جوزي اهان امي حكايات مني السيد

لمحة نيوز

وأخته وعيالها يعيشوا معاكي خدامين ليهم، وإما يرميكي في الشارع أنتي وابنك زي الكلاب!
ضحكت.. ضحكة طلعت من قعر صدري، ضحكة رنت في الصالة لدرجة إن أمي اتخضت وبصتلي بخوف يرموني في الشارع أنا وابني يا عمي؟ ده اللي في نيتهم يا بنتي، وأنا قولت لازم أبلغك عشان تاخدي حذرك، طارق ابني وطالع لأمه في الجشع واللؤم، بس أنتي بنت أصول وما شوفتش منك إلا الخير والستر، وربنا شاهد إني بريء من اللي بيعملوه ده ليوم الدين.. أوعي تسكتي على حقك يا مريم، وخدي بالك من الولد ومن نفسك. متقلقش يا عمي.. تسلم رجولتك وأصلك النضيف، وربنا يجعله في ميزان حسناتك، نام أنت وارتاح وملكش دعوة بأي حاجة هتحصل بعد كده، حقك عليا أنا.
قفلت التليفون مع الراجل، وقعدت دقيقة كاملة باصة في اللاشيء. الصورة كلها اترتبت في دماغي زي قطع البازل. طارق مكنش بس جاحد، ولا كان بس نمرود.. طارق كان حرامي وندل ومخطط، كان سارق من ورايا، ومرتب عيشته على حساب تعبي وشقايا، ومقعد أمه وأخته ينهشوا في لحمي وهو رامي أمي في الشارع بحجة إنها فلاحة وريحتها بلد. قمت وقفت، ملامحي كلها اتحولت لجمود تام. مفيش دموع، مفيش حزن.. الحزن ده للضعفا، وأنا الليلة دي اتولدت من جديد. أمي بصتلي برعب في إيه يا مريم؟ حماكي قالك إيه شقلب حالك كده؟ مفيش يا أمي.. بيقولي إن الباشا عامل حسابه يستقبل الهوانم بكرة في شقتي، ومأمن نفسه بشقة في بنها وحسابات في البنوك من فلوس شركتي.. فاكر إنه بيلاعب عيلة صغيرة.
طلعت تليفوني، وبصيت في الساعة.. كانت واحدة وربع بالليل. فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على اسم مستشار مجدي رشوان، المحامي العام الأسبق والمستشار القانوني للمجموعة. رن التليفون مرتين بس، والراجل رد بصوت يقظ تماماً رغم الوقت المتأخر مساء الخير يا مريم هانم، خير يا فندم في حاجة طارئة؟ مساء النور يا سيادة المستشار.. بعتذر على الإزعاج في الوقت ده، بس الشغل اللي جاي مش هيستنى للصبح. رقبتي ليكي يا فندم، اؤمريني. التوكيل العام اللي الأستاذ طارق كان عامله لأمه وأخته، وكشوف الحسابات اللي تخص شركته الهندسية وكل سحب تم من أرباح الشركة باسمه خلال السنتين اللي فاتوا.. عايزة ملف كامل بيهم على مكتبي الساعة تمانية الصبح. المستشار مجدي سكت ثانية، وصوته بقى حاد وجاد الشبهات الجنائية اللي كنا بنتكلم فيها بخصوص اختلاس أموال الشركة وتحويلها لحسابات شخصية؟ حضرتك قولتِ نصبر عليها عشان متخربيش بيتك! البيت اتخرب خلاص يا سيادة المستشار، واللعب بقى على المكشوف.. مش بس اختلاس، جهزلي بكرة الصبح بلاغ للنائب العام بالاستيلاء على أموال شركة مساهمة، ودعوة منع من السفر، وقرار فوري من النيابة بالتحفظ على كل الحسابات البنكية اللي اتحولت ليها الفلوس دي، حتى لو كانت باسم أمه أو أخته، ومعاهم قرار تمكين فوري للشقة دي باسمي أنا وبس ومنعه من الاقتراب منها. تمام يا فندم، الورق كله هيكون جاهز ومرفوع في النيابة مع أول دقيقة في العمل الرسمي، وخلال ساعات هيكون في أمر ضبط وإحضار لو ثبت التحويل المباشر. نفذ يا فندم، ومستنياك في الشركة الصبح بدري. قفلت التليفون، ورميته على الترابيزة.
في نفس اللحظة دي، سمعت صوت رزع وكركبة برة على السلم، وصوت طارق كان طالع بيكلم حد في الموبايل بعصبية وصوت عالي، كان صوته بيقرب من الباب.. شكله مالحقش القطر، أو استوعب إنه في الشارع في عز المطر والبرد ومش لاقي حتة يروحها. وفجأة.. جرس الباب رن. رن ورا رن، ورا رزع هستيري على الخشب! مريم! افتحي يا مريم بدل ما أكسر الباب ده على دماغك ودماغ أمك! افتحي الشقة بتاعتي بدل ما ألم عليكي الكومباوند كله وأفضحك! مريم افتحي واخلصي، أنتي فاكرة الحركتين بتوع الورق ده هياكلوا معايا؟! ده أنا أدفنك مكانك وأدفن أمك معاكي! أمي اتنفضت من مكانها وجريت ورايا وهي ماسكة في دراعي بخوف استهدي بالله يا بنتي، متفتحيش.. اتصلي بالبوليس، ده هيقتلنا! ده شكله سكران ومش في وعيه! بصيت للباب بهدوء مريب. مشيت بخطوات بطيئة، ووقفت قدام الباب من غير ما أفتحه، صوته كان بيرزع وكأنه بيخبط برجله في الخشب. طارق.. قولت الكلمة بنبرة صوت واطية، بس قاطعة زي حد السيف من ورا الخشب الخبطة الجاية على الباب ده مش هتنزل على خشب.. هتنزل على ضهرك. افتحي يا مريم! افتحي بقولك، هدومي ومحفظتي ومفاتيحي جوة! أنتي اتجننتي؟ بتطرديني أنا؟! ده أنتي ملكيش لازمة من غيري، أنتي وأمك الفلاحة دي كنتوا شحاتين وأنا اللي عملت منكم بنادمين! افتحي الشقة بتاعتي! الشقة دي مش بتاعتك، والتليفون اللي في إيدي ده بيسجل كل صوت طالع منك وكل شتيمة وكل تهديد بالقتل.. وكاميرات الممر اللي في الدور كلها موصلة بشركة الأمن تحت، وأنا اديت أمر للأمن يبلغوا نجدة التجمع.. قدامك دقيقتين بالظبط عشان تهرب برة بوابات الكومباوند قبل ما تلاقي البوكس واقف بياخدك بكلبشات قدام الجيران، وساعتها مش هتستنى للصبح عشان تتفضح، فضيحتك هتبقى لايف على جروب العمارة والشارع كله.
صوت الخبط وقف فجأة. السكات اللي بعده كان مرعب. سمعت صوت أنفاسه العالية واللاهثة ورا الباب، وصوت تزييق جزمته وهو بيتحرك بتوتر مريم.. متعمليش كده.. إحنا أهل، عيب الكلام ده.. افتحي نتفاهم بس، أنا همشي الصبح، خليني أبات في الصالة بس الدنيا بتشتي برة وأنا مش معايا فلوس في المحفظة حتى أركب تاكسي! نام في الشارع يا طارق.. جرب تدوق السقعة اللي كنت رامي أمي فيها.. جرب تدوق الذل اللي عيشتهولنا سنين وأنت بتمن علينا باللقمة.. نام على الرصيف، وادعي ربنا الليل ميطلعش عليه نهار، عشان لما النهار يطلع، الشمس هتحرق كل كدبة عيشت فيها.
سمعت صوت خطوات سريعة وجري على السلم، وصوت حديد الأسانسير بيتهز.. نزل يهرب قبل ما الأمن يطلع يمسكه. اتنهدت، وبصيت للساعة.. كانت اتنين إلا ربع. روحت ناحية المطبخ، ولعت على كنكة قهوة، وطلعت مجين كبار. أمي كانت قاعدة على الكنبة، عنيها متبتة فيا، مش مصدقة إن البنت الهادية، المطيعة، اللي كانت بتوطي راسها في الأرض وتاخد على خاطرها من أقل كلمة، هي نفسها الست الصخر اللي واقفة قدامها دي. مريم يا بنتي.. أنتي بقيتي قاسية كده إمتى؟ حطيت قدامها مج الشاي السخن اللي عملتهولها، وقعدت جنبها ومسكت إيديها الدنيا اللي قسّتني يا أمي.. القسوة دي مش عليكي، القسوة دي درع عشان أحميكي أنتي وابني. أنا سكت سنين وقولت بكبره، طلع كل ما بكبره بيكبر عليا ويدوسني.. الراجل اللي يهين أمه، ميتأمنش على بيت يا أمي، واللي يرخص لحم مراته قدام الغريب، ملوش دية عندي.
شربنا الشاي في سكات، والليل كان بيمر تقيل وبطيء. وعلى الساعة سبعة الصبح، قبل ما النور يشقشق في السما، رن جرس الباب رنة واحدة خفيفة. بصيت من العين السحرية، كان راجل شيك لابس بدلة كحلي، ومعه اتنين من أفراد أمن الكومباوند. فتحت الباب. صباح الخير يا مريم هانم.. أنا عصام رئيس قطاع الأمن الداخلي للكومباوند، المستشار مجدي كلمنا وبلغنا بالتعليمات، وكمان مديرة مكتبك أستاذة نور وصلت ومعاها القوة التنفيذية عند البوابة الرئيسية مستنيين إشارة حضرتك. صباح الخير يا عصام.. خليهم يدخلوا، والست الكبيرة اللي اسمها مرزوقة وبنتها اللي معاها عيال اتنين لما يوصلوا عند البوابة، متدخلوهمش إلا بإذن مني، فاهم؟ أوامرك يا فندم، كل المنافذ متأمنة.
قفلت الباب، ودخلت أوضتي. فتحت الدولاب، وطلعت البدلة الرسمية بتاعتي.. بدلة سودا كلاسيك، بقالي خمس سنين مالبستهاش، كنت دايماً بلبس هدوم الموظفات البسيطة، الجيبات الواسعة والبلوزات العادية عشان مبانش أحسن منه قدام صحابه أو قدام أهله. لبست البدلة، ورفعت شعري لفوق بتسريحة حادة، وحطيت روج أحمر غامق، ورشيت البرفان اللي ريحته كانت بتهز قاعات الاجتماعات زمان. بصيت لنفسي في المراية.. شوفت مريم تانية، مريم اللي دفنتها بإيدي عشان راجل ميستاهلش.
خرجت الصالة، أمي أول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على بقها اسم الله عليكي يا بنتي.. ما شاء الله، ده أنتي.. أنتي شبه البشوات بتوع التلفزيون! ابتسمت لها وبوست راسها البشوات دول اتعلموا منك يا ست الكل.. اجهزي يا أمي، والبس طرحتك، عشان بكرة اللي طارق كان مستنيه وصل.. وضيوفه اللي كان عازمهم في شقتك، وصلوا تحت عند البوابة.
نزلت الستارة بتاعة البلكونة، وشوفت من فوق، عربية تاكسي قديمة بيضا، نازل منها ست تخينة لابسة عباية سودا وطرحة مقصبة، ومعاها ست تانية أصغر منها شايلة عيل وماسكة عيل في إيدها، وحواليهم شوالين كبار وشنط بلاستيك مرمية على الأرض جنب بوابة الكومباوند، ورجالة الأمن مانعينهم من الدخول والست بتزعق وتشاور بإيديها في وش الأمن بغباوة وسع يا بني منك ليه! أنا أم طارق باشا صاحب العمارة دي كلها! وسع بدل ما أخليه يقطع عيشك وعيش اللي خلفوك! ابتسمت وغمغمت بصوت واطي أهلاً بيكي يا حماتي.. في عقر داري. نزلت على السلم وأنا ماسكة الدوسيه الأزرق في إيدي، وفاتحة التليفون على بث مباشر مع مكتب النيابة، ومستعدة أبدأ الحساب اللي هيدفعوا تمنه لآخر مليم، ومن غير نقطة رحمة واحدة.
الجزء الثالث والأخير
نزلت على السلم الرخام وصوت كعبي العالي كان بيعمل صدى يخلع القلب في سكون العمارة. كل خطوة كنت بنزلها كانت بتمحي من ذاكرتي سنين من الطيبة المفرطة والسكوت اللي ودى أصحابه في داهية. وصلت لمدخل العمارة، لقيت نور مديرة مكتبي واقفة ومعاها المستشار مجدي رشوان، وشخصين تانين بلبس مدني ملامحهم حادة، ماسكين في إيديهم شنط جلد سودا بتاعة تنفيذ الأحكام والشؤون القانونية. نور أول ما شافتني قربت بخطوة سريعة ومدت إيدها بملف جلدي مقفول صباح الخير يا مريم هانم. كل القرارات جهزت واتختمت في النيابة الساعة تمانية إلا ربع بفضل اتصالات المستشار مجدي. معانا أمر ضبط وإحضار لطارق بتهمة الاستيلاء على أموال عامة واختلاس من شركة مساهمة، ومعانا قرار فوري بالتحفظ على الحسابات في بنك التنمية وبنك مصر فرع بنها، بالإضافة لقرار التمكين الحصري للشقة باسم سيادتك ومنعه من الاقتراب مسافة ٥٠٠ متر. المستشار مجدي عدل نضارته الطبية وابتسم بهدوء غير كده يا فندم، العربية الجيب اللي كان راكبها اتحطت على السيستم إنها مسروقة ومملوكة للشركة ومحظور تحركها، وأول كمين هيوقفه هيتحجز فوراً. بصيت للملف، فتحته ببرود تام، وشوفت الأختام الحمرا اللي كانت كفيلة تدفن أي أمل لطارق وأهله في إنهم يطلعوا من اللعبة دي بقرش واحد تمام يا سيادة المستشار. يلا بينا على البوابة نشوف الهوانم اللي جايين يستلموا العز.
مشينا في الممر الرئيسي للكومباوند. الجو كان ساقع وريحة الشتا مع الهوا البارد بتلفح الوشوش، بس أنا كنت حاسة بدمي بيغلي زي البركان. أول ما قربنا من البوابة الخارجية، كان الصوت جايب لآخر الشارع. صوت خناق وردح بلدي عالي كسر هدوء المكان كله. مرزوقة، حماتي، كانت واقفة في نص مدخل البوابة، رابطة الطرحة على راسها بطريقة تثير الشفقة والاشمئزاز في نفس الوقت، حاطة إيدها في وسطها، وعمالة ترزع بالشبشب في الأرض وتزعق في وش فرد الأمن المسكين اللي واقف يحمي البوابة وسع يا بني آدم أنت! أنت مش عارف بتكلم مين؟! أنا أم الباشمهندس طارق! صاحب العمارة دي كلها وصاحب الشغل اللي أنت شغال فيه يا جربوع! بنتي منى وعيالها داخلين يقعدوا في شقة
تم نسخ الرابط