة اللي الوجع بيطلبها.
كان
دايرتها الاجتماعية اتغيرت قبل أي محكمة.
دي كانت الحاجة الغريبة في الناس اللي زي نادية. بيفكروا إن السمعة سور، بس هي زي الإزاز. قوية لحد ما يظهر شرخ واحد نظيف.
عيلة عثمان بطلوا يتصلوا.
مجلس إدارة الجمعية الخيرية قبل إجازتها المؤقتة.
ست من تبرعات المدرسة بعتتلي رسالة بتقول إنها مرة شافت نور بتتخض لما نادية مدت إيدها لكتفها وكانت اتسائلت، للحظة، بعدين معملتش حاجة.
للحظة.
الكلمة دي فضلت معايا.
أضرار كتير أوي بتعيش جوه للحظة بتاعة الناس التانية.
أم حسين رجعت تشتغل عندنا، مع إنها رفضت كلمة شغل في الأول.
هي محتاجة عيلة، قالتلي.
وأنا كمان، قلت.
عينيها لانت، بس مسابتنيش بسهولة.
لازم تسمع من أول مرة دلوقتي.
أنا عارف.
لأ، قالت. لازم تعرف كل يوم.
وده اللي عملته.
الشفاء مكنش سينمائي.
كان بطيء.
كان نور بتسأل تلات مرات هل ينفع تدلق عصير وتفضل محبوبة.
كان تخبيتها للألوان المكسورة تحت مخدتها.
كان عياطها لما أرفع صوتي في ماتش كورة على التلفزيون.
كان تعلمي إني أعتذر من غير ما أخليها تواسيني.
كان مواعيد ثيرابي وكريم إيد ونوم وضؤ الطرقة منور.
كان أول مرة تسيب رسمة على التلاجة تاني.
بيت بنفسجي.
تلات أشخاص عصيان.
أنا، ونور، وماما، شرحتلي.
بعدين بعد سكتة، رسمت أم حسين جمبنا، وماسكة طبق بسكوت.
بعد شهور، في أول جلسة طلاق، نادية لبست كحلي ولولي. كانت باينة متواضعة، مجروحة، قديسة تقريباً. المحامي بتاعها اتكلم عن الضغط، صعوبات التكيف، تحديات العيلة المختلطة.
بعدين عصام شغل فيديو الطرقة.
مش كله.
كفاية بس.
قاعة المحكمة م شهقتش.
القاعات الحقيقية نادراً ما بتعمل كده.
بس محامي نادية بطل كتابة.
بوق القاضي اتشد.
كاتبة بصت تحت للكيبورد وفضلت ثابتة تماماً.
على الشاشة، صوت نادية ملى الأوضة
أبوكي مش هيصدقك.
اتفرجت على نادية وهي بتسمع نفسها.
لأول مرة، م قدرتش تلبس الكلمات سياق. م قدرتش تعطّرهم. م قدرتش تحطهم جوه قصة هي فيها مظلومة.
وقفوا لوحدهم.
قبيحين ومش قابلين للإنكار.
القاضي وافق على تمديد أمر الحماية. الطلاق مشي بسرعة بعد كده.
مكنتش محتاج أسرع.
كنت محتاج نهائي.
بعد سنة من اليوم ده في الصالة، نور وأنا غيرنا الفازة المكسورة.
مش بواحدة بورسلين تانية.
بإناء سيراميك أزرق مقلبظ هي اختارته في معرض فني في الويك إند. كان مش متساوي، وفيه بصمة صباع جمب القاعدة مكان ما الفنان ضغط جامد بزيادة. نور حبته علطول.
باين عليه إنه م بيحاولش يكون مثالي، قالت.
ف حطيناه على ترابيزة الطرقة.
وجواه، حطينا توليب أصفر.
الشريطة الزرقا من اليوم ده فضلت في درج مكتبي وقت طويل. مش عارف ليه احتفظت بيها. يمكن كعقاب. يمكن كدليل. يمكن لأن الآباء اللي بيفشلوا مرة بيبقوا خايفين ينسوا الشكل بالظبط لفشلهم.
مرة الصبح، نور لقيتها وهي بتدور على لزق.
رفعتها براحة.
دي بتاعتي؟
هزت راسي بأيوة.
وشها اتغير، مش بخوف المرة دي، بس باستيعاب.
من اليوم اللي جيت فيه بدري؟
أيوة.
مشت الشريطة بين صوابعها.
بعدين مشيت لسلة الزبالة تحت مكتبي ورمتها فيها.
بصيتلها.
متأكدة؟
هزت راسها بأيوة.
أنا مش محتاجة دي.
بعدين رجعت تعمل كارت عيد ميلاد لأم حسين، وبدندن بصوت واطي.
قعدت هناك بعد ما مشيت، ببص للمكان الفاضي في درجي.
لوقت طويل، كنت فاكر إن العدل هيكون مشي نادية. أمر المحكمة. الطلاق. خسارة سمعتها المثالية. الفيديوهات اللي بتثبت اللي بنتي كانت صغيرة أوي عشان تثبته لوحدها.
بس العدل الحقيقي كان أهدى.
كان رمي بنتي للشريطة بنفسها.
كان معرفتها إنها تقدر.
كان صورة البحر راجعة على الرف، مش مستخبية، مش معتذر عنها، مش متبسطة عشان تخلي حد تاني مرتاح.
كان جري نور في الصالة بعد شهور بكوتشي مبلول بعد المطر، ووقوفها فجأة لما شافت الآثار وراها، ووشها بيبهت من عادة قديمة.
بصيت لآثار الطين على الرخام.
بعدين ليها.
بعدين قلعت جزمتي أنا كمان، ودوست في النجيل المبلول برة، ورجعت جوه، وعملت آثار أكبر جمب آثارها.
نور بحلقت.
بتعمل إيه؟ سألت.
بخليها متساوية.
لثانية متعلقة، م فهمتش.
بعدين ضحكت.
مش بحرص.
مش بهدوء.
مش ضحكة طفل بيتأكد من الأوضة الأول.
ضحكة حقيقية.
طلعت لحد النجفة اللي نادية
وده كان الوقت اللي فهمت فيه أنا منقذتش الرخام. أنا أنقذت بنتي من إنها تصدق إنها أقل أهمية منه.