طباخ السم بيدوقه.... منى السيد
طباخ السم بيدوقه بقلم منى السيد
حماتي قالتلي هنعمل كحك بنتك على السطوح ونلم الحبايب ونفرح البت قبل ما تطلع من بيتنا.
الفرح فاضل عليه يومين اتنين بالعدد، البيت مقلوب، الشنط مفتوحة، والعروسة عينها بتلمع ومستنية كحك فرحها اللي بيتوزع على المعازيم بفخر. نزلت السوق من النجمة، دمي اتصفى في المصاريف، وانتوا طبعاً عارفين يعني إيه تجهيز كحك عروسة في الأيام دي! شيكارة دقيق خمسين كيلو من أنضف نوع، صفايح سمنة بلدي على نباتي، روايح الموز والورد، سمسم متنقي حبة حبة، وحليب بخيره دافي ومظبوط بالشعرة. فلوس شقايا وتحويشة عمري حطيتها في الشيكارة دي وأنا راضية ومبتسمة، كفاية إن بنتي هترفع راسها وسط الناس وتقول ده كحك أمي.
طلعنا السطوح مع الشمس بعد ما طلعت، فرشنا الحصاير، وجهزنا الصيجان، وشغلنا الأغاني والزغاريد كانت مالية الحارة كلها. قعدت على ركبي، شمرت دراعاتي لحد الكوع، ودخلت في معركة العجن والبث. خمسين كيلو بيتبثوا على الإيد لحد ما كفوف رجليا اتخدرت وضهري حسيت إنه انقسم نصين، بس ريحة السمنة والسمسم وهي طالعة كانت بتهون كل تعب الدنيا. العجينة في الطشت الكبير كانت تتاكل نية، بيضا وطرية وملمومة زي الملبن، حاجة تشرح القلب الحزين.
وفجأة، طلعت شيماء أخت جوزي على السطوح، جاية متأخرة بعد ما خلصنا الهدة كلها، تبص للطشت بعين باردة وتقول بمنتهى البرود والتعالي إيه ده؟ إنتوا ما حطتوش سكر بودرة في العجينة؟ هاتوا كيس السكر هندوبه في شوية لبن ونكبه هنا!
أنا دمي فار في عروقي، بس بلعت ريقي واتكلمت بهدوء يا حبيبتي مينفعش، السكر لو دخل العجين هيفرش الكحكاية في الفرن ويخليها تجلد وتبقى زي الحجر، الكحك بيترش عليه سكر لما يستوي ويبرد.
بصتلي باحتقار وقالت لأ هيتحط، إحنا طول عمرنا بنعمله كده، ولا إنتي جاية تفهمينا الصنعة في بيتنا؟!
خدتها عند، تحدي صريح إن كلمتها هي اللي تمشي، مش عشان صح، لأ.. لمجرد إنها تكسر كلمتي في عجين أنا اللي شقيانة ومكلفة تمنه قرش بينطح قرش. بصيت لحماتي أستنجد بيها، الست الكبيرة العاقلة اللي المفروض تفصل بالحق، لقيتها بتبصلي بابتسامة صفرا وتقولي حطي السكر يا مروة، هتكوني أشطر من بنتي يعني؟ كلمة بنتي ما تنزلش الأرض!
قولتلها وصوتي بدأ يترعش من القهر مش حاطة يا حماتي.. ده كحك بنتي وشقايا ومصاريفي ومش هبوظه على آخر لحظة عشان عند فارغ!
الكلمة ما كملتش في بوقي، ولقيت الدنيا بتلف بيا في مشهد مش قادرة أنساه.. الست الكبيرة، حماتي، قامت بهيبتها، وبحركة سريعة مفيهاش ذرة رحمة ولا خوف من ربنا، مسكت ودن الطشت الكبير بكل عزمها، وقلبته في نص السطوح قدام الطيور! خمسين كيلو شقا، كحك فرح بنتي، اتدلق على الأرض والتراب، والفراخ والبط هجموا عليه ينبشوا فيه..
أنا اللحظة دي اتصدمت، وداني صفرت، وفجأة صرخت صرخة شقت الحارة كلها، صوتي جاب سابع جار، دخلت في حالة هيستريا مش شايفة قدامي، بملص في شعري وبصرخ والناس طالعة تجري على السطوح، والزغاريد اتقلبت لميتم في ثواني!
أهلي جولى يجروا، لقوني قاعدة في التراب بنهار، أخويا شدني من وسطه وهو عينه بطق شرار وقال حقك في رقبتي، والكحك هيتعمل على حسابي في أكبر مصنع حلواني في البلد، بس بنتك هتتجوز وراسك في السما.
أخدوني ونزلت شقتي أجرجر خيبتي، بس الطامة الكبرى ما كانتش في الكحك اللي اترمي، الطامة كانت في جوزي اللي دخل عليا الشقة بوش خشب، قفل الباب بالمفتاح، ورزعني كلمة خلت الدم يجمد في عروقي حق أمي وبنتها يرجع الأول، قدامك ربع ساعة، هتنزلي تبوسي على دماغ أمي ورجليها وتعتذري، وإلا فرح بنتك مش هيكمل، ورقتك هتبقى معاها في نفس الليلة!
الكلمة نزلت على دماغي زي مية النار.. تنزلي تبوسي على دماغ أمي ورجليها وتعتذري، وإلا فرح بنتك مش هيكمل، ورقتك هتبقى معاها في نفس الليلة!.. فضلت مبرقة في وشه، وداني بتزن زن عالي أوي، وصوته بيتردد في نفوخي كأنه صدى طالع من بير غويط. بصيت لإيديه المقفولة بعصبية، ولبنطلونه اللي متبهدل دقيق وتراب من عتبة السطوح، ولعينيه اللي طالع منها غل أسود، مفيهوش حتى ذرة رحمة لمراته وأم بنته اللي ليلتها بعد بكرة! في اللحظة دي بالذات حسيت إن التلاتة وعشرين سنة اللي عشتهم مع الراجل ده اتمسحوا بأستيكة، كأني كنت متجوزة خيال مآتة، أو تمثال طين اتقلب فجأة لوحش عاوز ينهش في لحمي.
إنت بتقول إيه يا صابر؟ الكلمة طلعت مني بالعافية، مفحرة من قعر صدري، مبلولة بدموع القهر أبوس رجلها؟ رجل مين اللي أبوسها؟! ده شقايا! ده كحك بنتك اللي رمتها في الأرض قدام طير السطوح وكسرت بنفس البت قبل ما تفرح! ده أنا ضهري مكسور من الصبح، وجاي تقولي أبوس رجلها عشان بنتها الغلاوية كانت عايزة تدمر الخبيز عِند؟! هو ده اللي ربنا قالهولك؟! هو ده رجولتك؟!
صابر قرب مني بخطوة، وشه احتقن بلون الدم، ورفع صباعه في وشي لحد ما لمس أرنبة مناخيري، وصوته كان واطي بس فيه فحيح يخوف صوتك ميعلاش عليا في بيتي! أمي ما تغلطش، وأختي لما تقول كلمة تتسمع حتى لو هتدلق العجين كله في البلاعة! أمي الست الكبيرة، ست البيت، وإنتي هنا حتة غريبة دخلتي عليهم، ولحم كتافك من خيرها.. خمسين كيلو دقيق مش هما اللي هيخلوا راسك تعلى على أمي! ربع ساعة يا مروة.. الساعة المعلقة على الحيطة دي لو عقربها كسر، وما شوفتكيش تحت ساجدة على إيد أمي وبترجعي كرامتها اللي مسحتي بيها بلاط السطوح قدام الجيران، أقسم بالله العظيم ما هتدخلي قاعة الفرح، والبت دي هتروح لراجلها من غير أم، وورقة طلاقك هتكون ملفوفة في إيدك مع قايمتها!
رزع الباب وراه برزعة هزت جدران الصالة، كأن البيت نفسه اتشرخ.
قعدت على الأرض مكاني، ساندة ضهري على كنبة الأنتريه القديمة المتهالكة، مش قادرة أتنفس. الهوا داخل وخارج من زوري زي السكاكين. بنتي تقى كانت واقفة ورا باب أوضتها، بتترعش، لابسة عباية بيتي مبهدلة، وطرحتها ملفوفة كروتة، عينيها الاتنين وارمين من كتر العياط كأنهم باذنجان مستوي. خرجت تجري عليا، رمت نفسها في حجري بكل قوتها وهي بتشهق شهقات تقطع نياط القلب يا ماما.. والنبي يا ماما عشان خاطري.. علشان خاطري بلاش الفرح يبوظ! ده عريسي وأهله دافعين الشيء الفلاني في القاعة، ده الناس كلها عارفة إن فرحي بعد بكرة.. هيقولوا عليا إيه؟! هيقولوا أمها اتطلقت يوم حنتها؟! هيقولوا أبوها طردها؟! والنبي يا ماما انزلي بوسيها وقوليلها حقك عليا.. معلش، تعالي على نفسك المرة دي عشاني، فدايا يا ماما.. مش إنتي بتقولي بموت في ترابك؟ ريحي أبويا عشان نعدي اليومين دول على خير!
كلام بنتي وجعني أكتر من كلام أبوها ألف مرة. السكينة لما تجيلك من ضهرك بتوجع، بس لما تجيلك من الحتة اللي انتي دافعة فيها عمرك وصحتك ودم قلبك، بتدبح من غير صوت. بنتي اللي كنت بشتغل خياطة بالساعات بالليل وأنا عيني مزغللة عشان أجيبلها طقم صيني زيادة، بنتي اللي كنت بحرم نفسي من اللقمة عشان أجيبلها أرقى جهاز في عيلتها.. مستعدة تشوف أمها ممسوح بكرامتها الأرض، وبتنحني تبوس رجل الست اللي أهانتها، بس عشان شكلها قدام الناس والقاعة!
مسكت وشها بين كفوفي اللي لسه فيهم ريحة السمنة البلدي الممزوجة بالتراب، بصيت في عينيها أوي وقولتلها بصوت ناشف زي الحطب عاوزاني أبوس رجلها يا تقى؟ عاوزة أمك اللي ربتك وعلمتك إن الكرامة أغلى من الدهب اللي لابساه في إيدك، تنزل تداس بالجزم عشان سيادتك تروحي تلبسي فستان أبيض وترقصي على أنغام الدي جي والناس تسقفلك؟! تفتكري لو نزلت بوست رجلها النهاردة، بكرة لما تروحي بيت جوزك وحد يغلط فيكي، هتعرفي ترفعي عينك فيه؟! ده أنا لو عملت كده هبقى دفنتك ودفنت نفسي بالحيا.. إنتي فاهمة يعني إيه الست تبوس رجل حماتها على باطل؟ يعني بقيت جارية، وخلفت جارية، وهسلمك لبيت جوزك وانتي متعودة تطاطي وتتباسي رجليكي!
البت انهارت، قعدت في الأرض تلطم على خدودها يا لهوي يا فضيحتي.. يا خراب بيتي قبل ما يبدأ.. يا ناس الحقوني، حماتي هتعايرني وأهل جوزي هيشمتوا فيا.. منك لله يا عمتي، منك لله يا ستي!
في اللحظة دي، جرس الباب رن ضربات سريعة ومكتومة، ورا بعضها، كأن اللي ورا الباب بيهده. قمت سحبت نفسي بالعافية، فتحت الباب، لقيت أخويا الكبير محمود ومعاه فاطمة مراته. محمود راجل شقيان، أرزقي على باب الله شغال في ورشة حدادة، دراعاته خشنة وناشفة من دق الحديد، بس قلبه حنين زي مية النيل، وشه كان بيغلي، وعروق رقبته ناطة برة جلده. أول ما شافني متبهدلة ومنهارة، دخل الصالة بخطوة واسعة، قفل الباب وراه وقال بصوت يهد جبال ولا كلمة! ما تنطقيش ولا حرف! أنا سمعت صوت صابر وهو نازل على السلم بيهددك ويرعد، وسمعت كلامه وهو بيقول للقهوجي اللي تحت الحرمة هتنزل راكعة دلوقتي.. إنتي أخت محمود الحداد يا مروة، وراس محمود الحداد ما تنزلش للواطي حتى لو كان التمن رقبتي!
فاطمة مراته خدتني، وقعدت تطبطب عليا وتسمي بالرحمن اهدي يا مروة، اهدي يا أختي، والله العظيم حقك مش هيضيع، ده ربنا اسمه العدل، واللي حصل فوق السطوح ده مش هيعدي بالساهل، ده ربنا مطلع على النوايا وحرقة القلوب.
محمود بص لتقى اللي قاعدة في الأرض منهارة، وقالها بنبرة حازمة تهز البدن قومي يا بت اقفي على حيلك! قومي بطلي ندب ولطم! إنتي عروسة، وفرحك هيتعمل، ورجلك هتدخل شقتك غصب عن عين أي حد في الحارة دي، واللي فاكر إنه هيكسر ضهرنا بالقرشين بتوع الكحك ولا بشكل الفرح، يبقى لسه ميعرفش مين هو محمود الحداد.. قومي غسلي وشك!
تقى قامت بتترعش وجريت على الحمام، ومحمود قعد على كرسي السفرة، طلع علبة السجاير الكليوباترا بتاعته، ولع سيجارة وخد نفس طويل طلعه مع تنهيدة حرقت الهوا، وبصلي اسمعي مني يا مروة، وخدي الكلمة اللي مفيهاش رجوع.. صابر مش عاوز كرامة لأمه، صابر لقى الفرصة اللي يكسرك بيها. بقاله سنين حاسس إنك أحسن منه، شايلة بيته وشايلة همه، ولما بنتك خطوبتها تمت والناس كلها شهدت بأدبك وبجهاز بنتك اللي مفيش زيه، حس بالنقص.. هو وأمه وأخته شيماء مبيتلك النية من زمان. شيماء بايرة وقاعدة في البيت سنها كسر الستة وتلاتين ومحدش بيخبط على بابها، وحماتك عينها في القرش اللي معاكي ومستكترة على بنتك إنها تتجوز جوازة مرتاحة.. الدقيق اللي اتدلق ده مش دقيق.. دي غيرة ونار كانت قايدة في صدورهم وانفجرت في وشك!
كلام أخويا نزل على الجرح نضفه بالملح والشاش. كان صح.. كل تفصيلة مرت في شريط ذكرياتي أكدتلي ده شيماء لما شافت أطقم الحلل الجرانيت اللي اشترتها لتقى، فضلت تزن وتقول ليه التبذير ده، ما الحلل الألومنيوم عايشة بقالها مية سنة، ولا هي بت بطرس وإحنا ولاد البطة السودة؟! حماتي لما شافت دهب الشبكة، قعدت تلوح ببقها وتقول دهب خفيف وقشرة، بكرة يقع في إيديها ويسود، كان زمان صابر بيجيبلي الدهب البندقي الصافي! وصابر نفسه.. كل ما يشوفني بحوش قرش من خياطتي ولا من جمعية عاملاها، عينه تزغلل، ويدور على أي خناقة عشان يسحب الفلوس مني، ولما رفضت أديله فلوس شيكارة الدقيق وقوت السمنة عشان الفرح، حلف ليربيني.
قولت لمحمود والدموع بتملا عيني تاني طب هنعمل إيه يا أخويا؟ الفرح بعد بكرة، والمعازيم معزومين، وحماتها وأهل عريسها مستنيين الكحك يروح بكرة العصر حسب الأصول، عشان الحنة بكرة بالليل! لو الكحك مراحش، أهل العريس هيقولوا إيه؟ هيقولوا أهلها استخسروا فيها وضحكوا علينا، وصابر هيطلقني ويفضح البت!
محمود طفى السيجارة في الغطا بتاع برطمان المخلل اللي على الترابيزة بكل عزم، وقام وقف وقال بصوت هادي يسبق العاصفة أنا قولتلك، كحك بنتك هيتعمل، وهيروح لأهل العريس من أنضف حلواني في مصر، والكراتين هتنزل قدام عمارة حماتك، هخلي الحارة كلها تقف تتفرج على العز اللي مروة وبنتها فيه.. بس الأول، الحساب مع صابر لازم يتصفى.
حساب إيه يا محمود؟ ده هيطلقني! قولتله برعب.. مش خوفاً على صابر، لأ والله، كرهته في اللحظة دي كره العمى، بس خوفاً على شكل بنتي وكسرة ضهرها قدام عريسها.
محمود بصلي بحدة يطلقك؟! هو يطول؟! هو لاقي ضفرك؟! إنتي فاكرة الطلاق ده لعبة في إيده؟! الراجل ده ناسي إن الشقة دي شقتك إنتي؟ ناسي إن العقد بتاع الشقة دي مكتوب باسمك انتي وبفلوس ورثك من أبونا الله يرحمه لما باع قيراطين الأرض في البلد؟! ناسي إنه ملوش فيها غير الهدوم اللي لابسها؟! إنتي اللي سكتيله سنين، وعيشتيه في دور سيد الرجالة، لحد ما صدق نفسه وافتكر إنه يقدر يرميكي في الشارع!
الكلام فوقني زي القلم على الوش. أيوا.. الشقة دي شقتي! العمارة كلها تلات أدوار، الأرضي بتاع حماتي، والدور التاني شقة شيماء اللي مقفولة مستنية عدلها، والدور التالت شقتي، بس السطوح مشترك، والأرض والحيطان دي بتاعتي أنا، أنا اللي بنيت الدور التالت ده بفلوس ورث أبويا بعد ما اتجوزت صابر بسنتين، وصابر كان ماضياً على العقد عشان الفلوس كانت كاش مني لأصحاب البيت الأصليين قبل ما حماتي تشتري الأرضي والأول! أنا اللي من خيبتي وطيبتي كنت بقول عيب، الراجل كرامته من كرامتي، وأنا وهو واحد، وسبت الحبل على الغارب لحد ما الحبل اتلف حوالين رقبتي وجه يشنقني بيه!
في اللحظة دي، سمعنا صوت صابر طالع على السلم، خطواته كانت تقيلة وسريعة، بيرزع برجليه كأنه باشا داخل قصر عبيد. الربع ساعة كانت خلصت. الباب اتفتح بالمفتاح بتاعه، ودخل وشه مقلوب، وعينيه بتدور في الصالة، اتفاجئ بوجود محمود الحداد قاعد على الكنبة وحاطط رجل على رجل، ومنفضة السجاير قدامه.
صابر وشه اتغير للحظة، بس ركب وشه القديم، وقال بنبرة جافة أهلاً يا محمود.. كويس إنك جيت، عشان تشوف أختك اللي مش عاملة حساب لراجل ولا لكبيرة البيت، وتفهمها إن البيت ده له أصول، واللي يكسر كلمة أمي ملوش عيش معايا!
محمود مقمش من