بعد ما حصلي إجهاض
بعد ما حصلي إجهاض
الجزء الأول
بعد ما حصلي إجهاض للمرة الكام، جوزي رزعني جوة العربية بعصبية وعنف وساق عكس طريق المستشفى، وقال لي بقسوة أنا طفحت الكيل من الدفع على مشاكلك ومعالجتك!.. ما اتخانقتش معاه ولا صرخت، حفظت الطريق كويس وشلت كل طاقتي.. ولما سابني أنزف لوحدي في وسط الغابة والجبل، ما كانش عارف إن جي بي إس العربية كان مسجل كل خطوة هتوديه قدام القاضي على حبل المشنقة!
وديني المستشفى يا خالد.. أنا بنزف ومش قادرة أستحمل! منى ضغطت بإيد على بطنها، وبالإيد الثانية ساندة على طرف الترابيزة. على جلابيتها الفاتحة كانت بانت بقعة دم غامقة بتكبر بسرعة. الوجع كان بيجيلها في موجات مرعبة مخليها مش قادرة تاخد نفسها.
خالد جوزها من 8 سنين ما كلفش خاطره حتى يقرب منها تاني نفس الحوار والموال ده؟! منى رفعت عينيها ليه بذهول، وهي مش مصدقة إنها سمعت صح موال؟! خالد.. أنا بفقد ابني وبيبي بتاعي! مستشفيات، تحاليل، دكاترة، وعياط.. دايماً زن ووجع دماغ معاكي!
منى حاولت تمد إيدها تجيب موبايلها اللي جنب السكرية، بس هو كان أسرع منها بكتير.. خطفه وحطه في جيبه. هات التليفون.. هكلم الإسعاف. أنا هوديكي. خلاص يلا بينا بسرعة!
من سنين، سعد أخوها الكبير كان حذرها من خالد وقاله إنه مش مرتاح له بيتحكم فيكي وبيمشي كلامه عليكِ بزيادة عن اللزوم. منى وقتها اتضايقت ودافعت عنه، كانت فاكرة إن التحكم ده خوف وحب. بس بعد الجواز، خالد قدر يقنعها تسيب شغلها كمصححة لغوية وكاتبة، بحجة إن ملوش أي لازمة إن مراتي تبهدل نفسها وتتعب في شغل بمليمين.. ولما منى حبت ترجع تشتغل بعدين، رفض بقطع تام ليه وجع الدماغ؟! أنا بكفي وبيتي مكفي، اقعدي في بيتك واهتمي بيا.
بعدها جه الحمل الأول.. خلص بدري وبسرعة.. وخالد حضنها وسكت. في الحمل الثاني.. بدأ يبعد ويبقى جافي. وفي الحمل الثالث.. بقى يبص لها نظرات كأن كل إجهاض أو فقدان ده ذنبها وهي المسؤولة عنه! ودلوقتي، مابقاش بيكلف خاطره حتى يمثل الطيبة أو الشفقة.
منى مشيت بصعوبة بالغة لحد جراج العمارة اللي بيسكنوا فيها في التجمع الخامس.. خالد فتح باب العربية، ولما تأخرت ثواني في ركوبها من كتر التعب، زقها بعنف وقسوة جوة العربية أنتِ بتعملي إيه! ما تتحركي بسرعة! أنت وجعتني! يبقى تنجزي وتتحركي.
العربية دارت وانطلقت بتهور. هات تليفوني يا خالد.. عايزه أكلم أخويا سعد. مش لازم كل حاجة تروحي تحكيها لأخوكي!
منى طبقت شفايفها بوجع.. وبعد 5 دقايق بالضبط، فهمت إن فيه مصيبة سودا بتدبر لها. هما عدوا المخرج والشوارع اللي بتودي للمستشفى تماماً! يا خالد.. أنت اتلخبطت في الطريق. لا. مستشفى دار الفؤاد أو القصر العيني في الاتجاه الثاني! عارف. أومال رايح فين؟! لف العربية! مردش.. وفضل سايق بسرعة أكبر.
العمارات والمحلات بدأت تختفي.. سابوا وراهم الورش، محطات البنزين، والمباني.. وشوية بشوية طلعوا على طريق جانبي هادي بيودي للمناطق الجبلية والزراعية المقطوعة. منى حست إن وجع بطنها مخلوط بحاجة أبشع بكتير.. الرعب! أنت واخدني فين يا خالد؟! مكان هخلّيكي تخلصي من الليلة دي نهائي. أخلص من إيه؟! خالد مردش عليها بكلمة.
منى حاولت تمد إيدها تفتح باب العربية.. لقيته مقفول سنتر لوك! وقف العربية دي حالاً! بطلي صراخ ودوشة. أنا بموت، محتاجة دكتور فوراً! وهنا، بص لها بصقة ونظرة عمرها ما هتنساها طول عمرها أنتِ دايماً محتاجة حاجات كتير وما بتكتفيش!
الطريق بقى أضيق بكتير.. ودخلوا في منطقة مقطوعة ومدقات ترابية ملهاش آخر. كل مطب وكل حفرة كانت بتنزل على جسمها كأنها سكين بتتقطع. عشان خاطر ربنا.. صرخت بدموع وبصوت منهار أنا بنزف دم كتير، هتموتني! خالد خبط على طارة العربية بعصبية أنا اللي ضيعت 8 سنين من عمري! منى بصت له وهي مرعوبة بتقول إيه؟! 8 سنين وأنا مستني عيل! 8 سنين بدفع على دكاترة، وعلاجات، وعمليات، وفي الآخر إيه؟! صفر! وأنا كمان خسرتهم زيك! أنتِ ما خسرتيش حاجة! عايشة في بيتي، بفلوسي، من غير ما تعملي حاجة! منى حست إن فيه حاجة تكسرت جواها للأبد مش إنت اللي منعتني أشتغل وبتقولي مش عايزك تتعبي؟! عشان مكنش لزوم ليكي أصلًا!
العربية فرملت بقسوة على جنب طريق ترابي محاط بالأشجار والزرع الميت.. مكان مقطوع تماماً من ريحة البشر! مفيش أي أنوار، مفيش أي عربيات، مفيش بني آدمين. خالد نزل، ولف العربية وفتح باب الكنبة اللي جنبها انزلي. منى لزقت في الكرسي من الرعب أنت اتجننت؟! أنت عايز تسيبني هنا؟! انزلي بقولك! وديني المستشفى وبكرة أطلق منك وما أطلبش منك مليم واحد! والله العظيم ما عايزة منك حاجة! خالد ضحك بابتسامة صفراء مسمومة المشكلة يا منى إن في الطلاق والخلع.. كنتِ هتاخدي كل حاجة!
نفسها اتسحب واتقطع.. البيت.. الشقة.. التحويش.. كل حاجة جمعوها في 8 سنين جواز.. أنت جايبني هنا.. عشان الفلوس والشقة؟! خالد مسكها من دراعها بقوة وغشومية وسحبها برة العربية.. منى وقعت على ركبتيها على التراب والطين الرطب. أنا ممكن أموت هنا! قالتها وهي بتعيط بحرقة. قفل باب العربية بكل قوة محدش هيلاقيكي هنا قبل بكرة الصبح.. أو يمكن بعد ما تكوني خلصتي. خالد.. والنبي!
سابها وركب العربية.. منى