"قالتلها: أبوكي مش هيصدقك"
صغيرة في الأماكن العامة عشان أفهم نور بتصحى إمتى وبتروح فين.
نادية كانت عارفة بوجود الكاميرات اللي في أوضة الأطفال وأوضة اللعب.
مكنتش عارفة عن الملاك اللي في الصالة.
أو الساعة النحاس اللي فوق باب المطبخ.
أو العدسة الصغيرة المستخبية في رف كتب الطرقة، لأن دول كانوا متركبين قبل ما نادية تنقل وتعيش معانا، خلال الشهور اللي الوجع فيها خلاني مبالغ في الحماية في أماكن معينة، وأعمى في أماكن تانية.
كريم، نادية قالت بصوت أهدى دلوقتي. أنت مكبر الموضوع أوي.
الكلمة فضلت متعلقة في الجو.
مكبر الموضوع.
راجل كبير ماسك إيد بنته المجروحة وهو واقف في مية مبهدلة يبقى بشكل ما مكبر الموضوع.
نور ضغطت أكتر على رجلي. جسمها لسه كان بيترعش. كنت حاسس بكل نفس مهزوز ليها وهو بيخبط في بنطلوني.
فضلت حاطط الموبايل على ودني.
أم حسين ردت في تالت رنة.
كريم بيه؟
صوتها كان حذر، بس مش متفاجئ.
وده كان المفروض ينبهني.
تقدري تدخلي على كاميرا الصالة من التابلت بتاعك؟ سألتها.
كان في سكتة. مش حيرة. مش تأخير.
وجع.
أيوة، قالت بهدوء. أقدر.
نادية قدمت خطوة. ليه يكون عندها إمكانية الدخول للكاميرات اللي في بيتنا؟
لفيت راسي ناحيتها.
بيتنا؟
شفايفها اتفتحت، وبعدين قفلت.
دي كانت حاجة صغيرة تانية لاحظتها بعدين. نادية كانت بتحب جملة بيتنا لما كانت بتحتاج سلطة. بس لما نور تسيب لعب على السلم، كانت بتبقى البهدلة بتاعة بنتك. لما نور تطلب قصة قبل النوم، كانت بتبقى ذنبك أنت. لما نور تعيط عشان وحشاها أمها، كانت بتبقى مشكلتك أنت.
صوت أم حسين جه من الموبايل تاني.
عايز تسجيل النهاردة بس؟
زوري اتشد.
نادية سمعت السؤال. الغويشة بتاعتها اتزحلقت على معصمها وإيدها نزلت جمبها، الألماظ كان بيلقط ضوء الشمس في لمعات عصبية صغيرة.
بصيت لإيدين نور الحمرة.
لأ، قلت. ابعتيلي كل حاجة من آخر تلاتين يوم.
نادية ضحكت ضحكة واحدة.
كان صوت ناشف، وقبيح.
تلاتين يوم؟ كريم، ده كلام مش منطقي. هي كسرت فازة. وهي بتعيط عشان اتمسكت.
صوابع نور حفرت في الجاكيت بتاعي.
نزلت الموبايل، بس مقفلتش الخط.
نور، قلت وأنا بنزل على ركبي تاني عشان وشي يبقى في سوا وشها، محتاجك تسمعيني كويس أوي. أنتي مش في مشكلة.
عينيها دورت في عيوني وكأنها مش عارفة هل الكلام ده آمن تصدقه
هل نادية خليتك تنضفي بحاجة وجعت إيديكي؟
بوق نور اتفتح.
صوت نادية قطع الجو.
متلقنهاش الكلام.
وقفت بسرعة لدرجة إن نادية رجعت نص خطوة لورا.
متتكلميش معاها.
الصالة مكنش فيها صدى، بس صوتي كأنه خبط في كل سطح متلمع فيها.
تعبير وش نادية نشف. النعومة اختفت. أنت بتعمل غلطة كبيرة أوي.
لأ، قلت. أنا خلاص عملتها.
ده سكتها أكتر ملي الزعيق كان هيعمله.
أم حسين كانت لسه على الخط. كنت سامع حركة عندها. درج بيتفتح. التكة الخفيفة لشاشة تابلت. كانت نقلت وسابت البيت بعد ست أسابيع من جوازي أنا ونادية، بعد ما نادية صممت إننا محتاجين خصوصية ك عيلة حقيقية. كنت قبلت ده لأن نادية قالت إن نور محتاجة تتقرب من مرات أبوها.
أم حسين كانت حضنت نور على العتبة في آخر يوم ده. افتكرت دراعات نور الصغيرة وهي متبتة في رقبتها، ونادية واقفة ورايا بابتسامة موصلتش لعينها.
هي متعلقة بالشغالين بزيادة، نادية كانت همست بعد ما العربية مشيت.
شغالين.
أم حسين كانت ساعدت في تربية نور بعد ما مراتي ماتت. كانت بتنام على كرسي جمب سرير نور في أوحش الليالي. كانت عارفة أنهي حيوانات لعبة بتروح على أنهي ناحية من المخدة. كانت عارفة إن نور بتكره المشروم بس هتاكل البروكلي لو كان مشوي. كانت عارفة إن الوجع عند الأطفال بييجي بشكل غير مباشر، عن طريق وجع البطن وأسئلة بتتسأل من الكرسي اللي ورا في العربية.
وأنا كنت سبت نادية تختصرها في كلمة شغالين.
أول فيديو وصل برسالة بعدها بتلات دقايق.
التلات دقايق ممكن يبقوا عمر كامل لما طفلك بيبقى مستني يعرف هل الحقيقة حقيقية كفاية عشان تحميه.
معاينة الرسالة ظهرت على شاشتي.
الصالة 214 م.
نادية شافتها.
وشها بقى باهت تحت كريم الأساس الغالي.
كريم، قالت بصوت واطي دلوقتي. متعملش ده قدامها.
الاهتمام المفاجئ ده بنور كان هيبقى مضحك لو مكنتش ماسك نفسي بالعافية.
أنتي مكنش فارق معاكي تعملي ده قدامها.
دوست على الفيديو.
الشاشة اتملت بصورة الصالة من زاوية عالية. مكنش في صوت في الأول، بس الرخام اللي بيلمع، ترابيزة الطرقة، الفازة اللي لسه سليمة، ومليانة ورد أبيض نادية بتطلبه كل يوم اتنين لأنها بتقول الورد الطبيعي بيخلي البيت يبان إنه مهتم بيه.
نور ظهرت في الكاميرا وهي شايلة شنطة ظهرها الزرقا الصغيرة.
كان باين عليها التعب. مش استهتار. مش شقاوة. بس تعب زي التعب اللي بيبان على الأطفال بعد المدرسة، لما العالم بيطلب منهم يقعدوا ساكتين وقت طويل أوي.
نادية دخلت من المطبخ.
حتى على شاشة صغيرة، كنت قادر أشوف الفرق في وشها لما كانت فاكرة إن مفيش حد مهم بيتفرج. كتافها نزلت. الابتسامة اللي كانت بتلبسها عشاني اختفت.
نور وقفت جمب الترابيزة.
الشنطة اتزحلقت من على كتف واحد وخبطت الفازة.
الفازة اتهزت.
نور حاولت تمسكها. ملحقتهاش.
البورسلين اتهشم على الأرض.
في الفيديو، نور اتجمدت. إيديها راحت لبوقها. بصت ناحية المطبخ برعب حقيقي.
مش ندم.
رعب.
دي كانت أول سكينة.
نادية جريت لجوه. مبصتش على رجل نور عشان تشوف لو في قزاز. مسألتهاش لو اتعورت. مسكت نور من دراعها الفوقاني ونطرتها بعيد عن الترابيزة.
حسيت بنور وهي بتتخض جمبي وكأن الفيديو وصل للحاضر.
بابا، همست.
وقفت الفيديو.
نادية اتكلمت علطول. شايف؟ هي كسرتها. قلتلك.
بصيتلها.
شغل الباقي، قالت بسرعة زيادة عن اللزوم، وكأن الثقة ممكن تسبق الدليل. هتشوف إني اتعاملت مع الموقف.
وده اللي عملته.
على الشاشة، نادية شاورت على الحتت المكسورة. نور كانت بتعيط، وبتحاول تشرح. نادية اختفت في أوضة الغسيل ورجعت بجردل وأدوات تنضيف.
بعدين أدت بنتي اللي عندها ست سنين سفنجة.
سفنجة.
مش جوانات.
مش جاروف.
سفنجة.
نور هزت راسها بالرفض. نادية وطت لحد ما وشها بقى على بعد بوصات من وش نور وقالت حاجة الكاميرا ملقطتهاش، بس النتيجة كانت واضحة. نور نزلت على ركبها.
في الصالة، نور الحقيقية خبت وشها في جنبي.
وقفت الفيديو تاني.
صوت نادية بقى حاد ومقرقش. هي محتاجة تتعلم العواقب. الأطفال اللي بيكبروا من غير أمهات ممكن يبقوا تلاعبين لو محدش
كملي الجملة، قلت.
مكملتهاش.
الفيديو اللي بعده جه.
وبعدين غيره.
أم حسين مبعتتش ملف واحد.
بعتت فولدر.
العنوان اللي أدتهوله خلى جسمي يقشعر.
لكريم بيه لو سأل أخيرًا.
فضلت باصص للكلمات دي لعدة ثواني.
لو سأل أخيرًا.
مش لو حاجة حصلت.
مش لو نادية كدبت.
لو سأل أخيرًا.
أم حسين كانت عارفة.
يمكن مش كل حاجة. يمكن مش الشكل الكامل للموضوع. بس كانت عارفة كفاية عشان تجمّع الدليل وتستنى الأب اللي كان المفروض يسأل بدري عن كده.
نادية شافت اسم الفولدر هي
في حاجة في وقفتها انهارت حتة صغيرة. دقنها فضلت مرفوعة، بس باقي جسمها بدأ يستوعب إن البيت مبقاش ملكها عشان تتحكم فيه.
هي طول عمرها بتكرهني، نادية قالت.
ضحكت ضحكة واحدة، مع إن مفيش حاجة تضحك.
أم حسين؟
كانت بتحقد عليا. كانت عايزة تحافظ على مكانها هنا.
مكانها، قلت بصوت واطي، كان حماية بنتي.
عيون نادية لمعت. وأنا مكاني كان إيه؟ إني أعيش في ضريح لمراتك الميتة؟ إني أتقارن بشبح كل يوم؟ أنت فاكر إن ده كان سهل؟
أهو ده.
الحقيقة، بس مش الاعتذار.
نادية مأذتش نور عشان نور كسرت فازة.
هي أذت نور عشان نور كانت الدليل إن الحب كان موجود في البيت ده قبلها. كل صورة. كل طقس قبل النوم. كل قصة عن أم نور. كل شبه صغير في وش نور كان إهانة نادية مكنتش قادرة تطلعها برة الأوضة بالتربية.
ذكرى مراتي مش عدوتك، قلت.
بوق نادية اتلوى. لأ. بس بنتك اتأكدت إني عمري ما أنسى إني التانية.
نور طلعت صوت صغير أوي كنت هفوت سمعه.
بصيت تحت.
وشها بقى فاضي.
مبتعيطش دلوقتي.
فاضي.
وده خوفني أكتر من الدموع.
ناولتها الأرنب اللعبة من شنطة الهدية اللي كانت واقعة. الفيونكة البينك بتاعته كانت مكرمشة، وودن واحدة متنية تحته. نور خدته بحرص، وكأن حتى الهدايا ممكن يكون ليها قواعد مرتبطة بيها.
شلتها.
كانت أتقل مكنت فاكر وأخف مكن المفروض تكون. دراعاتها حوطت رقبتي، وحسيت بصوابعها بتتردد قبل ما تلمسني بجد، خايفة إن إيديها المصابة تضايقني.
التردد ده بقى السكينة التانية.
شلتها ودخلت المطبخ وحطيتها على الرخامة بعيد عن القزاز المكسور. نادية مشيت ورايا، بس وقفت عند الباب لما لفيت.
خليكي مكانك.
عينيها ضيقت. أنا مراتك.
وهي بنتي.
ريحة المطبخ كانت ليمون خفيف على نبيذ أبيض. كل حاجة كانت نظيفة بزيادة. نظيفة بزيادة فعلاً. الرخام بيلمع. طبق الفاكهة مترتب بالألوان. رسومات نور اختفت من على التلاجة، ومكانها نتيجة رخام مكتوبة بخط نادية المتشابك.
بيلاتس.
غدا خيري.
استشارة مصمم.
عشا مع عيلة عثمان.
مفيش نور.
مفيش مناسبة مدرسية.
مفيش ميعاد دكتور أطفال.
مفيش تفكير بشرا الزبادي بالفراولة اللي نور بتحبه.
فتحت المية الساقعة على قماشة نظيفة ولفيت إيدين نور براحة. كانت بتتفرج عليا بالجدية الحريصة بتاعة طفل اتعلم مبيطلبش كتير.
بتحرقك؟ سألتها.
هزت راسها بأيوة.
أنا آسف.
أنت معملتش حاجة، همست.
دي كانت السكينة التالتة.
لأن الأطفال مش المفروض يواسوا الكبار اللي خذلوهم.
موبايلى هز تاني.
فيديو تاني.