إنقاذ أسد من الغرق

لمحة نيوز

على الأقل، الحيوان ماكانش بيحاول يهاجمه. ومع مرور الوقت، بدأ الصياد يستوعب إنه محتاج يتحرك لو عايز يوصل للشاطئ.
كان الموتور في مكانه، لكنه اضطر يمرر نظره على الأسد كذا مرة قبل ما يقرر يقترب منه بالقدر اللازم للوصول إلى أدوات القيادة. تحرك بحذر شديد، من غير ما يحاول يلمس الحيوان أو يقرب منه أكتر من الضروري. وبعدها، شغّل الموتور بهدوء.
صوت المحرك قطع سكون النهر، والمركب بدأت تتحرك ببطء ناحية أقرب شاطئ. الصياد كان ماسك أدوات القيادة، لكنه كل شوية يلتفت عشان يتأكد إن الأسد لسه في مكانه. والغريب إن الأسد فضل هادياً طوال الرحلة. كان ممدداً في الطرف التاني من المركب، وما بيعملش أي حركة عدوانية. وفي بعض اللحظات، كان يرفع رأسه ويبص ناحية اليابسة، وبعدها يرجع يحطها فوق رجليه.
الصياد ما حاولش يتكلم معاه، ولا يلمسه، ولا يعمل أي حركة ممكن تخليه يتوتر. كل اللي كان عايزه هو إنه يوصل للشاطئ وينهي الموقف من غير ما حد فيهم يتأذى. مرت الدقائق ببطء شديد بالنسبة له. المسافة اللي كانت في الظروف العادية هتكون رحلة قصيرة، بدت كأنها أطول رحلة في حياته. كل ما المركب تقرب من اليابسة، كان إحساسه بالخطر يقل قليلاً، لكنه ما اختفاش تماماً.
وأخيراً، وصلت المركب إلى منطقة المياه الضحلة. الصياد قلل السرعة، وبعدها طفى الموتور. المركب توقفت قرب الشاطئ، وبقى بينهم وبين اليابسة مسافة صغيرة. الراجل تحرك بعيداً عن الأسد قدر الإمكان، وترك له مساحة يتحرك فيها من غير ما يضطر يمر من جنبه.
وبعد لحظات، رفع الأسد رأسه. بدأ ينهض ببطء، وكأنه بيختبر قدرته على الوقوف بعد التعب الشديد اللي مر به. وقف على رجليه الأربع، وهز جسمه قليلاً، ثم اتجه ناحية جانب المركب المطل على الميه. الصياد تابع كل حركة وهو ساكت. كان عارف إن اللحظة دي ممكن تكون حاسمة، لكنه ما حاولش يقرب منه أو يجبره على أي حاجة.
وقف الأسد عند الحافة لثوانٍ قليلة. بص ناحية الشاطئ، ثم حرّك جسمه استعداداً للقفز. وفجأة، قفز من المركب إلى المياه الضحلة! نزل جسمه في الميه، وبدأ يتحرك ناحية اليابسة. المسافة كانت قصيرة، والتيار عند الشاطئ أهدأ، فتمكن الأسد من الوصول إلى الأرض من غير صعوبة كبيرة.
خرج من الميه، ووقف على الشاطئ، والمياه بتتساقط من لبدته وجسمه. الصياد فضل مكانه داخل المركب، بيراقبه من بعيد. كان أخيراً شايف الحيوان واقفاً على أرض ثابتة، بعيداً عن التيار اللي كاد يودي بحياته.
الأسد بدأ يمشي ببطء ناحية الأشجار القريبة. خطواته كانت ثابتة، لكن واضح إنه لسه مرهق من اللي حصل. وبعد شوية، توقف فجأة. الصياد رفع رأسه، وركز نظره عليه.
الأسد لف رأسه ناحية المركب. للحظات قليلة، فضل باصص في اتجاه الصياد. الراجل ماكانش يعرف إذا كان الحيوان بيتأمل المكان، أو بيحاول يحدد طريقه، أو إن الوقفة دي مجرد لحظة عابرة قبل ما يكمل طريقه. لكنه كان المشهد الأخير اللي شافه بوضوح. بعدها، لف الأسد جسمه من جديد، ودخل بين الأشجار الكثيفة، واختفى تدريجياً وسط الظلال، لحد ما ما بقاش ظاهر منه أي شيء. ورحل الأسد من غير ما يهاجم الصياد، ومن غير ما يحاول يرجع للمركب، وكأن اللي حصل بينهم انتهى بمجرد ما وصل إلى بر الأمان.
الصياد فضل يبص ناحية الأشجار شوية، وبعدها رجع قعد في مركبه. كان محتاج وقت عشان يستوعب كل اللي حصل في الساعات القليلة دي. خرج من بيته في الصباح وهو متوقع يوماً عادياً من الصيد، لكنه انتهى بمواجهة مباشرة مع واحد من أخطر الحيوانات المفترسة. شافه وهو بيغرق، وخاطر بحياته عشان ينقذه، وشد جسمه الضخم بالحبل لحد ما قدر يطلعه من المياه. وبعدها، لقى نفسه لوحده معاه في مركب صغيرة، في موقف كان ممكن ينتهي بكارثة.
لكن النهاية كانت مختلفة تماماً عن كل السيناريوهات اللي رسمها في خياله. كان متوقع هجوماً، أو على الأقل سلوكاً عدوانياً بسبب الخوف والتوتر، لكنه شاف الأسد يستريح بهدوء، وبعدها ينتظر لحد ما وصل للشاطئ، ثم يترك المركب ويختفي بين الأشجار.
طبعاً، ده ما يعنيش إن الأسد فهم نواياه بالطريقة اللي الإنسان ممكن يفهم بيها الموقف، ولا إن الحيوانات البرية بتتصرف دايماً بالشكل ده. فالأسود تظل حيوانات قوية وغير متوقعة، والاقتراب منها أو محاولة إنقاذها من غير تدريب ومعدات مناسبة ممكن يكون خطراً للغاية. لكن بالنسبة للصياد، كانت التجربة دي مختلفة عن أي حاجة مرّ بيها قبل كده. لأنه في لحظة واحدة، كان شايف قدامه حيواناً على وشك الموت، وبعدها بقى مسؤولاً عن إخراجه من المياه، وفي النهاية شافه يرجع إلى موطنه الطبيعي.
يمكن الصياد مايعرفش أبداً إيه اللي كان بيدور في عقل الأسد خلال الرحلة القصيرة دي. ويمكن الأسد نفسه ماكانش عنده أي سبب للتصرف بعدوانية، لأنه كان منهكاً وهدفه الوحيد إنه يستعيد قوته ويصل إلى اليابسة. لكن الشيء المؤكد إن الصياد لن ينسى أبداً اللحظة اللي وقف فيها على بُعد خطوات من أسد ضخم داخل مركب صغيرة، وهو مستعد لأسوأ احتمال، ثم شاهد الحيوان يهدأ ويتركه وشأنه.
أحياناً، موقف واحد غير متوقع بيخلّي الإنسان يعيد التفكير في كل اللي كان متخيله عن اللحظة اللي عاشها لكن في النهاية، أهم حاجة إن حياة اتنقذت، وإن الصياد والأسد خرجوا من الموقف من غير ما يتعرض أيٌّ منهما للأذى.
وإنت لو كنت مكان الصياد، وشفت أسداً بيغرق قدامك، هل كنت هتغامر وتحاول تنقذه، ولا كنت هتفضّل تبعد عن الخطر؟

تم نسخ الرابط