"قالتلها: أبوكي مش هيصدقك"

لمحة نيوز

المساحة خبطت في الرخام جمب ركبها.
نضفيها تاني.
بنتي اتخضت خضة جامدة لدرجة إن إيديها الصغيرة اتزحلقت في المية المتبهدلة.
لثانية واحدة، وقفت عند باب بيتي ومبقتش قادر أحرك جسمي.
البيت كان منور بزيادة. ده كان أول حاجة افتكرتها. الشمس كانت داخلة بغزارة من شبابيك الصالة الطويلة، وضاربة في الرخام الأبيض لدرجة إن كل حاجة كانت باينة بتلمع، غالية، وباردة. النجفة اللي فوق السلم كانت بتبرق وكأن مستحيل أي حاجة وحشة تحصل تحتها.
بس بنتي اللي عندها ست سنين كانت راكعة على ركبها في وسط اللمعان ده كله، وبتعيط بحرقة لدرجة إنها مش قادرة تاخد نفسها.
نور.
كان اسمها نور.
اتولدت بنفس عيون مراتي الله يرحمها البني الناعمة، وبنفس الدقن الصغير العندادي اللي كان بيخلي الغربا يبتسموا لها في السوبر ماركت. الظهر ده، شعرها كان بيفك من ديل الحصان اللي أنا ربطتهولها بنفسي قبل المدرسة. شراب من شراباتها كان نازل لحد كاحلها. والترينج الرمادي الواسع عليها كان متبهدل بمية الأرض وحاجة غامقة مش قادر أحددها.
وإيديها.
يا رب ارحمني، إيديها.
كانوا حمر. ومقشرين. وبيترعشوا.
قدامها كانت واقفة نادية، الست اللي اتجوزتها من عشر شهور لأني وقتها افتكرت حب التحكم ثقة بالنفس، وافترضت إن الجمال معناه دفا. كانت لابسة بلوزة حرير أوف وايت، وبنطلون أسود مظبوط عليها، والإنبسيال الألماظ اللي جبتهولها في عيد جوازنا الأول. كاس نبيذ أبيض في إيدها وكأنها بتراقب شغالة بتفشل في التفتيش.
مش طفلة.
مش بنتي.
شغالة.
بحاول والله، نور عيطت وصوتها الصغير اتشرخ في الصالة الواسعة.
نادية ميلت راسها وشاورت على الأرض بصباعين من إيديها اللي عاملهالهم مانيكير.
المحاولة دي كلمة الكسلانين قبل ما يستسلموا.
الكلمات نزلت بنفس النبرة الحادة الهادية اللي نادية بتستخدمها في المطاعم لما الويتر يجيب مية فوارة غلط. مؤدبة كفاية للغربا. بس حامية كفاية إنها تسيب علم.
نور ضغطت بإيديها الاتنين على الرخام المبلول وحاولت تاني. كوعها كان بيترعش. نفسها كان بيتقطع. جرت المساحة في خط معوج، وعصاية المساحة خبطت براحة في حرف السلم.
إيدي بتوجعني، همست.
نادية قربت منها أكتر.
يبقى بلاش تبهدلي الدنيا.
وقتها شوفت فازة الورد المكسورة جمب ترابيزة الطرقة. كانت مكنوسة في كومة مظبوطة،

بس مش شغل حد كبير. الحتت كانت متطورة بزيادة، ومش متساوية، وفيها خطوط مية ماشية وسطها. شريطة زرقا صغيرة من بتاعة شعر نور كانت مرمية جمب الإزاز المكسور وكأن حتة من البنت نفسها وقعت على الأرض.
شنطة الهدية اللي في إيدي فجأة حسيت إنها مالهاش عازة.
كان جواها أرنب صغير لعبة من محل المطار، من اللي ودانه طويلة ومدلدلة وفيه فيونكة ستان بينك. كنت غايب بقالي تلات أيام في شغل. ومكنش المفروض أنزل غير بالليل، بس الاجتماع الأخير خلص بدري، ورجعت البيت وأنا بتخيل نور وهي نازلة تجري على السلم، ونادية وهي بتبتسم من المطبخ، يعني شكل دافي وصغير للعيلة اللي مستنياني.
بدل كل ده، بنتي كانت بتمسح الصالة وكأن العقاب ده حاجة عادية.
والست اللي اؤتمنتها عليها واقفة فوق راسها والكاس في إيدها.
عشان خاطري، نور قالت. مكانش قصدي.
تعبيرات وش نادية متغيرتش. وده أكتر حاجة رعبتني. مش غضب. مش خضة. ولا حتى نرفزة.
تعود.
كان باين عليها إنها متعودة.
بطلي عياط، قالتلها. شكلك بقى يكسف.
نور حاولت تمسح وشها بظهر إيدها، بس جلدها كان ملتهب لدرجة إنها اتوجعت. كتمت الوجع جواها قبل ما يتحول لصرخة، والحركة الصغيرة دي من الطاعة عملت فيا حاجة لحد دلوقتي مش عارف أشرحها. حسيت وكأن في باب اتقفل جوه بنتي.
كام مرة اتعلمت تكتم الوجع في البيت ده؟
كام ظهر ضاع مني لأني كنت في الشغل، برد على مكالمات، وبمضي عقود، وفاكر إن السكوت معناه راحة بال؟
نادية قربت أكتر لحد ما بوز جزمتها البيج بقى على بعد بوصات من ركبة نور.
وإياكي تفكري حتى تقولي لأبوكي، قالتلها بصوت واطي وناعم. مش هيصدقك.
الكلام مكنش عالي.
ومكنش محتاج يبقى عالي.
دي نوعية الكلام اللي بيتقال لحد صغير. كلام واضح إنه اتقال قبل كده. كلام معمول عشان يحبس طفل جوه الخوف.
ورا نادية، باب الشقة اتقفل براحة من الهوا اللي دخل معايا وأنا بفتح.
الصوت الصغير ده خلى كتافها تتشد.
وفهمت ده قبل ما تلف. اللمحة السريعة دي اللي ظهرت على وشها. مش ذنب بالظبط.
حسبة برما.
شنطة الهدية اتزحلقت من بين صوابعي.
وقعت على الرخام بصوت كرمشة ورق واطي.
نادية لفت.
كاس النبيذ وقف في نص السكة لبقها.
لوقت مفيش حد فينا اتكلم. البيت كله سكت حوالينا. صوت تلاجة البيت الواطي كان جاي من أخر الطرقة. ساعة حيطة دقت دقة واحدة
جمب باب المكتب. نفس نور كان متقطع، ومبلول، وخايف.
نادية هي اللي لحقت نفسها الأول. زي عادتها دايما.
كريم، قالت وهي بتفرد بلوزتها بإيدها الفاضية. أنت جيت بدري.
مش أنت شوفت إيه؟
ولا خليني أشرحلك.
هو ده بس.
أنت جيت بدري.
وكأن المشكلة هي وصولي، مش بنتي اللي مرمية على الأرض.
نور رفعت وشها ناحيتي، والأمل اللي كان في عيونها كسرني أكتر من الخوف نفسه. مجريتش عليا. ممدتش إيدها الأول. كانت بتبص بيني وبين نادية زي طفل بيحاول يحزر أنهي حد كبير أضمن إنه يزعل منه.
بابا، همست.
مشيت في الصالة، بس براحة. براحة زيادة عن اللزوم يمكن. جسمي كان تقيل، وداني كانت بتصفر بصوت دمي وهو بيغلي.
نادية اتحركت وكأنها عايزة تقف بيننا.
كريم، هي كسرت الفازة، قالت بسرعة. كنت بعلمها المسؤولية.
مبصيتلهاش.
نزلت على ركبي قدام بنتي.
الرُّخام كان ساقع لدرجة إنه اخترق بنطلون البدلة. شفة نور اللي تحت كانت ب someترعش وهي بتفتح كفوف إيديها ليا. الجلد كان مقشر ومجروح في حتت. خطوط حمرة كانت مالية الأماكن الناعمة اللي المفروض إيدين طفلة فيها تكون ملزقة من ألوان الشمع، أو البسكوت، أو طباشير الرصيف.
أخدت إيديها براحة على قد ما قدرت.
شهدت وخدت نفس طويل.
هي اللي خليتك تعملي كده؟ سألتها.
عيون نور راحت لنادية بسرعة.
النظرة دي جاوبت قبل ما هي تتكلم.
نادية ضحكت ضحكة مكتومة وصغيرة، من النوع اللي بتطلعه في عزومات العشا لما حد يقول حاجة مش على هواها.
هي بتأفور بزيادة. الأطفال دايما بيبالغوا. أنت عارف هي حساسة قد إيه.
حساسة.
الكلمة دي بقت زي الغطا اللي نادية بترميه على أي حاجة نور بتحس بيها.
حساسة لما متبقاش عايزة تسلم على الضيوف بالبوس.
حساسة لما تعيط عشان وحشاها أمها.
حساسة لما سألتني مرة بالراحة هي ليه نادية نقلت الصور المتبروزة من الصالة لكرتونة في الجراج.
حساسة لما قالتلي مرة، بصوت واطي أوي، إنها م بتحبش تقعد معاها لوحدهم.
وأنا، عشان كنت مشغول وموجوع على فراق مراتي وبموت عشان أصدق إني بنيت حاجة مستقرة تاني، كنت بقولها إن نادية بس لسه بتتعود على الوضع.
خزي الموقف ده نزل عليا فجأة لدرجة إني مكنتش قادر أتنفس تحته.
نور ميلت لقدام وسندت قورتها على صدري.
قالتلي إنك مش هتصدقني، همست.
غمضت عيني.
نادية حطت كاس النبيذ على ترابيزة الطرقة
بخبطة حادة زيادة عن اللزوم عشان تبان هادية.
كريم، بجد بقى. أنت هتسيب عيلة تلعب بيك بالشكل ده؟
رفعت راسي.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت، بصيت لمراتي في وشها علطول.
وشها كان مثالي. الميك أب متبهدلش. شعرها مفرود. الحلق الدهب بيلمع مع النور. كانت باينة زي نوعية الستات اللي الناس بتثق فيهم في تبرعات المدارس وصور الجمعيات الخيرية، لأن القسوة، لما بتبقى لابسة نضيف، بتعدي دايما على إنها حزم وتربية.
بس إيدها كانت بترعش.
حاجة بسيطة بس.
بس كفاية.
وقفت، وفضلت مخلي نور ورايا.
بوق نادية اتشد.
ده كلام فاضي، قالت. البنت دي محتاجة نظام. أنت مدلعها بزيادة عشان حاسس بالذنب ناحية أمها.
سيرة مراتي الله يرحمها غيرت الأوضة كلها.
مش بصوت عالي.
ولا بشكل درامي.
بس في حاجة جوايا سكنت تماماً.
ورايا، نور كانت ماسكة في ظهر الجاكيت بتاعي بصوابعها الصغيرة الموجوعة.
مديت إيدي في جيبي وطلعت الموبايل.
نادية خدت بالها.
عينيها راحت للشاشة، ورجعت لوشي تاني.
بتعمل إيه؟
مردتش عليها علطول.
بصيت للفازة المكسورة. الرخام المبلول. الشريطة الزرقا الصغيرة. المساحة المرمية على الأرض زي دليل جريمة محدش حتى كلف نفسه يخبيه.
بعدين بصيت تحت لبنتي، اللي كانت بطلت عياط بس عشان مستنية تشوف هل أنا أخيرًا هبقى الأب اللي هي محتاجاه فعلاً.
صباعي الإبهام كان واقف فوق اسم واحد في الأسماء عندي.
مش الشرطة.
مش دلوقتي.
حد يعرف عن بيتي أكتر بكتير ملي نادية تتخيله.
ولما الخط فتح، قلت جملة واحدة بس.
هاتلي تسجيلات كاميرات المراقبة المخفية.
وش نادية اتغير بسرعة لدرجة إني لو كنت رمشت، كنت ممكن أفوت الست الحقيقية اللي تحت القناع المتلمع ده.
الأول حيرة.
بعدين استيعاب.
بعدين خوف.
مكنش خوف بصوت عالي. نادية متكعبلتش ووقعت لورا ولا رمت كاس النبيذ. كانت ملتزمة بزيادة عشان تعمل كده. بوقها اتمط في شكل براءة، بس عينيها كانت خلاص فضحاها. عينيها راحت ناحية الطرقة، ناحية الرف الخشبي المحفور الصغير اللي، من كام شهر، كنت حاطط عليه تمثال ملاك بورسلين جدة نور كانت مدياهولها.
كان في كاميرا جوه الملاك ده.
مش لأني مكنتش واثق في نادية وقتها. على الأقل ده اللي كنت بقوله لنفسي. كنت مركبها بعد ما نور بدأت تمشي وهي نايمة. كانت تاهت ونزلت السلم مرتين بعد نص الليل،
وهي بتنادي على أمها بصوت يخلي حتى البيت مكسوف يرد عليها. أم حسين، الدادة القديمة بتاعتنا، كانت اقترحت كام كاميرا

تم نسخ الرابط