صحوة بعد فوات الأوان .....مني السيد

لمحة نيوز

صحوة بعد فوات الأوان بقلم منى السيد
الفصل الأول
صحيت يوم الجمعة من الساعة ٦ ونص الصبح عشان أجيب طلبات المحشي مع أخت جوزي، ولما رجعت تعبانة ونمت ساعة، حماتي قررت تطردني من بيتها! يا ترى إيه اللي يخلي واحدة تعمل كل ده عشان ساعة نوم؟ أنا هحكيلكم اللي حصل معايا من البداية، وإنتوا احكموا بنفسكم.
يوم الجمعة بالنسبالي كان اليوم الوحيد اللي بستناه من أول الأسبوع، عشان أقدر أنام براحتي وأعوّض شوية من التعب والإرهاق اللي بعيش فيهم طول الأسبوع. لكن الجمعة دي، حتى النوم اتحرمت منه! كنت سهرانة طول الليل، ونايمة بالعافية، وفجأة الساعة ستة ونص الصبح لقيت جرس الباب بيرن بشكل متواصل. قومت من السرير بالعافية، وفتحت الباب، لقيت أخت جوزي واقفة قدامي، وبتقولي بحماس يلا يا حبيبتي، البسي بسرعة عشان ننزل السوق نجيب طلبات المحشي، ماما عايزة نعمل محشي النهارده. بصيتلها وأنا لسه مش فايقة من النوم، وقلتلها دلوقتي؟! يا بنتي ده لسه الساعة ستة ونص، ما نستنى شوية؟ ردت عليّا بسرعة نستنى إيه بس؟ ده يوم المحشي طويل، هنجيب الكرنب والكوسة والباذنجان، ولسه هنرجع نقطّع الكرنب ونسلقه، ونقوّر الكوسة والباذنجان، ونعمل الخلطة ونحشي ونطبخ!
مقدرتش أرفض، فقومت صليت ولبست ونزلت معاها السوق. فضلنا نلف ونشتري الطلبات، ولما رجعنا البيت كانت الساعة تسعة الصبح. كنت حاسة إن رجلي مش شيلاني، ودماغي بتوجعني، وجسمي كله مهدود من قلة النوم والتعب.
دخلت على حماتي وقلتلها بأدب معلش يا ماما، أنا تعبانة أوي وعندي صداع، هطلع أنام ساعة واحدة بس، وأظبط المنبه وأنزل أساعدكم. بصتلي بضيق وقالت طول الليل نايمة، ولسه عايزة تنامي تاني؟! ما تزهقيش من النوم شوية، وبعد الغدا ابقي نامي براحتك! اتضايقت من كلامها، لكني حاولت أعدّي الموقف من غير مشاكل، وقلتلها والله يا ماما أنا مش قادرة، بس هنام ساعة وأنزل أكمل كل حاجة. قالتلي بحدة ادخلي المطبخ شوفي اللي وراكي بدل الكلام الكتير ده.
دخلت المطبخ وبدأت أجهز الخضار، وكنت متوقعة إن بنتها هتكون معايا وتساعدني، خصوصًا إنها هي اللي صحّتني من الفجر عشان ننزل نشتري الطلبات. لكن لما دورت عليها ملقتهاش. طلعت أدور عليها، ولما دخلت أوضة النوم لقيتها قاعدة على السرير بتكلم جوزها في التليفون، وبعدها راحت نامت وسابتني لوحدي! وقفت أبصلها وأنا مش مصدقة، وقلتلها إنتِ هنا؟! طب ما تنزلي تساعديني بدل ما أنا واقفة لوحدي في المطبخ! ردت عليّا بضيق هو أنا مش من حقي أرتاح شوية؟! بصيتلها باستغراب وقلتلها أومال أنا لما قلت إني عايزة أنام ساعة، ليه ماما اتضايقت؟ مش إنتِ كمان كنتِ معايا في السوق من الصبح؟ قبل ما ترد، لقيت حماتي داخلة الأوضة وبتبصلي بغضب. قالتلي إنتِ جاية تعملي مشاكل في بيتي؟! خليكي في نفسك وبطلي الكلام ده! حاولت أشرح لها إني مش قصدي أعمل مشاكل، وإن كل اللي طالباه إني أرتاح ساعة واحدة عشان أقدر أكمل شغل. لكنها قالتلي خلاص، اطلعي نامي، وأنا هساعد بنتي في المطبخ!
طلعت شقتي وأنا مخنوقة من المعاملة، وضبطت المنبه على ساعة، وقلت لنفسي إني هصحى وأنزل أساعدهم عشان اليوم يعدّي من غير مشاكل. نمت من كتر التعب، ولما المنبه رن، قومت بسرعة وغسلت وشي ونزلت المطبخ. لكن أول ما دخلت، لقيت حماتي واقفة قدامي، ووشها متغير تمامًا. بصتلي وقالت بلهجة حاسمة اطلعي على شقتك، واطبخي لنفسك وكلي لوحدك! افتكرت إنها بتهزر، فقلتلها خير يا ماما؟ هو أنا عملت إيه؟ ردت عليّا وهي بتشاور ناحية الباب من هنا ورايح، ملكيش وجود في البيت ده! اتجمدت مكاني، وحسيت إن الكلام نزل عليّا زي الصاعقة. قلتلها والدموع في عيني ليه يا ماما؟! أنا عملت إيه لكل ده؟ أنا كل اللي عملته إني نمت ساعة عشان كنت تعبانة! لكنها أصرت على كلامها، ورفضت تسمع مني أي تبرير.
وقبل ما أقدر أفهم إيه اللي بيحصل، باب الشقة اتفتح، وجوزي دخل. جريت عليه وأنا مستنية إنه يسأل أمه عن سبب اللي بتعمله معايا، لكنه بصلي بنظرة غريبة، وبعدها بص لأمه وقال خير يا أمي؟ في إيه صوتكم عالي ليه على السلم كده؟ حماتي أول ما شافت ابنها داخل، ملامح وشها اتقلبت في ثانية واحدة من القسوة للكسرة والمسكنة، وحطت إيدها على صدرها وهي بتتنفس بصعوبة وبتقول تعالَ شوف يا طارق، تعالَ شوف مراتك المصونة بتعمل فيّا إيه في غيابك! ده جزاتي إني شايلاها على راسي وبقول زي بنتي؟
أنا وقفت متسمرة مكاني، ريقي جف وبصيتلها بذهول.. الست دي لسه من دقيقة كانت بتزعق وبتطردني زي الغريبة، فجأة بقت هي الضحية المظلومة! طارق رمى المفاتيح على الترابيزة وقرب مننا وشه محتقن، بصلي بغضب وقال عملتِ إيه يا نورهان؟ نطقّتي أمي عن شِعورها ليه على الصبح؟ لساني اتقلب من الصدمة، قلتله بصوت بيترعش والله العظيم ما عملت حاجة يا طارق! اسمعني بس، أنا نزلت مع أختك من ٦ ونص الصبح جبنا طلبات المحشي، ورجعت مهدودة، طلبت أرتاح ساعة بس، ولما نزلت لقيت مامتك بتقولي اطلعي كلي لوحدك وملكيش قعاد في بيتي!
قبل ما طارق يرد، حماتي دموعها نزلت ببراعة تحسد عليها، وقالت بصوت مخنوق كدابة يا ابني.. مراتك دخلت عليّا المطبخ رمت الخضار في الحوض وقالتلي أنا مش خدامة عندكم عشان أصحى الفجر، وبنتك نايمة فوق في التكييف وأنا اللي اتمرمط! ولما جيت أعاتبها بالراحة، زعقت في وشي وقالتلي البيت ده مش داخلاله تاني ولا طابخة لقمتكم!
الكلام نزل عليا زي مية نار! بصيت لحماتي وأنا بصرخ من القهر أنا قلت كدة يا ماما؟! حرام عليكي، ربنا شايف وسامع! ده أنا نزلت قولتلك يدوب هغسل وشي وأدخل أساعدك، لقيتك بتطرديني! طارق مسك دراعي بعنف وشدني ناحية الصالة، صوته كان عالي لدرجة إن جدران البيت اتهزت إنتِ بتكدّبي أمي في وشها قدامي؟! صوتك ميعلاش على أمي يا هانم! أمي ست كبيرة ومش هتتبلّى عليكي يعني! إنتِ من يوم ما دخلتي البيت ده وإنتِ شايفة نفسك علينا ومبتعرفيش تبلعي لقمة مع أهلي!
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح وخرجت أخته وهي بتمط في شفايفها وبتفرك في عينيها كأنها لسه صاحية، وقالت بمياصة خلاص يا طارق اهدى، معلش يا ماما حقك عليا أنا، متزعليش نفسك عشان خاطري.. أصل نورهان يا طارق من ساعة ما نزلنا السوق وهي قالبالي وشها وبتتأفف، كأننا شاحتين منها! وأنا سكت ومردتش أرضى أقولك عشان البيت ميتخربش.
حسيت الدنيا بتلف بيّا، التلاتة واقفين قصادي، دايرة من الظلم مقفولة عليا، ومفيش حد فيهم عايز يسمع كلمة حق واحدة. بصيت لطارق جوزي وسندي اللي اتغربت عشانه وسيبت بيت أهلي عشان أبني معاه حياة، لقيته باصصلي باحتقار.. النظرة دي كسرت ضلوعي من جوة أكتر من قلة النوم والبهدلة. قلتله وأنا بمسح دموعي اللي مغرقة وشي يعني إنت مصدقهم ومكذبني أنا يا طارق؟ مصدق إني أقول لأمك كده؟ ده أنا عمري ما عليت صوتي في البيت ده، ده أنا طول الأسبوع في خدمتها وخدمة بنتها!
طارق بص لأمه وقالها بجمود حقك عليا يا أمي، راسك أبوسها.. وحقك هيجيلك تالت ومتلت دلوقتي. لف وشه ناحيتي، وشاور على باب الشقة وقال ببرود جمد الدم في عروقي اطلعي على فوق يا نورهان.. اطلعي شقتك ومتنزليش منها، ورجلك متخطفش عتبة شقة أمي تاني لحد ما تشوفي إنتِ غلطتي في إيه وتيجي تبوسي إيدها ورجلها عشان ترضى عنك!
حماتي بصتلي بابتسامة خبيثة من ورا ضهر طارق، ابتسامة انتصار حسستني بالرعب من الست دي وجبروتها. أخته وقفت جنبها بتلعب في خصلات شعرها وبتبصلي بشماتة واضحة. مردتش.. مقدرتش أنطق بولا كلمة تانية. سحبت رجلي وطلعت درجات السلم بالعافية، كل خطوة كانت كأنها جبل فوق كتافي. دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا بالمفتاح، ورميت نفسي على الأرض ورا الباب وانفجرت في العياط. العياط اللي كان محبوس جوة صدري من شهور طويلة من الاستحمال والسكوت والتنازلات.
أنا اتجوزت طارق عن حب، كنت فاكرة إني بدخل عيلة هتحضني وتعوضني، لكن من أول يوم واكتشفت إن حماتي شايفة الجوازة دي عبارة عن شغالة جديدة جت تخدم البيت الكبير، وأي حق ليا في الراحة أو الكرامة بيعتبروه قلة أدب وتمرّد.
فضلت قاعدة على الأرض لحد ما دموعي نشفت، والساعة عدت اتنين الظهر. فجأة سمعت صوت طالع من المنور، صوت حماتي

تم نسخ الرابط