كسرة خاطر لمنى السيد
ادخل بيتي وخده من هناك! هندخل وناخده يا عصام، وبالقانون وبالشرع، والنهاردة قبل بكرة! رديت عليه بمنتهى التحدي والقوة. في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة ضعيفة ومخنوقة جاية من الشقة اللي في الوش... شقة عصام! صوت بابا! الصوت كان بيقول بنبرة مقطوعة ومبحوحة يا هدى... يا هدى الحقيني يا بنتي... اتخضينا كلنا، وجريت على باب الشقة المقابلة. الباب كان مقفول بالمفتاح من برة! شيماء كانت قافلة الباب على أبويا العاجز بالمفتاح وسايباه لوحده عشان تنزل تسرق شقته! افتحي الباب يا شيماء! صرخت فيها بهستيريا وأنا بخبط على الباب بإيديا الاتنين افتحي الباب الراجل بيموت جوة! شيماء كانت واقفة متصلبة ومش عايزة تطلع المفتاح، طارق زق عصام على جنب وجري على الباب، وضرب الباب بكتفه بكل قوته مرة واتنين... وفي التالتة، كالون الباب طق واتكسر، ودخلنا كلنا نجري جوة الشقة. دخلت أوضة أبويا، والمنظر اللي شفته جوة هد حيلي وخلاني أقع على ركبي في الأرض... أبويا كان واقع من على السرير على الأرض، ورجله المكسورة متنية بطريقة بشعة تحته، ووشه في الأرض، بيحاول يزحف على بطنه ناحية الباب، ودموع القهر مغرقة وشه والتراب مالي هدومه وجبينه! كان بيحاول يوصل للباب لما سمع صوت الزعيق والخناقة برة، ومن كتر عجزه وضعفه وقع ومقدرش يقوم! الجيران لما شافوا المنظر شهقوا من الصدمة، عم إبراهيم حط إيده على وشه وقال حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل فيكم! رميت نفسي على الأرض وحضنت راس أبويا في صدري، وأنا بنهار وببوس جبينه وإيديه حقك عليا يا بابا... حقك على راسي، سامحني يا حبيبي، سامحني إني سبتك في الإهانة دي! أبويا مسك في رقبتي بكل قوته الضعيفة، وفضل يبكي زي العيل الصغير ويقول بصوت بيقطع نياط القلب خرجيني من هنا يا هدى... متسبنيش هنا أموت، دول سارقيني وذاليني يا بنتي... خرجيني لبيت ربنا يسترني! طارق وعم إبراهيم قربوا ونزلوا على الأرض، وشالوا أبويا بالراحة وعدلوه على السرير، وكان بيتألم من رجله المكسورة. عصام كان واقف على باب الأوضة، وشه أسود زي ليل الشتا، الخزي مالي ملامحه قدام كل أهل منطقته، بس الغل والشر كانوا لسه بيلمعوا في عينيه. شيماء كانت واقفة وراه وبتبص للناس بتوتر وخوف بعد ما الفضيحة بقت علني وبشهود العيان. بصيت لعصام وأنا ماسكة إيد أبويا، وقلت له بصوت هادي جدًا بس طالع من بير غضب ملوش قرار الراجل ده هيخرج من هنا معايا دلوقتي، ومش هيرجع العتبة دي تاني أبدًا. عصام ضحك بسخرية وهو بيحاول يداري خيبته خديه... شيليه واشبعي بيه! بس متفتكريش إنك كسبتي يا هدى. الشقة باسمي، والتوكيل معايا، والفلوس اللي اتسحبت مش هتشوفي منها مليم أحمر، وهخليكي تلفي حوالين نفسك في المحاكم عشرين سنة عشان تاخدي شبر واحد! وهنشوف مين اللي هينفق عليه لما معاشه يفضل مقطوع ومتقدريش تصرفي عليه من جيب جوزك! طارق وقف في وشه وبص في عينيه وقال له معاشه وفلوسه هيرجعوا بالقانون وبالجزمة يا عصام، وعمي لو عاش باقي عمره كله من جيبي ومن لحم كتافي، ده شرف ليا وتاج على راسي، حاجة إنت وأشكالك ميعرفوش معناها. بس افتكر كويس... إنت اللي كتبت نهايتك بإيدك النهاردة. ندهنا على الإسعاف عشان تنقل أبويا للمستشفى نعمله أشعة نطمن على رجله بعد الوقعة دي، وطلبنا من أستاذ مجدي يبدأ فورًا في إجراءات إثبات الحالة بالمحضر الرسمي في القسم بحضور الجيران كشهود على واقعة الإهمال والاحتجاز والسرقة. وأنا قاعدة جنب أبويا في عربية الإسعاف، وماسكة إيده اللي بتترعش، حسيت إن دي مش نهاية الحكاية... دي بداية الحرب الحقيقية. عصام مش هيسكت، والفلوس اللي معاه دي سلاح هيستخدمه ضدنا في المحاكم، وتوكيل الشهر العقاري لسه ورقة خطيرة في إيده ممكن يبيع بيها الشقة في أي لحظة لحد تاني ويدخلنا في نفق مظلم. بس وأنا باصة في عينين أبويا المكسورة، أقسمت بيني وبين نفسي إن النار اللي قادتها شيماء وعصام في بيتنا، هتحرقهم هما الاتنين، وإن الحق لازم يرجع لأصحابه، حتى لو كان التمن إني أخسر أخويا للأبد! وفعلاً، وإحنا في المستشفى بنعمل الأشعة، تليفون طارق رن بمكالمة من رقم غريب... مكالمة قلبت الموازين كلها، وفتحت باب لمصيبة تالتة مكنتش تخطر على عقل بشر، مصيبة تخص عصام نفسه والفلوس اللي سحبها من البوستة!
الجزء الثالث والأخير
المكالمة اللي جات لطارق وإحنا في طرقة المستشفى مكنتش مجرد مكالمة عادية، دي كانت أول حجر يقع في جدار الظلم اللي بناه عصام. طارق فتح الخط، وفضل يسمع بملامح مشدودة، وعينيه بتوسع من الصدمة، وكل شوية يقول لا حول ولا قوة إلا بالله... إمتى الكلام ده يا فندم؟... تمام، إحنا موجودين في مستشفى التأمين. قفل التليفون وبصلي بذهول، فسألته بلهفة مين يا طارق؟ في إيه؟ عصام حصله حاجة؟ طارق مسح على وشه ببطء وقال ده المعرض بتاع العربيات يا هدى... المعرض اللي عصام اشترى منه العربية الزيرو بالقسط واداهم شيكات بمبالغ كبيرة بعد ما سحب فلوس عمي... طلع مستلف فلوس من ناس تانية بضمان الشقة اللي لسه متباعتش، وكاتب على نفسه وصلات أمانة وشيكات بدون رصيد، والناس قالبين عليه الدنيا وراحوا عملوا فيه محاضر نصب واحتيال في القسم، والبوليس نزل يدور عليه في شقته! بصيت لطارق وأنا مش قادرة أستوعب. الطمع عماه لدرجة إنه ورط نفسه في شبكة ديون ميعلمش بيها إلا ربنا! سحب ميتين وستين ألف جنيه من شقى عمر أبوه، ومع ذلك مفكش زنقته، بل رمى نفسه في التهلكة عشان يركب عربية جديدة ويتمنظر قدام الناس هو ومراته. خرج الدكتور من أوضة الأشعة، وطمنا إن رجل أبويا فيها كدمة شديدة والتواء في الأربطة بس الحمد لله الكسر القديم متفتحش تاني. دخلت الأوضة، كان أبويا نايم على السرير الأبيض، باصص في السقف بعيون مفيهاش أي لمعة حياة، كأن الروح بتنسحب منه بالتدريج. قعدت جنبه، مسكت إيده الباردة وبوستها وحطيتها على خدي حمد الله على سلامتك يا حبيبي... خلاص يا بابا، الكابوس خلص، إنت هتروح معايا بيتي، وهتعيش معايا معزز مكرم. أبويا لف وشه ناحيتي ببطء شديد، وشفته كانت بتترعش، ونزلت دمعة سخنة من طرف عينه حرقت قلبي ابني يا هدى... ابني يا بنتي هان عليه شقاي؟ هان عليه يرميني في الأرض كأني كلب ملوش صاحب؟ أنا عملتله إيه؟ ده أنا كنت بجيب له الجنيه قبل ما يطلبه، وكنت بحرم نفسي من اللقمة عشان يشبع هو... ليه يا رب؟ ليه في آخر عمري أشوف كدة؟ حضنته وفضلت أعيط في صدره، مكنتش لاقية كلام أرد بيه، جرح الأب في ضناه ملوش دواء في الصيدليات، ومفيش كلمة في الدنيا تقدر تطيب كسر خاطر راجل قعد خمسة وسبعين سنة يبني في بيته وعياله، وفي الآخر يتهد البيت فوق دماغه. أستاذ مجدي المحامي جه المستشفى، ومعاه كل الأوراق الرسمية، وقال بحسم أنا قدمت البلاغ العاجل، والنيابة أشرت بوقف التعامل على الشقة لحين الفصل في الدعوى وتعيين هدى حارسة قضائية على أموال والدها بسبب ثبوت تدهور حالته الصحية وقت تحرير التوكيل، وجبت شهادة من المستشفى تثبت إن النزيف أثر على قواه الإدراكية، وكده التوكيل اتجمد قانونًا وعصام ميقدرش يتصرف في قشة. خرجنا أبويا من المستشفى، وطارق شاله بحنية زي ما بيشيل ابنه الصغير، ونزلنا بيه على بيتي. خصصت لأبويا أحسن أوضة في الشقة، الأوضة اللي فيها شباك كبير بيدخل منه نور ربنا وشمس الصبح. فرشت له أنضف ملايات بيضاء، وجبت له مرتبة طبية عشان ضهره، وحطيت كل أدويته بنظام على الكومودينو جنبه. بقيت أصحي الفجر، أغير له هدومه، وأمسح جسمه بمية دافية وريحة حلوة، وأعمله الشوربة الدافية والأكل الخفيف اللي بيحبه بإيدي، وأقعد أأكله بالمعلقة كأنه طفل رضيع. وطارق كان يدخل يقعد معاه بالساعات، يقص له ضوافره، ويشغل له إذاعة القرآن الكريم، ويحكيله عن حكايات الشارع والناس عشان ميحسش إنه معزول. أبويا كان بيبتسم ابتسامة شاحبة، ويقولي كل يوم ربنا يرضى عنك يا بنتي... ربنا يباركلك في صحتك وعيالك ويرزقك برهم... إنتِ اللي طلعت بيكي من الدنيا دي. بس الحزن كان حافر في ملامحه خطوط غويطة مكنتش بتمحى. كان ساعات يصحى في نص الليل يتنهد ويسأل بصوت واطي هو عصام مجاش سأل عليا؟ الكلمة دي كانت تقطع شرايين قلبي. رغم كل اللي عمله فيه، رغم السرقة والبهدلة والرمية في الأرض، قلب الأب مكنش قادر يكره، كان لسه بيستنى ابنه يجي يبوس راسه ويقوله سامحني يا أبا! أما عصام... فالدنيا اسودت في وشه زي ليل أظلم. الشرطة بدأت تدور عليه بسبب شيكات المعرض، وأصحاب الديون حاصروه. البوستة جمدت الحساب بناءً على قرار النيابة، والشهر العقاري وقف أي تعامل على الشقة. عصام اتزنق زنقة الموت، ومراته شيماء، أول ما شافت المركب بتغرق والديون محاصراهم والبوليس رايح جاي على العمارة، فضلت تصرخ في وشه وتعيره، وخدت عيالها ودهبها اللي اشترته بفلوس أبويا وسابت له الشقة وهربت عند بيت أمها وقالتله أنا مش هقعد مع واحد هيدخل السجن! هنا بس، عصام لقى نفسه لوحده تمامًا، متجرد من كل حاجة مفيش فلوس، مفيش عربية، مفيش زوجة وقفت جنبه، والسمعة الطيبة اللي سابهاله أبوه في المنطقة اتمسحت وبقى الناس يمشوا يبصوا له بقرف ويقولوا أهو ده اللي سرق أبوه العاجز ورماه! بعد أسبوعين من خروج أبويا للمستشفى، وتحديدًا يوم جمعة بعد الصلاة... كنت في المطبخ بعمل لأبويا صينية بطاطس مسلوقة وفراخ مسلوقة زي ما بيحب، وطارق كان في الصالة بيقرا قرآن، وأبويا نايم في سريره بيسمع الشيخ رفعت من الراديو الصغير اللي جنبه. فجأة، جرس الباب رن بخبطات متوترة وسريعة. طارق فتح الباب، ولقيته وقف مكانه متسمر. خرجت من المطبخ، وبصيت ناحية الباب... كان عصام! بس مكنش عصام بتاع زمان، المتكبر، الفرعون اللي صوته بيهز العمارة. كان واقف مكسور، لابس هدوم مبهدلة ومش مكوية، دقنه طويلة ومهملة، وعينيه غايرة في وشه وسودا من قلة النوم والهم. طارق وقف سادد الباب بجسمه وقال بنبرة جافة وقاسية عايز إيه يا عصام؟ جاي ليه هنا؟ عصام منزلش عينه في عين طارق، وصوته كان واطي ومبحوح، خالي من أي ذرة كبرياء عايز... عايز أشوف أبويا يا طارق. عشان خاطر ربنا خليني أدخل أشوفه دقيقة واحدة. طارق رد عليه ببرود أبوك مبقاش ليه ابن غير هدى. امشي من هنا بدل ما أطلبلك النجدة والناس اللي بيدوروا عليك ييجوا ياخدوك من على الباب. أنا وقفت مكاني في الصالة، وبصيت له بكل الوجع اللي عيشهولنا. عصام شافني، ونزلت دموعه على خده، وخطى خطوة لجوة ومد إيده برجاء هدى... أبوس إيدك يا أختي... أنا ضعت خلاص! شيماء خدت العيال وسابتني، وعليا أحكام هتتحبس بكرة الصبح، والناس مش سايبيني... أنا مش جاي عشان فلوس ولا شقة، والله العظيم ما عايز مليم! أنا بس عايز أبويا يدعيلي ويسامحني، قلبي واكلني عليه ومش بنام الليل من كوابيس بشوف فيها أبويا بيبصلي بقهر... خليني أبوس رجله بس! كنت لسه
هرد عليه وأقوله إن الندم جه متأخر أوي، بس من الأوضة جوة سمعنا صوت أبويا الضعيف بينده مين برة يا طارق؟... مين اللي صوته ده؟ ده عصام؟... دخل ابني يا طارق... دخل عصام يا ابني... صوت أبويا كان واهن جدًا، كأنه طالع من سرداب بعيد. طارق بصلي بأسف، وتنحى عن الباب. عصام جرى على جوة زي المجنون، دخل أوضة أبويا وارتمى على الأرض جنب السرير، ومسك إيد أبويا الاتنين وغرقهم بدموعه وبوساته سامحني يا أبا! حقك على راسي وجزمتك فوق دماغي يا أبا! طمعت واتعميت والشيطان ركبني... بس والله العظيم مكنتش قاصد أكسر قلبك يا أبا، أنا اللي استاهل الدبح! اضربني يا أبا، ادعي عليا بس كلمني ومتبصليش كدة! أبويا كان باصص له، وعينيه بتلمع بدموع ساكنة، وشه كان هادي جدًا بطريقة غريبة ومخيفة. رفع إيده الباردة اللي كانت بتترعش، وحطها على شعر عصام المنكوش. لمس راس ابنه بحنية الأب اللي مبتعرفش القسوة حتى وهو في قمة ظلمه. وقال بصوت بيتقطع، أنفاسه كانت بتطلع بالعافية ليه يا عصام؟... ده أنا كنت مستخبي فيك للزمن يا ابني... كنت فاكرك الحيطة اللي هتسندني لما رجلي تخوني... ليه خلتني أحس إني رخيص وأنا اللي شقيت عشانك؟ عصام كان بيصرخ ومسك رجل أبويا وباسها وهو بيبكي بنحيب يقطع نياط الصدر أنا رخيص يا أبا، أنا الجزمة وأنت التاج! سامحني يا أبا، والنبي تسامحني عشان ربنا ميعذبنيش! أبويا بص للسقف، وابتسم ابتسامة هادية وطويلة، وبصلي وأنا واقفة على باب الأوضة ببكي بحرقة، وبص لطارق اللي كان عيونه مليانة دموع... وبعدين رجع بص لعصام وقال مسامحك يا ابني... دنيا وآخرة... ربنا يهديك... ويسترها معاك... حافظ على أختك... أختك هي اللي باقية لك... وفي اللحظة دي، أخد أبويا نفس طويل وعميق... نفس هادي أوي كأنه بيرتاح من حمل تقيل شاله سنين وسنين... وفجأة، سكت الراديو... وإيد أبويا اللي كانت على راس عصام ارتخت ببطء ونزلت على طرف السرير... وراسه مالت على الجنب التاني، وعينيه ثبتت على النور اللي طالع من الشباك، والابتسامة الهادية لسه مرسومة على شفايفه. الأوضة غرقت في صمت مرعب. صمت مفيهوش غير صوت دقات قلوبنا المرعوبة. قربت من السرير بخطوات مرتعشة بابا؟... بابا إنت نمت؟ حطيت إيدي على صدره... مكنش فيه نفس! مسكت نبضه... مفيش نبض! صرخت صرخة شقت سكون البيت كله، صرخة طلعت من حشاي بااااااااااااااااااااابااااااااااااا! متسبنيش يا باااااباااااااا! عصام اتخض، قام وقف وهو مبرق، ومسك كتف أبوه وبدأ يهزه بهستيريا وجنون أبا! أبا متعملش كدة! رد عليا يا أبا، متسبنيش وتمشي وأنا كدة! فتح عينك يا أبا كلمني! متسبنيش بالذنب ده هعيش بيه إزاي؟! يا أباااااااااا! طارق مسك عصام وشده بعيد عن السرير وهو بيبكي بحرقة خلاص يا عصام! خلاص الراجل مات! خلاص ارتاح من قرفكم ومن الدنيا كلها! ارتاح خلاص! عصام وقع على ركبه في الأرض، وضرب وشه بإيديه الاتنين زي الستات، وصرخ بأعلى صوته صرخة قهر وندم هزت أركان البيت، صرخة راجل حس إنه قتل أبوه ببطء، وإنه خسر كل حاجة في لحظة واحدة ومبقاش ليه توبة ترجع اللي راح. في يوم الجنازة، كان الشارع كله مقلوب. أهل الحارة كلهم خرجوا، زملاء أبويا القدام في السكة الحديد، الجيران اللي يعرفوه واللي ميعرفوهوش، الكل كان ماشي ورا النعش ودموعهم على خدهم وبيقولوا مع السلامة يا راجل يا طيب، مع السلامة يا حاج عبد الحميد يا صاحب الأصول. عصام كان ماشي تحت النعش، لابس أسود، شاحب زي الميتين، الناس كلها بتبص له بلوم وعتاب، محدش رضي يطبطب على كتفه ولا يقوله البقاء لله، الكل كان عارف إنه كسر قلب أبوه قبل ما يموت. كان ماشي بيترنح زي السكران، وكل شوية يبص للنعش ويقول بهمس أنا السبب... أنا اللي قهرتك يا أبا. وبعد ما دفنا أبويا ونزل تحت التراب، ووقفنا ناخد العزا على المقابر... جت عربية البوليس وقفت على أول مدق المدافن. نزل منها أمين شرطة وظابط، وقربوا من عصام بعد ما خلصت الناس تقريبًا. الظابط حط إيده على كتف عصام وقال ببرود الأستاذ عصام عبد الحميد؟ مطلوب القبض عليك بناءً على أحكام واجبة النفاذ في قضايا شيكات ونصب. عصام حتى مرفعش راسه، ومحاولش يهرب ولا يجادل. مد إيديه الاتنين للكلابشات بمنتهى الاستسلام، وكان باصص على قبر أبويا اللي لسه ترابه مندي بمية الورد. بصلي والكلابشات في إيده، ودموعه بتنزل من غير صوت، وقال بصوت مخنوق ومكسور أنا واخد جزائي في الدنيا يا هدى... بس خايف من وقفتي قدام ربنا وقدام أبويا بكرة... خايف أوي يا هدى. ساقوه ناحية البوكس، ومشي وسط نظرات القهر والخزي. رجعت شقة أبويا القديمة بعدها بيومين... فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت الصالة الفاضية. ريحة أمي وأبويا كانت لسه مالية المكان، صورنا وإحنا صغيرين كانت لسه على الحيطة بتبتسم في براءة ضاعت مع السنين. قعدت على كرسي أبويا الخيزران اللي كان بيقعد عليه يشرب الشاي بعد العصر، وحضنت جاكت بدلته القديمة اللي كانت متعلقة ورا الباب، وشميت ريحته وبكيت... بكيت على الأب اللي ضحى وعاش ومات بوجع، وبكيت على الأخ اللي طمع وخسر دنياه وآخرته في لحظة غفلة. بصيت للشقة الفاضية، اللي كنا بنتخانق عليها من كام أسبوع... الشقة اللي عصام كان مستعد يدوس على أبوه عشان يأجرها وياخد فلوسها... دلوقتي أهي الشقة قاعدة، الحيطان زي ما هي، والبيبان زي ما هي... بس أصحابها مشيوا! عصام في السجن بين أربع حيطان بيتحاسب على طمعه وندمه بياكل في كبده كل ثانية... وأبويا في قبره عند رب كريم مبيظلمش عنده حد... وأنا واقفة لوحدي في البيت الفاضي، بتعلم الدرس القاسي اللي سابهولنا الزمن إن الفلوس بتروح وتيجي، والشقق والعربيات تراب بيسكنه تراب... لكن كسر الخاطر والظلم وعقوق الوالدين، نار بتاكل صاحبها في الدنيا قبل الآخرة، ومفيش قهر في الدنيا أشد من إنك تصحى تلاقي نفسك كسبت الدنيا كلها... وخسرت أبوك اللي كان هو الدنيا بحالها! النهاية