بعد ما حصلي إجهاض
لم تدرِ كم مر من الوقت حتى استيقظت لتجد الشمس تدخل من شبابيك الغرفة، وسعد جالساً يقرأ شيئاً ما، وبجانبه حمدة التي جاءت باكراً لتطمئن عليها.
مرت الأيام التالية ببطء، كانت أيام علاج وتعافٍ جسدي، لكن الأهم من ذلك كانت رحلة تعافيها النفسي. بدأت تتحدث عما مر بها، عن الخوف الذي عاشته في تلك الغابة، عن شعورها بالخيانة من الشخص الذي وعدها بالحماية. زارتها محامية متطوعة من منظمة حقوق المرأة، أخبرتها بحقوقها الكاملة، وأن القانون سيكون بجانبها، وأن كل ما خالد فعله يُجرّم ولا يمكن أن يمر مرور الكرام.
بينما كان خالد في الحبس الاحتياطي، بدأت الحقائق تظهر واحدة تلو الأخرى. اكتشف سعد أن خالد كان قد بدأ بالتخطيط لهذا الأمر منذ أشهر، أنه كان يخطط لبيع الشقة والسفر للخارج، وكل ما كان يحتاجه هو أن تختفي منى من حياته دون أن يثير الشكوك. لم يكن الحب قد مات فقط، بل لم يكن موجوداً يوماً ما في قلبه.
جاء يوم المحاكمة. دخلت منى القاعة وهي تمسك بذراع سعد. لم تكن ترتدي ملابس سوداء كالتي توقعها الجميع، بل ارتدت ثوباً بلون فاتح، وشعرها مرتب، وعيناها تحملان نظرة لم يرها أحد من قبل؛ نظرة قوة وثقة. وقفت أمام القاضي، وبصوت واضح وهادئ روت كل ما حدث، من أول يوم شعرت فيه بتغيره، حتى اللحظة التي تركها فيها وهي تنزف في الظلام.
عندما انتهت من كلامها، عرض المحامي ملف الأدلة سجل جهاز التتبع، شهادة حمد وحمدة، تقارير المستشفى الطبية، وتسجيلاً صوتياً صادماً التقطه ميكروفون السيارة الداخلي الذي لم يكن أحد يتذكر وجوده، صوت خالد وهو يخبرها بكل قسوة لماذا يفعل ذلك.
لم يبقَ لديه أي دفاع. انهار تماماً، اعترف بكل شيء، لكن الاعتراف جاء متأخراً جداً.
نطق القاضي بالحكم سجن خالد لمدة خمسة عشر عاماً بتهمة محاولة القتل، وتعويض لمنى عن الأضرار المادية والمعنوية، وحكم نهائي بالطلاق، مع احتفاظها بحقوقها الكاملة في المسكن والممتلكات. عندما سمعت كلمة الطلاق، لم تحزن، بل شعرت وكأن قيداً ثقيلاً انكسر من حول قلبها بعد ثماني سنوات كاملة.
خرجت من المحكمة والشمس تشرق على وجهها لأول مرة منذ زمن طويل. لم تعد تلك المرأة الخائفة التي تنتظر رضا شخص آخر لتشعر بقيمتها. عادت لبيتها، لكنه لم يعد مجرد جدران وسقف، أصبح مكانها الخاص، مملكتها التي تبنيها بنفسها.
بدأت منى رحلتها من جديد. عادت للقراءة والكتابة، ثم بدأت في قبول أعمال التصحيح اللغوي من المنزل، ثم أسست صفحتها الخاصة التي بدأت تشارك فيها قصص النساء اللواتي تعرضن للظلم، وأصبحت صوتهن الذي لا يُسمع. التقت بحمدة وحمد مراراً، وأصبحوا كعائلتها الثانية، فهما اللذان أمدّاها بيد العون في أحلك ساعات حياتها.
مرت السنوات، وندمت منى على السنوات التي أضاعتها تُعطي شخصاً لا يستحق حتى لحظة من وقتها، لكنها في نفس الوقت كانت ممتنة لتلك التجربة القاسية لأنها صقلتها وجعلتها أقوى وأكثر حكمة. لم تكره الحب، بل تعلمت أن تحب نفسها أولاً، وأن قيمتها لا يحددها أحد سوى هي نفسها.
وفي يوم صيفي دافئ، كانت تقف على شرفتها تشاهد الغروب، تمسك بيدها قلماً ودفتراً تكتب فيه ليس كل طريق يسلكه الإنسان يبدأ بالنور، أحياناً تبدأ رحلتك في العتمة، وتسير وحيداً مجروحاً، لكن العتمة ما هي إلا نافذة يدخل منها النور حين تنكسر. ربما سلبوا منك الكثير، لكن لا تسمح لأحد أن يسلبك إرادتك في الاستمرار. فالنجاة ليست فقط أن تعيش، بل أن تعيش بكرامة.
انتهت قصتها، لكن قصصاً كثيرة بدأت لأنها قررت ألا تصمت. لأنها اختارت أن تقف وتواجه بدلاً من أن تسقط وتنسى. ولأنها علمت أن العدالة قد تتأخر قليلاً، لكنها تصل في النهاية لمن يستحقها حقاً.