طباخ السم بيدوقه.... منى السيد
تحت المية، لقيت الجزء التحتاني من الديل والجيبونة القطيفة اتبهدلوا، والشنطة الجلد الكبيرة اللي فيها لانجيري العروسة وهدوم خروجها المية السودة لحستها من الجنب بس مكنتش دخلت لجوة أوي. طلعت على السطوح زي الصاروخ أشوف البلا جاي منين.. لقيت باب السطوح مفتوح على مصراعيه، وفوق أوضة تقى بالظبط، عند مزاريب السطح، جردلين كبار مقلوبين، وخرطوم طالع من تانك الغسيل بتاع شقة شيماء اللي تحت، وكان باين أثر الجاز والمية العفنة اللي ماليين الحتة، ومحدش كان فوق.. عملوا العملة ونزلوا استخبوا!
نزلت الشقة على لحم بطني، سحبت الفستان، وقفلت باب الشقة بالمفتاح، ونزلت شقة أم سيد جارتنا في العمارة اللي قصادنا، ست طيبة ودايماً في حالها ومالهاش في قعدة المساطب. خبطت عليها، فتحت، أول ما شافتني بالفستان المتبهدل وريحتي جاز، شهقت ولطمت يا نهار مش فايت يا مروة! إيه ده؟! إيه اللي جرى لفستان العروسة؟!
قولتلها بدموع محبوسة استريني يا أم سيد.. السقف سرب مية وجاز عليه، الفرح بكرة العصر والبت لو شافت الفستان هتروح فيها، وأنا مش عاوزة الفرح ينكد عليه.. تعرفي حد بتاع دراي كلين وبقع شاطر يلحقه الليلة دي؟!
أم سيد مسكت الفستان وبصت فيه بعين خبيرة وقالت ده جاز ومية وسخة، لو اتغسل بمية عادية هيعلم ومش هينضف.. بس اسمعي، أخويا شغال في أكبر مغسلة وبخار في وسط البلد، وعنده مواد بتشيل الجاز والبقع المستعصية من غير ما تأثر على التل والجبير.. هكلمه حالا يبعت الموتوسيكل ياخده بالليل ويرجعهولنا الفجر متبخر ومكوي كأنه لسه طالع من المحل.. بس إنتي اهدي وبطلي رعشة!
اتصلت بأخوها والراجل طلع ابن حلال ومتربي، جه بعد نص ساعة، استلم الفستان في كيس مقفول من غير ما حد في الصوان يحس بحاجة، وأنا أخدت نفسي شوية، بس النار اللي في قلبي كانت لسه قايدة.. مين اللي عمل كده؟ صابر؟ ولا شيماء؟ ولا الحية الكبيرة حماتي؟!
نزلت الصوان تاني، حاولت أرسم ابتسامة على وشي، روحت وقفت جنب تقى، رقصت معاها وزغردت، ومحمود أخويا كان واقف وسط الرجالة بيوزع الشربات والقهوة والكل بيهتف باسمه وباسم كرمه. الساعة بقت اتنين بالليل، المعازيم مشيوا، والدي جي قفل، والحارة هديت تماماً. تقى طلعت تنام عند خالتها فاطمة في شقتها عشان ترتاح ومتحسش بحاجة.
أنا ومحمود قعدنا على قهوة في مدخل الحارة، شربنا شاي، وبصيت لمحمود وقولتله محمود.. الشقة فوق اتغرقت مية وجاز من عند السطوح، والفستان لولا ستر ربنا وأم سيد كان ضاع، وحماتي وصابر ناوين على حاجة تانية الليلة.. سعاد مراة البواب هي اللي نبهتني، والناس دي مش هتسكت إلا لما تجيب أجلنا أو تفضحنا في القاعة بكرة.
محمود عينيه ضيقت، وحط كوباية الشاي برنة قوية على الطقطوقة الرخام جاز ومية وسخة على فستان العروسة؟! وحياة النعمة الشريفة دي خسة وندالة ميعملهاش إلا ولاد الحرام! اسمعي يا مروة.. الحية لما تطلع من جحرها عشان تبخ سمها، مبيتقطعش ديلها.. بيتداس على راسها بالجزمة عشان تموت ومترجعش تاني.. تعالي معايا.
روحنا على مدخل العمارة، روحنا لأوضة البواب تحت بير السلم.. خبطنا خبطتين خفاف، فتحت سعاد، أول ما شافتني اتخضت وكانت هتقفل الباب، بس محمود حط كف إيده الضخم على الباب وزقه براحة، دخلنا وقفل الباب وقالها بنبرة واطية بس حامية زي الرصاص سعاد.. إنتي ست غلبانة وبتاكلي عيش، وإحنا طول عمرنا ولاد أصول وبنعاملك بالحسنى، قولي الحقيقة كاملة.. فتحية وبنتها وصابر بيخططوا لإيه؟ وإيه اللي شوفتيه بعينك؟!
سعاد اترمت على الكنبة بتترعش والدموع بتنزل من عينيها والله العظيم يا أستاذ محمود أنا ماليش دعوة، أنا شوفت شيماء طالعة من شقتها العصر ومعاها جردل الجاز والخرطوم، وقالتلي لو نطقتي بكلمة هخلي صابر يطرد جوزي ويرمينا في الشارع.. بس اللي جاي أوسخ يا أستاذ محمود! إيه اللي جاي؟! انطقي! قولتلها وأنا دمي بيغلي.
سعاد بصت يمين وشمال وقالت بصوت واطي صابر مش نايم.. صابر قاعد جوة مع أمه دلوقتي، وجايب معاه اتنين بلطجية من صحابه بتوع الموقف، ومجهزين خردة وعربيات نقل، وناويين الفجر، لما الحارة كلها تنام وتغفل، يطلعوا يكسروا باب شقتك يا مروة، وينزلوا عفش الشقة كله بالكامل على العربيات، ويهربوه لمخزن في القناطر، عشان لما ترجعي بكرة من الكوافير مع بنتك متلاقوش قشاية في الشقة، والقايمة تضيع عليكي، وتضطري ترجعي تبوسي رجلين أمه عشان تستر عليكي قدام أهل العريس وتديكي العفش يروح للبت شقتها!
أنا سمعت الكلام ده وحسيت الدنيا لفت بيا.. يعني مش مكفيهم الكحك، ولا الفستان، عاوزين يسرقوا عفش بنتي وشقا عمري عشان يلووا دراعي ويفضحونا قدام أهل العريس لما يجوا ينقلوا بقية الشنط والعفش؟!
محمود ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة راجل ناوي على شر مستطير بس بالعقل يسرقوا الشقة في الفجر؟ حلو أوي.. ده هما كده وقعوا في شر أعمالهم، وبدل ما كنا هنلف وراهم في المحاكم، ربنا جابهم لحد عندنا متلبسين!
محمود طلع موبايله، رن على ظابط المباحث بتاع الدايرة، كان ابن حلال ومحمود عامل له كل بوابات وشبابيك عمارته الجديدة بالحديد، وفيه بينهم معرفة وأصول وتقدير كبير.. قاله يا باشا، عندي واقعة سرقة بالإكراه وشروع في تبديد هتتم بعد ساعتين بالظبط في درب السعادة، وجايين بأسلحة بيضاء وعربيات نقل.. عاوز منك قوة تكمن في أول الحارة وتستنى الإشارة مني.
الظابط رد عليه بحزم وقاله نص ساعة وتكون عندك قوة بالزي المدني على أول الحارة يا حاج محمود، ومحدش يتحرك إلا بإذننا عشان نظبطهم بالجرم المشهود!
محمود بصلي وقال مروة، اطلعي شقة أم سيد، واقعدي في البلكونة اللي بتبص على مدخل العمارة، متعمليش حس ولا نفس، وسيبي الباقي على الله وعليا وعلى صبيان الورشة.. الليلة دي، حارة درب السعادة هتشهد نهاية ظلم السنين!
طلعت عند أم سيد، قعدت ورا الشيش وقلبي بيدق في صدري زي الطبلة، الساعة عدت تلاتة، وتلاتة ونص.. والفجر بدأ لونه الرمادي يشق السما. وفجأة، لقيت عربيتين نص نقل دخلوا الحارة بالراحة من غير نور، ووقفوا قدام باب عمارتنا بالظبط. نزل من العربيات أربعة رجالة بجلابيب وشالات، ومعاهم عتلات ومواسير حديد.. وباب شقة حماتي الأرضي اتفتح، وخرج صابر، ووراه أمه فتحية لابسة طرحتها وبتوشوشه وبتشاور له على السلم، وشيماء كانت واقفة في الشباك بتضحك بانتصار وشماتة!
صابر والرجالة طلعوا السلم بهدوء، وأول ما حطوا العتلة في باب شقتي عشان يكسروه، سمعت صوت رزعة مهولة رجت الحارة كلها! محمود وعشرة من رجالة ورشة الحدادة، كل واحد فيهم ماسك جنزير وعصاية حديد، نزلوا من السطوح ونطوا من الدور التاني، وقفلوا مدخل السلم فوق وتحت!
وفي نفس اللحظة، عربية البوكس بتاعة المباحث دخلت الحارة سارنتها بتولول، وأمناء الشرطة نزلوا بالمسدسات وطوقوا العمارة والعربيات في لمح البصر!
اثبت مكانك إنت وهو! ولا حركة! صوت الظابط كان يجلجل في الحارة.
الجيران كلها صحيت مفزوعة، الشبابيك والبلكونات اتفتحت، والنور نور في البيوت كلها.. صابر والبلطجية نزلوا من على السلم وإيديهم متكلبشة ورا ضهرهم، العتلات والسكاكين اللي كانت معاهم اترموا على الأسفلت قدام عيون الحارة كلها!
حماتي خرجت تجري من باب الشقة، بتصرخ وتلطم على خدودها يا لهوي يا فضيحتي! ابني يا ناس! ابني بيتقبض عليه في بيته ليه؟! إحنا أشراف الحتة! الحقونا يا أهل الحارة!
الظابط زق صابر قدامها وقال بصوت عالي سمعه القاصي والداني أشراف الحتة مين يا ست إنتي؟! ابنك جايب رد سجون عشان يكسروا شقة مراته ويسرقوا عفش بنته اللي فرحها النهاردة؟! ده محضر سطو مسلح وتلبس بالكسر والسرقة، والعربيات دي متحفظ عليها، والعتل دي حرز في القضية!
صابر كان وشه في الأرض، عينه مكسورة زي الكلب الجربان، العرق والدموع ماليين وشه، بيبص للجيران اللي كلهم بيبصوا له باحتقار وبصق، والرجالة الكبار في الحارة بيهزوا روسهم ويقولوا يا خسارة الرجولة.. يا قلة الأصل والندالة، رايح تسرق بنتك في ليلة فرحها عشان تسمع كلام أمك وأختك البايرة؟!
شيماء كانت واقفة ورا أمها، بتترعش زي القصبة في مهب الريح، وشها بهت وبقت تعيط بخوف صابر ملوش دعوة يا بيه.. أمي هي اللي قالت له، أمي هي اللي حلفت عليه ليعمل كده عشان يكسر مناخير مروة!
حماتي بصت لبنتها بذهول وضربتها على صدرها إنتي بتبعيني يا مقصوفة الرقبة؟! إنتي اللي قولتيله متسيبش العفش يفلت من إيدينا!
وبدأوا يمسكوا في خناق بعض قدام الشرطة والناس، الفضايح طفحت على وش المية، والغل اللي كان مستخبي تحت الطرح السودة بقى مكشوف وملطشة لكل لسان في الحارة!
محمود قرب من الظابط بهدوء، وطلع من جيبه عقد الشقة المسجل، وقايمة المنقولات الموثقة، وبطاقة مروة، وقال يا فندم، الشقة دي ملك أختي، وده إثبات الملكية، والراجل ده كان بيهددها بالطلاق عشان يجردها من حقها وحق بنتها، وإحنا مش هنسيب حقنا بالقانون.
أنا نزلت من عند أم سيد، ونزلت وسط الناس.. كنت لابسة عبايتي، ماشية بخطوة ثابتة، راسي في السما، بصيت لصابر وهو متكلبش، وبصيت لحماتي اللي كانت قاعدة على عتبة بيتها بتلطم وتمرغ وشها في التراب بعد ما كل خططها اتقلبت عليها وسمعتها بقت في الطين.
صابر بصلي والدموع في عينيه وقال بصوت مكسور سامحيني يا مروة.. أبوس رجلك سامحيني، متضيعيش مستقبلي وتخليهم يحبسوني، بنتك فرحها النهاردة بلاش تفضحينا قدام عريسها!
بصيتله من فوق لتحت، نظرة خلت جسمه كله يقشعر، وقولتله بكل هدوء وثبات أنا ماليش دعوة بيك يا صابر.. اللي فضحك هو غلك ونيتك السودة، واللي حط الكلبش في إيدك هو ظلمك لأم بنتك.. بنتي فرحها هيتعمل، وهتطلع من بيت أمها معززة مكرمة، أما إنت.. فورقة طلاقي هتوصلني النهاردة من النيابة قبل ما تترحل، والقايمة وحقوقي هاخدهم بالقانون مليم ينطح مليم.. إنت من اللحظة دي مش أبو تقى، إنت عار طلع من حياتنا وربنا نضف بيتنا منه!
الظابط أخد صابر والبلطجية وركبوهم البوكس ومشيوا، وحماتي دخلت قفلت بابها عليها هي وبنتها، ومبقاش ليهم عين يفتحوا شباك ولا يخرجوا راسهم في الحارة، بعد ما كانوا فاكرين إنهم هيذلوني، بقوا هما الفضيحة اللي الحارة كلها بتتكلم عنها وبتلعنهم!
الساعة بقت سبعة الصبح، طلعت شقتي نضفتها بمساعدة فاطمة ونسوان الحارة الجدعان اللي جم ووقفوا معايا وقفة رجالة، مسحنا السطوح، ونضفنا المنور، وقفلت الشقة وركبت كالون حديد جديد محمود عمله على إيده.
الساعة تمانية، وصل مندوب المغسلة مع أخو أم سيد، ونزلوا من العربية وجايبين فستان الفرح.. والله العظيم أول ما فتحت الكيس، دمعت من الفرحة! الفستان كان طالع أبيض زي التلج، مفيش فيه نقطة هباب واحدة، مكوي بالبخار، وريحته لافندر ومسك، كأنه متفصل النهاردة في أشهر أتيليه في مصر! سجدت على الأرض شكر لله، وعرفت إن ربنا لما بينصر المظلوم، بيمهد له كل السبل ويسخرله ولاد الحلال!
الساعة اتناشر الضهر، أخدت تقى ورحنا الكوافير.. تقى مكنتش تعرف أي حاجة من كابوس الفجر، كنت حريصة إنها متسمعش ولا كلمة عشان نفسيتها متتأثرش، ولما دخلت عليها بالفستان وهو بيلمع زي الألماظ، عينيها وسعت وصرخت من الفرحة وحضنتني يا ماما الفستان يجنن! ده أحلى بكتير من لما شوفته أول مرة! ضحكت من قلبي وقولتلها ده معمول مخصوص لقلبك الأبيض يا روح قلب أمك.
الساعة ستة المغرب، عربيات الزفة وصلت قدام الكوافير.. عريسها محمد نزل، شاب محترم وأصيل، شغال مهندس في شركة مقاولات، وأهله ناس طيبين ومحترمين جداً.. لما شاف تقى طالعة بالفستان الأبيض والمكياج الهادي الرقيق، عينيه دمعت، ومسك إيديها وباس راسها، وبعدها لف عليا، ومسك إيدي وباسها قدام كل الناس وقال تسلم الإيد اللي ربت والقلب اللي شال.. تقى في عينيا يا أمي، وراسك مرفوعة بيا وبيها طول العمر، وعمر ما حد هيقدر يمس شعرة من كرامتكم وأنا حي على وش الدنيا.
محمود أخويا كان لابس بدلة شيك جداً، واقف جنب العريس، وهو اللي سلم البت لعريسها، والزفة بدأت..
دخلنا القاعة الكبيرة، القاعة كانت متبهارجة بالأنوار والورد، والمعازيم مالين الكراسي، والدي جي شغل أغاني الفرح والزغاريد، رقصت مع بنتي، ورقصت مع أخويا، والناس كلها كانت بتبصلي بفخر، بيشوفوا الست الأصيلة الجدعة اللي وقفت زي الجبل، متهزتش، وحمت بنتها وفرحتها وكرامتها ومطاطتش لحد!
وأنا واقفة في نص القاعة، باصة لبنتي وهي بتلف مع جوزها والضحكة منورة وشها، حسيت براحة ورضا ملوش مثيل.. الكحك اللي اترمى على السطوح، ربنا عوضنا عنه بكراتين دهب شرفت البت قدام حمايلها.. والفستان اللي كان عاوزين يسودوه، رجع يلمع زي البدر في ليلة تمامه.. والشقة اللي كانوا عاوزين يسرقوها، بقت ملكي خالص من غير راجل نطع يستقوى عليا فيها.. وصابر وحماتي وشيماء.. شربوا من نفس الكاس اللي كانوا عاوزين يسقوني منه الذل، والكسرة، وفضيحة العمر اللي مش هتتمسح من تاريخ الحارة لسنين قدام!
الفرح خلص على خير، والبت راحت شقتها في أمان الله ورضا الرحمن، وأنا روحت شقتي مع أخويا ومراته، دخلت البيت وأنا رافعة راسي، ولأول مرة من تلاتة وعشرين سنة، نمت نومة هادية من غير خوف، من غير هم، ومن غير ما أفكر بكرة حماتي هتذلني بإيه ولا بنتها هتنكد عليا بإيه..
لأن الكرامة لما بتتباع، صاحبها بيموت وهو عايش.. بس لما بتتمسكي بيها وبتوكلي أمرك لله، ربنا بيقلب كيد الظالم في نحره، ويرفعك فوق السحاب قدام كل اللي فكروا يكسروكِ!
تمت بحمد الله