بعد ما حصلي إجهاض

لمحة نيوز

جرت وراه وخبطت بكل قوتها على زجاج الباب لا يا خالد! ما تسيبنيش هموت! والنبي ما تسيبنيش! الموتور زأر بصوت عالي.. والعربية اتحركت واختفت وسط الأشجار والظلام، وسابتها لوحدها تماماً.. بتنزف، من غير تليفون، من غير أوراق، وفي مكان مجهول لا تعرف أوله من آخره! والحاجة المرعبة بجد.. إنها فهمت إن جوزها مكنش فاقد الأعصاب.. ده كان مخطط للجريمة دي بحذافيرها من أول دقيقة!
الجزء الثاني
الظلام كان بيلفها من كل جهة، ما بين سواد الأشجار وصمت المكان اللي ما بيكسره غير صوت ريح خافت بتعدي بين الأغصان. منى كانت قاعدة على ركبتيها في الطين الرطب، كل دقيقة بتمر بيها بتشعر إن قوتها بتسحب منها شوية شوية. دمها اللي بيتنزل ما توقفش، والوجع في بطنها كان بيضربها كأنه إيد بتشدها لتحت، لتحت بعيداً عن النور والحياة.
حاولت تقف مرة تانية، ساندت على كفوفها، بس رجليها خانتها ورجعت وقعت على ركبتها تاني. الدموع نزلت من عينيها مش من الضعف بس، من الغضب اللي كان بيغلي جواها. ده الإنسان اللي اختارته شريك لحياتها؟ ده اللي نامت على صدره وحكتله أحلامها وأسرارها؟ هو اللي سابها تموت هنا لوحدها في الظلام عشان فلوس وشقة؟
مش هتموتي يا منى.. مش هتموتي قبل ما تعرفي الحقيقة وتاخدي حقك.. مش هخليه يفلت بفعلته دي أبداً. كلماتها كانت همس لنفسها، بس كانت كأنها تعهد قطعته على نفسها. رفعت راسها وبصت حوليها بتركيز. كانت عيناها بدأت تتعود على الظلام شوية. شافت طريق ترابي ضيق بيمشي قدامها، ما تعرفش بيودي لفين، بس أي حاجة أحسن من إنها تفضل قاعدة في نفس المكان وتنزف حتى تموت.
شدت على جلابيتها من تحت عشان ما تتلوث أكتر، وحاولت تقف تاني، المرة دي ببطء وبمساعدة جذع شجرة قريبة. وقفت متكئة عليها، تاخد نفسها بصعوبة، كل خطوة بتعملها كانت بتوجعها، بس كانت بتقول لنفسها خطوة.. خطوة بس يا منى.. واصلي لحد ما تلاقي حد.. أي حد..
مشيت على طول الطريق الترابي، ما عرفتش إذا كان ده الاتجاه الصح ولا لأ، بس أي اتجاه بيبعدها عن المكان اللي سابها فيه خالد يبقى صح. كل شوية كانت بتوقف عشان تتنفس وتمسح العرق والدموع من على وشها. صوت نسيم الليل كان بيخوفها، كل حركة ورا شجرة بتخلي قلبها يدق بسرعة، بس كانت بتكمل مشي، عينها على الأرض عشان تتجنب الحجارة والحفر، وقلبها بيحمل أمل ضعيف إن في نهاية الطريق ناس.. نور.. نجاة.
بعد ما مشيت لما شعرت بساعات، وإن كانت في الحقيقة ربع ساعة بس، لمحت وسمعت صوت نقيق ضعيف من بعيد، وراها صوت مياه جارية. قلبها خفق بقوة؛ يعني فيه نهر أو بئر قريبة؟ يعني ممكن يكون فيه مزارعين أو بيوت قريبة؟ زادت سرعتها رغم الألم، كل ما تقترب الصوت بيتضح أكتر، وبدأت تشوف ضوء خافت بعيد لمع بين الأشجار، مصباح ضعيف بيتأرجح في الهواء.
حد هناك؟ صرخت بصوتها اللي بالكاد يطلع أرجوكم.. ساعدوني! المصباح توقف عن التأرجح، وبعد ثوانٍ سمعت خطوات قادمة ناحيتها. شخص كان بيقترب، وكل ما يقترب الضوء بيوضح وجهه؛ رجل في منتصف الخمسينات، وجهه مجعد من الشمس، ولابس جلابية بسيطة وعلى كتفه منديل. لما شافها وقف متفاجئ يا بنتي إنتِ بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟ ده منطقة مقطوعة ومفيش حد بيمر من هنا إلا نادراً! منى ما قدرتش ترد مباشرة، سقطت على ركبتها ودموعها انفجرت أرجوك.. أنا بنزف.. محتاجة دكتور.. جوزي سابني هنا ومشى.. أرجوك ساعدني.
الرجل واللي عرفت بعدين إنه اسمه حمد، لما شاف الدم اللي بينزل منها والبقعة الكبيرة على ملابسها، اتغير لون وجهه بسرعة ونزل لمستواها بسم الله الرحمن الرحيم.. متخافيش يا بنتي.. أنا هنا. قربي مني، سانديني. البيت بتاعي مش بعيد، هنوصلك وهنكلم لك الإسعاف فوراً. متخافيش، أنتِ في أمان الآن.
ساعدها تقف، وسندها بحرص على كتفه، ومشى معاها ببطء في طريق العودة. كل خطوة كانت مجهدة لمنى، بس وجوده كان كأن الأمان رجع شوية لقلبها. في الطريق حكتله ببعض الكلام المتقطع إيه اللي حصل، وهو ما سألهاش أسئلة كتير، بس كان يقول لها صبراً يا بنتي.. ربنا يكتبلك النجاة. اللي عملوه فيكي ده حرام، والله ما بيروح حق حد عند ربنا.
وصلوا لبيت صغير مبني من الطوب اللبن، محاط بأشجار فاكهة ونخيل. من الباب خرجت امرأة في نفس سن حمد، لما شافتهم جرت مسرعة يا حمد مين دي؟ وشها أصفر كده ليه؟ ودم كتير ليه عليها؟! هدي نفسك يا حمدة، ادخلي افتحي السرير وجهزي ماء دافئ ومنشفة نظيفة بسرعة. دي في حالة خطرة ومحتاجة مساعدة فورية.
دخلوا بيها غرفة صغيرة ونظيفة، ساعدوها تتكئ على السرير، وحمدة بدأت تنظف مكان النزيف بحرص وتضع لها ضمادات مؤقتة النزيف قوي يا حمد، لازم نكلم الإسعاف بسرعة قبل ما تضعف أكتر. البيت ده بعيد عن المستشفى، بس لو جينا نحركها هنخسرها في الطريق. أنا هركب الدراجة النارية وأروح أستقبلهم وأرشدهم الطريق. أنتِ هنا خليكي معاها، أعطيها ماء بس بالقطرة، وخلّيها مستلقية على ظهرها. هارجع في أسرع وقت ممكن.
التفت حمد لمنى وقال بجدية سامعاني يا بنتي؟ متخافيش من أي حاجة. أنا هرجع
تم نسخ الرابط