كسرة خاطر لمنى السيد

لمحة نيوز

ونطلع كشف حساب بالحركات اللي تمت من تاريخ الحادثة، وبعدها على الشهر العقاري نكشف لو فيه توكيلات اتعملت، وفي نفس الوقت طارق هيطلع على المستشفى يجيب تقرير طبي مفصل بحالة والدك ساعة الدخول والخروج وتأثير النزيف على قدراته العقلية. كلام المحامي رتب أفكاري وخلى عندي أرضية صلبة أقف عليها بدل التخبط اللي كنت فيه. طلعنا فورًا على مكتب البريد الرئيسي اللي فيه حساب أبويا. دخلنا المكتب، وكانت الزحمة كالعادة، بس طارق دخل لمدير الفرع واستأذنه يشرح له الوضع بحكم إن والدي مريض وطريح فراش ومش قادر يجي بنفسه. المدير كان راجل محترم وكبير في السن، لما عرف إن والدي هو الحاج عبد الحميد موظف السكة الحديد القديم، وشه نور وقال الحاج عبد الحميد؟ ده راجل فاضل وكان بيجي هنا يقبض المعاش ويسلم عليا بنفسه كل شهر! خير يا ابني، حصله إيه؟ حكينا له باختصار إن الوالد تعبان جدًا وحصله نزيف، وإننا عايزين نطمن على حسابه ودفتره عشان مصاريف علاجه لأن في لخبطة في المصاريف. المدير فتح السيستم على الكمبيوتر، وطلب الرقم القومي بتاع أبويا اللي كنت محتفظة بصورة منه في تليفوني. المدير فضل يبص في الشاشة، وحواجبه بتتعقد أكتر وأكتر، وفضل يقلب في الصفحات ببطء وهو بيهز راسه بضيق. قلبي وقع في رجلي خير يا أستاذ؟ في إيه؟ الحساب فاضي؟ المدير بصلي وقال بنبرة مليانة استغراب وأسف هو الحساب كان فيه ميتين وستين ألف جنيه يا بنتي. كان فيه؟ ودلوقتي فيه كام؟ الحساب مفيهوش غير تلات آلاف جنيه بس! صرخت غصب عني في المكتب تلات آلاف جنيه؟! إزاي؟! ده معاشه وشقى عمره كله! اتسحبوا إمتى وإزاي ومين اللي سحبهم وأبويا مبيتحركش من السرير؟! المدير لف الشاشة ناحيتنا وقال كلهم اتسحبوا على مدار الشهرين اللي فاتوا. سحب كاش بالفيزا كارت من مكنات ATM بالحد الأقصى يوميًا، وفي سحب شباك بمبلغ مية ألف جنيه اتعمل الأسبوع اللي فات بس بتوكيل رسمي موثق في الشهر العقاري باسم واحد اسمه عصام عبد الحميد. طارق ضرب بإيده على المكتب بعصبية توكيل رسمي؟! إزاي توكيل اتعمل وأبويا في السرير بين الحياة والموت؟! المدير رد بهدوء دي مش شغلتنا يا أستاذ، التوكيل جه سليم ومختوم بختم النسر وموثق من الشهر العقاري، والموظف صرف بناءً على الأوراق الرسمية. والتوكيل ده شامل البيع للنفس وللغير وإدارة الحسابات البنكية والبريدية. خرجت من مكتب البريد وأنا حاسة بنار بتكوي في قلبي. ميتين وستين ألف جنيه! تحويشة عمر الراجل اللي شقي عليهم بالريال والجنيه، اتشفطوا في شهرين عشان عصام يدفع أقساط عربية جديدة ومراته تلبس دهب وتتمنظر على خلق الله! أستاذ مجدي المحامي قال بصرامة كده الصورة وضحت وضوح الشمس. عصام عمل حركة قذرة جدًا... هو جاب موظف شهر عقاري لحد البيت تحت بند انتقال لمريض، وخلا أبوكي يوقع ويبصم على التوكيل العام وهو مش فاهم حاجة وفاكر إنه بيمضي على أوراق علاج المستشفى. التوكيل ده هو الكارثة الكبرى، لأن بالتوكيل ده عصام يقدر يبيع الشقة لنفسه، ويقدر يسحب أي مليم، ويقدر يتحكم في كل حاجة تخص والدك. قلت له بدموع منهارة يعني خلاص يا أستاذ مجدي؟ كدة كل حاجة ضاعت؟ الشقة ضاعت وفلوس أبويا راحت؟ أستاذ مجدي مسك دراعي وقال بقوة لأ، مضاعتش! التوكيل ده اتعمل تحت التدليس وانعدام الأهلية. إحنا هنطلع دلوقتي فورًا على النيابة، وهنقدم بلاغ عاجل بالاستيلاء على أموال مريض وخيانة أمانة واستغلال عجز، وهنطلب انتداب لجنة من الطب الشرعي للكشف على قواه العقلية وإثبات بطلان التوكيل وما ترتب عليه من آثار. بس قبل ده كله... إحنا لازم ننزل الشقة دلوقتي حالاً! طارق بصله باستغراب ننزل شقة عمي ليه؟ عشان عصام قال إنه جايب سمسار بكرة، وممكن يكون بيعرضها للبيع أو الإيجار المفروش فورًا، ولو حد دخل الشقة واستقر فيها بعقد إيجار جديد هندخل في دوامة طرد وقضايا مدنية تاخد سنين. لازم نمنع أي حد يدخل الشقة، ولازم نطلع والدك من بيت عصام النهاردة قبل بكرة! كلام المحامي ولع فينا الحماس والحمية. ركبنا العربية مع طارق، وطيران على المنطقة عندنا. وصلنا العمارة بتاعة أبويا. العمارة كانت هادية، والشارع رايق في وقت الضهرية. طلعنا على السلم، وأول ما وصلنا الدور التالت عند شقة أبويا، سمعت أصوات جاية من جوة الشقة! باب شقة أبويا كان مفتوح على آخره! بصيت لطارق، وطارق بصلي، ودخلنا بسرعة من غير ما نحس. أول ما دخلت الصالة، اتسمرت مكاني من المنظر البشع اللي شفته. عفش أمي الله يرحمها... النيش القديم اللي كانت بتلمعه بإيديها كل جمعة، والمفارش المطرزة اللي كانت غالية عليها، وصورنا وإحنا صغيرين... ملمومة ومحطوطة في كراتين على الأرض بإهمال! وفي نص الصالة، كان واقف عصام أخويا، ومعاه راجل غريب لابس قميص مشجر وبيدخن سجارة، وشيماء مراته واقفة في المطبخ بتطلع الحلل والأطقم الألومنيوم وبتحطها في شناط بلاستيك كبيرة سودا! الدم غلى في راسي لدرجة حسيت إن نافوخي هيفرقع. دخلت في نص الصالة وزعقت بأعلى صوت عندي بتعملوا إيه هنا يا حرامية؟! بتنهبوا بيت أبوكم وأمكم وهي لسه ريحتها فيه؟! الكل اتخض والتفت ليا. عصام اتفاجئ بوجودي، وشه جاب ألوان في الأول، بس بسرعة استعاد وشه الخبيث وقناع الجبروت، ورمى المفاتيح اللي في إيده على السفرة وقال بزعيق إنتِ إزاي تدخلي الشقة كدة من غير استئذان يا هدى؟! وإيه الألفاظ دي؟ إنتِ اتجننتي؟! شيماء خرجت من المطبخ وهي ماسكة في إيدها حلة صاج قديمة، وبصتلي بكره وقالت حرامية مين يا ست هدى؟ احترمي نفسك ولمي لسانك! إحنا في ملكنا وبنروق الشقة عشان الزباين، ملكيش دعوة بحاجة متخصكيش! طارق دخل وقفل الباب وراه بالترباس، ووقف قدام عصام زي الجبل ملك مين يا حيلتها إنتِ وهي؟ الراجل اللي واقف ده مين؟ الراجل اللي ماسك السجارة ارتبك ورمى السجارة في الأرض وداس عليها وقال يا جماعة صلوا على النبي، أنا السمسار، الأستاذ عصام مكلمني عشان في ناس عرسان عايزين يستأجروا الشقة مفروش، وأنا جاي أعاين العفش والشقة، ماليش دعوة بمشاكلكم العائلية دي! قربت من السمسار وصرخت في وشه اطلع برة يا راجل إنت! الشقة دي مش للإيجار ولا للبيع، وصاحبها عايش ومحدش يقدر يهوب ناحيتها، ولو رجلك خطت هنا تاني هعملك محضر تهجم واقتحام! السمسار بص لعصام وقال بزهق يا عم عصام، إنت قولتلي الورق خالص ومفيش مشاكل وورثة! أنا مش بتاع وجع دماغ، لما تخلصوا حواراتكم ابقوا كلموني! ولف وشه وجري على برة وساب الباب مفتوح وراه. عصام اتجنن لما شاف السمسار مشي والبيعة باظت، قرب مني وعينيه بتطق شرار، ورفع إيده في وشي وهو بيزعق إنتِ بتخربي عليا يا هدى؟! والله ما هسيبك، الشقة دي بتاعتي وأنا هأجرها غصب عن عينك وعين اللي يتشددلك! طارق مسك إيد عصام اللي كانت مرفوعة في وشي ولواها لورا بحركة سريعة وثبته في مكانه إيدك دي لو اترفعت على أختك تاني هكسرهالك يا عصام! فوق لنفسك واعرف إنت بتكلم مين! إنت فاكرنا نايمين على ودانا وموعيينش للي بتعمله؟ إحنا جايين من البوستة يا واطي، وعارفين الميتين وستين ألف جنيه اللي لهفتهم من ورا ضهر أبوك، وعارفين التوكيل اللي مضيته عليه بالخديعة والزور! عصام وشه اتقلب أصفر زي الكركم، ونظرته اتهزت للحظة لما سمع سيرة البوستة والتوكيل. كان فاكر إن الموضوع مستخبي ومحدش هيعرف يوصل لحاجة. بس شيماء، بحقدها وخبثها، صوتت وبدأت تلم الجيران الحقوناااااي! التهجم على بيتنا! الراجل الغريب جاي يضرب جوزي في بيته عشان يسرقونا! الحقونا يا ناس! صوت صويتها ملأ منور العمارة، وفي ثواني كان الجيران طالعين يجروا على السلم، ومنهم عم إبراهيم راجل على المعاش وجارنا وصاحب أبويا من تلاتين سنة، وشباب المنطقة. عم إبراهيم دخل الشقة بخضة وقال في إيه يا ولاد؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، صوتكم واصل لآخر الشارع! عيب كده، ده بيت الحاج عبد الحميد أطهر بيت في الحتة، تتخانقوا فيه كدة وأبوكم عيان؟! عصام استغل لمة الناس ووقف يعدل قميصه وهو بينهج، وقال بصوت مظلوم ومسكنة مقرفة شوف يا عم إبراهيم! شوف أختي وجوزها داخلين يتهجموا عليا في شقتي، وجوزها بيمد إيده عليا عشان مش راضيين يخلوني أصرف على علاج أبويا! أنا شايل أبويا بقالي شهور وهو مريض ومش قادر يتحرك، ومراتي بتخدمه ليل ونهار، ولما جيت أأجر الشقة عشان أسدد ديون المستشفيات وعمليات المخ والأعصاب، جايين يقفوا في طريقي وعايزين يطردوني! الناس بصتلي بملامح لوم وعتاب، وطريقة كلام عصام خلت بعض الجيران يتعاطفوا معاه لأنهم ميعرفوش الحقيقة ومشافوش الإهمال اللي جوة. كنت هموت من الغيظ، حسيت إن قلبي هيقف من كتر الظلم. وقفت في نص الصالة قدام عم إبراهيم وقدام كل الجيران، ودموع القهر نزلت من عيني، وشاورت على الكراتين وعلى شناط شيماء ديون مستشفيات يا عصام؟! العمليات اللي اتكلفت من التأمين الصحي بتاع السكة الحديد ومطلعتش مليم من جيبك؟! والفلوس اللي في البوستة، ميتين وستين ألف جنيه سحبتهم في شهرين، راحوا فين على علاج أبوك؟! هو دوا الضغط بعشرة تلاف جنيه في اليوم؟! ولا علاج الجلطة بيتباع في معارض العربيات عشان تسدد بيهم قسط عربيتك الزيرو؟! الجيران بدأوا يتهامسوا ويبصوا لبعض. كملت وأنا ببكي وبصرخ يا عم إبراهيم، تعالى معايا... تعالوا كلكوا معايا شقة عصام اللي في الوش وشوفوا الحاج عبد الحميد قاعد إزاي! شوفوا صاحبكم وجاركم اللي كان يغديكم في بيته، محبوس في أوضة مفيهاش مروحة في عز الحر، بهدوم وسخة ومحدش بيغيرله، ومراته بتعايره وتقوله بنغير قرفك! تعالوا شوفوه بنفسكم واحكموا، لو كان بياخد رعاية بما يرضي الله أنا هتنازل عن كل حاجة وأسيبله الشقة باللي فيها! شيماء وشها احمر وصرخت بارتباك محدش هيدخل بيتي! أنتوا هتدخلوا تفتشوا في بيوت الناس؟! إحنا بنعمل اللي علينا وربنا اللي يعلم، لكن دي واحدة حقودة مش عايزة لأخوها الخير! أستاذ مجدي المحامي دخل في النص، وطلع كارنيه النقابة بتاعه وقال بصوت جهوري وهادي حسم الموقف يا جماعة، الموضوع مابقاش خناقة عائلية. الأستاذ عصام استغل مرض والده العاجز عقليًا وجسديًا، وعمل توكيل رسمي باطل، واستولى على أمواله، وبيعرض عقار مش ملكه بالكامل للإيجار. والنيابة العامة هيتم إخطارها النهاردة ببلاغ رسمي للحجر والتحفظ على أموال الحاج عبد الحميد، وأي حد هيتعامل على الشقة دي بالإيجار أو الشراء هيتحبس بتهمة التواطؤ في النصب. عصام اتوتر جدًا، وبان الخوف في عينيه لأول مرة بجد. القانون رعبُه، وفكرة إن النيابة والطب الشرعي يدخلوا في الموضوع هتكشف كل الجرايم اللي عملها. عم إبراهيم قرب من عصام وهز راسه بحزن وقسوة اختشي يا عصام... اختشي يا ابني! أبوك ده كان شايلك فوق كتافه، ده كان بيوفر اللقمة من بقه عشان يدخلك جامعة! تعمل فيه كدة في أواخر أيامه؟ هو ده رد الجميل؟! عصام صرخ بعينين مليانة غل وهو بيبصلي أنا مش هسيب حقي! والراجل ده أبويا أنا ومش هيخرج من عندي، ولو راجل يا طارق
تم نسخ الرابط