جوزي اهان امي حكايات مني السيد

لمحة نيوز

سبع سنين يا مريم!
أمي كانت واقفة بتطبطب على مالك، وبصت لطارق بعتاب يهد الحيل يا طارق يا ابني.. أنا عمري ما طلبت منك حاجة، كنت بطبخلك وأغسل قمصانك بإيدي وأكويها عشان تنزل تلمع قدام الناس، عمري قصرت معاك؟ عمري حسستك إنك غريب؟ تطردني في نص الليل وتقول أكل فلاحين وريحة قرى؟ ده الفلاحين دول هما اللي علموكم الأصول اللي أنت مشوفتش بربع جنيه منها!
طارق وشه كان في الأرض، لسانه عاجز ينطق بحرف واحد. الغرور المزيف داب، والبدلة الشيك اللي كان لابسها بقت كأنها كفن، كل اللي كان شاغل باله في اللحظة دي مش مشاعر حد، كان شاغل باله مستقبله، فلوسه، شكله قدام أهله اللي عزمهم وجايبهم بكبرياء على أساس إنه ملك مصر والقاهرة وإن الشقة دي بتاعته.
مسكت التليفون بتاعي اللي كان رجع يرن تاني بنفس الرقم. المرة دي فتحت الخط، وحطيت التليفون على السبيكر من غير ما أتردد ثانية. صوت نور مديرة مكتبي طلع واضح، حاسم، ومليان شغل مساء الخير يا مريم هانم، بعتذر عن الاتصال في وقت متأخر كده، بس كان لازم أبلغ حضرتك.. أستاذ طارق كان مقدم على طلب سلفة بضمان أرباح نهاية السنة من حسابات الشركة عشان يسدد قسط سيارة باسمه، والورق قدامي محتاج توقيع حضرتك عشان يتعمد بكرة الصبح أول ما البنوك تفتح.
طارق رفع راسه فجأة، عينيه اتسعت برعب جنوني، وهز راسه بهيستيريا كأنه بيترجاني ماردش. بصيت في عينيه مباشرة، وبنبرة صوت هادية وباردة زي التلج، رديت على نور ارفضي الطلب يا نور. تمام يا فندم. وحاجة تانية.. بلغي الشؤون القانونية والموارد البشرية يجهزوا قرار سحب العربية فوراً، وتجميد كل صلاحيات الأستاذ طارق في إدارة المشروعات لحد ما لجنة المراجعة الداخلية تخلص فحص الحسابات بتاعة السنة اللي فاتت كلها. نور سكتت ثانية واحدة، مستغربة القرار بس محترفة مفهوم يا فندم. تحبي أبلغ أمن الشركة بعدم دخوله بكرة؟ لا، سيبيه ييجي عشان يستلم إخطار وقفه عن العمل بنفسه.. وقفلي كل الكروت الائتمانية التابعة لحساب الشركة من اللحظة دي. تحت أمرك يا فندم، تصبحي على خير. قفلت الخط.
الصالة بقت هادية لدرجة مرعبة، مفيش غير صوت أنفاس طارق السريعة المتلاحقة كأنه بيغرق، عرق بارد نزل من على جبينه وبدأ يمسح وشه بكم قميصه وهو بيترعش أنتي.. أنتي بتعملي إيه؟ أنتي كده بتدمريني! شغلي.. الناس في الشركة هتقول إيه؟! أهلي اللي جايين بكرة هقولهم إيه؟! قربت من باب الشقة، فتحته على وسعه. الهوا البارد بتاع نص الليل دخل لفح وشوشنا، وأنا شاورت بصباعي لبرة، على عتبة الباب، عند السلم الرخام التذكرة اللي أنت حجزتها لقطر بنها الساعة واحدة بالليل.. لسه ميعادها ما جاش، قدامك تلت ساعة تلحق القطر. طارق بلع ريقه وبص للباب برعب مريم.. أنتي بتطرديني أنا من الشقة؟! مش ده كان كلامك من ربع ساعة؟ مش ده السقف اللي أنت كنت فاكر إنك بتمن بيه على أمي؟ الباب مفتوح يا طارق.. اطلع برة، وأمك وأختك اللي جايين بكرة الصبح، بدل ما تستقبلهم في شقتي، استقبلهم على المحطة وروحوا كلكم على بيتكم القديم اللي خرجت منه ونسيت أصلك فيه. مريم أبوس إيدك، مريم بلاش فضايح في العمارة، إحنا بيننا ولد! الولد هيربيه أصل ونسب نظيف، مش راجل خاين للعيش والملح وبيرمي الستات في الشارع بنصاص الليالي. وطيت على الأرض، مسكت الشنطة بتاعته اللي كان راجع بيها من السفر من كام يوم ومركونة جنب الباب، وحدفتها على السلم برة الشقة قدامك خمس دقايق تلم حاجتك وتاخد تذكرتك في إيدك وتغور، وإلا ورب الكعبة هتصل بأمن الكومباوند والنجدة وهخلي منظرك قدام العمارة كلها ميسواش تلاتة مليم. أمي جريت عليا وحاولت تمسك دراعي يا بنتي خلاص كفاية، عشان خاطري.. لا يا أمي! صوتي علا بحسم لأول مرة في حياتي اللي يدوس عليكي يتداس بالجزم، حتى لو كان مين!
طارق بص للباب، وبص للممر الطويل اللي برة في السقعة، وبص لورق الشقة اللي محطوط على الترابيزة. شاف في عيني نظرة عرف منها إن مفيش ولا كلمة من اللي قالها أو هيقولها هترجع خطوة واحدة لورا. الكبرياء المصطنع اللي كان عايش بيه اتهد في لحظة واحدة، وتحول لشخص ذليل، وشه في الأرض، عاجز حتى إنه يدافع عن نفسه. مد إيده على الأرض، ولم تذكرة القطر اللي كان راميها باستهزاء، ومشى بخطوات تقيلة، مهزومة، مكسورة، كأنه عاجز، وطلع على عتبة الباب ووقف يبصلي للمرة الأخيرة، كأنه مستني معجزة تلحق الكارثة اللي هو داخل عليها. بس أنا ما اديتلوش فرصة ينطق. مسكت الباب، ورزعته في وشه بكل قوتي. صوت الرزعة رن في العمارة كلها، ومسكت المفتاح ولفيته تكتين. سندت ضهري على الباب الخشب، وأخدت نفس طويل حارق كان محبوس جوايا بقاله سنين.
أمي كانت واقفة وبتبكي، بس المرة دي دموعها ما كانتش قهر، كانت صدمة وذهول. رحت عندها، وحضنتها، وأنا حاسة بضربات قلبها بتهدى شوية بشوية. بس وأنا بضمها، التليفون رن في إيدي تاني. بصيت للشاشة.. المرة دي كان رقم حمايا القديم، والرسالة اللي وصلت ورا الرنة خلتني أعرف إن الليلة دي لسه فيها مفاجأة تانية محدش كان متوقعها، وإن اللي طارق خاف منه كان مجرد نقطة في بحر اللي مستنيه لما الشمس تطلع.
الجزء الثاني
فضلت واقفة وساندة ضهري على الباب، وصوت تكة المفتاح في الكالون كان عامل زي رصاصة الرحمة اللي ضربتها على سبع سنين من السكوت والمرار. الهوا الساقع اللي اتسرب من تحت عتبة الباب كان بيقرص رجليا الحافية، بس النار اللي كانت والعة في صدري كانت كفيلة تدفي عمارة بحالها. أمي كانت لسه واقفة مكانها، عينيها رايحة جاية بيني وبين باب الشقة، إيديها الاتنين بيترعشوا على صدرها وهي بتبصلي بذهول كأنها أول مرة تشوفني. مالك ابني كان متعلق في جلبية أمه الكبيرة، باصص للأرض وساكت بخوف الأطفال لما يحسوا إن الدنيا بتتهد فوق راس الكبار.
وطيت على ركبي، أخدت مالك في حضني وبوسته من راسه ادخل نام يا حبيب مامي، متخافش.. مفيش حاجة، بابا مسافر شغل كام يوم وراجع، يلا على سريرك عشان مدرستك الصبح. الواد رفع عينيه فيا، وعينيه الصغيرة كانت بتقول إنه فاهم أكتر مما المفروض عيل في سنه يفهم بابا مش هيزعق لتيتا تاني يا ماما؟ الكلمة نزلت على قلبي زي مية النار. طفل عنده خمس سنين، شايل الهم وحاسس بالقهرة اللي أمه وأبوه بيصدروها له كل يوم. بوسته بقوة وضميته لصدري محدش في الدنيا كلها يقدر يزعق لتيتا طول ما أنا عايشة على وش الأرض يا مالك.. يلا يا روحي على سريرك.
دخل الواد وساب الباب موارب شوية، قمت وقفت ومسكت إيد أمي، وسحبتها براحة ناحية الكنبة وقعدتها. جبت من المطبخ علبة مرهم الحروق، وقعدت على الأرض تحت رجليها، وبدأت أدهن إيديها المحمرة مكان الشوربة السخنة بحنية، وأنا حاسة برعشة صوابعها الخشنة اللي شقيت سنين عشان تربيني. ليه يا مريم؟ صوت أمي طلع واطي ومبحوح، مليان عتاب موجع ليه تعملي في نفسك وفيا كده يا بنتي؟ ليه تخبي عليا كل ده؟ أنا عشت خمس سنين هنا، بدعي ربنا ليل ونهار يوسع في رزق جوزك عشان ميزلّكيش، وكنت بدوس على كرامتي وأبلع الإهانة وأقول بكرة يرجع لعقله لما يشوفني صابرة ومستحملة.. تطلع دي كلها فلوسك؟ تطلعي أنتي اللي شايلاه ورازقاه وهو سايق فيها الهبل والعمى؟! رفعت راسي وبصيت في عينيها اللي غرقانة دموع كنت عامية يا أمي.. كنت غبية وفاكرة إني كده بحافظ على بيتي. الراجل لما يحس إن مراته أعلى منه بيتقلب كلب مسعور، وأنا كنت عايزة ابني يتربى بين أب وأم طبيعيين. قولت أخليه يحس برجولته، أسيب له البريستيج، أخليه يعيش وهم إنه البطل المغوار اللي بيصرف ويجيب، وقولت معلش، بكرة يعقل ويفهم.. بس اللي فيه طبع عمره ما بيغيره يا أمي، الواطي لما تديله أكتر من حجمه، بيفتكر إنك ضعيفة، ولما يلاقي نفسه فوق، أول حد بيدوس عليه هو الإيد اللي رفعته! أمي مسحت دمعة نزلت على خدها المجعد بس طردته يا بنتي.. طردتيه في أنصاص الليالي في عز البرد، وده راجل برضه، مش هيسكت، والشر لما يدخل بين الراجل ومراته مبيسبش وراه غير الخراب. خليه يخرب يا أمي، البيت اللي يتبنى على ذل أمي ميبقاش بيت، يبقى زريبة! وورحمة أبويا في تربته، ما هيدخل البيت ده تاني برجله إلا وهو مكسور العين والضهر، والزمن بيني وبينه.
في اللحظة دي، التليفون في إيدي نور من تاني، ورجعت الرنة تقطع سكون الصالة. بصيت للشاشة. الاسم كان ظاهر قدامي بوضوح عمي عبد الحميد حمايا. عبد الحميد، الراجل الكبير، أبو طارق.. الراجل الفلاح الطيب اللي عايش في البلد على قد حاله، اللي كان دايماً مكسوف من عمايل ابنه ومن عوجان رقبته، واللي طارق نفسه كان بيستعر منه ومبيحبش يزوره كتير عشان شكله مش كلاس. فتحت الخط، وأخدت نفس عميق عشان صوتي يطلع هادي ألو.. السلام عليكم يا عمي. الصوت اللي جالي من الناحية التانية كان بيتهدج، صوت راجل عجوز بيتنفس بصعوبة وبيكح كحة ناشفة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. إزيك يا بنتي، إزيك يا مريم يا بنتي عاملة إيه؟ ومالك الصغير عامل إيه؟ الحمد لله يا عمي، في نعمة وستر من عند ربنا.. خير يا عمي؟ حضرتك فيك حاجة؟ صوتك تعبان ليه في الوقت ده؟ الراجل سكت ثانية، وسمعت صوت تنهيدة تقيلة قطعت نياط قلبي أنا مش تعبان من المرض يا بنتي، أنا تعبان من الخزي.. أنا بتصل بيكي من وراهم، مستني لما ناموا في البيت وطلعت في الحوش عشان أكلمك.. أنا مش عارف أودي وشي منك فين يا مريم، ولا من الست والدتك الأصيلة. عقدت حواجبي، وبصيت لأمي اللي كانت باصة للتليفون باهتمام ليه بتقول كده يا عمي؟ حصل إيه؟ طارق.. طارق ومرزوقة أمه ومنى أخته، محبكين خطة من وراكي بقالهم شهر، وأنا لسه عارف التفاصيل العفشة دي من كام ساعة لما سمعتهم بيتحاسبوا وبيتفقوا هيروحوا القاهرة بكرة إزاي. قلبي دق بسرعة، بس مش بخوف، بتركيز بارد زي الصوان خطة إيه يا عمي؟ احكيلي. طارق يا بنتي، فهم أمه وأخته إنه خلاص بقى الآمر الناهي في الشركة، وإن الشقة اللي أنتوا قاعدين فيها دي مكتوبة باسمه وخلاص ملكه لوحده، وإنه هيطرد أمك بكرة عشان أخته منى اتطلقت الأسبوع اللي فات.. منى طلقها جوزها وطردها هي وعيالها الاتنين، وأمه حلفت ما تقعدها في البلد تخدم في بيت العيلة، وقالت له أختك أولى بشقة التجمع وعز القاهرة، نوديها تعيش هناك والست الفلاحة أم مريم تغور في داهية بلدها.. ومش بس كده يا بنتي! صوت عمي عبد الحميد اتخنق بالدموع، وكمل بحرقة أمه كانت واخدة منه توكيل عام رسمي بقالها سنتين.. طارق كان باعت لها فلوس من تحت لتحت، كل الفلوس اللي كان بياخدها قروض ومكافآت من وراكي، كان بيحطها في حسابات باسم أمه وأخته في بنك القرية، وكاتب شقة تانية في بنها باسم أخته عشان يهربها من أي حقوق ليكي لو فكر يطلقك! هما مجهزين كل حاجة عشان ييجوا يفرشوا في شقتك بكرة الصبح، ويحطوكي قدام الأمر الواقع إما ترضي إن أمه
تم نسخ الرابط