عزومات حماتي حكايات منــال عـلـي

لمحة نيوز

تقيلة دي تحويشة عشرين سنة... عشرين سنة من لحمي ودمي وصحتي. قلت بصوت مش طالع طب... ليه؟ ليه كل ده؟ وليه عايشين كده والخير ده كله موجود؟
سكتت لحظة طويلة... المسافة بين سكوتها وكلامها كانت مليانة وجع. وبعدها، شفت دموعها بتنزل لأول مرة في حياتي. الست اللي عمري ما شفتها بتضعف ولا بتبكي، دموعها نزلوا ساكتين، كأنهم سد واتهد مرة واحدة. مسحت خدها بطرف طربوش شالها وقالت أبو أحمد قبل ما يموت... ما سابش أملاك زي ما فاكرين. أبوهم كان مديون بمبلغ كبير جداً... مديون للغريب قبل القريب. يوم ما مات، الناس وقفوا على باب الغسل يطالبوا بفلوسهم. ولو كنت صرفت زي أي حد، ولو كنت عشت براحتي وأكلت وشربت وزيطت... كانوا خدوا البيت ده باللي فيه، وكانوا عيالي اترطمت أقدامهم في الشوارع واتشردوا.
حسيت إن الأرض بتهتز من تحتي، ودقات قلبي بقى ليها صوت مسموع في الأوضة. كملت وكلامها نازل عليا زي المية السخنة كنت كل جنيه أوفره... أسدد بيه دين. كنت أروح للتاجر فلان بالفكة أقوله خذ دول من الدين، وأروح للراجل فلاني بالليل عشان محدش يشوفني وأديله نص قسط. كنت أقسم السمكة نصين... وأقطع الفرخة حتت صغيرة عشان تكفي وتفيض للبيت كله وأوفر التمن... كنت باكل الحتة الصغيرة وأسيب الكبير للأولاد وأقولهم أنا شبعانة... عشان أوفر كل مليم وأقفل باب الدين اللي كان هيعرينا.
حطت إيدها على العلبة وكملت بكسرة ولما خلصت الدين كله... ولما تسدد أخر إيصال من دول من كذا سنة... مقدرتش أبطل. شهقت بصوت واطي، وهي استرسلت الخوف فضل ساكن جوايا يا بنتي. الخوف بقى يجري في دمي زي السّم. بقيت كل ما أشوف أكل كتير على السفرة... أخاف يخلص ونرجع لزمان. كل ما أشوف فلوس تتصرف في فاكهة ولا حاجة زيادة... أخاف تيجي الأيام وتحتاجها العيلة وما ألاقيش. بقيت شايفة الفقر واقف على الباب بيستنى بس لحظة تساهل عشان يدخل ياكلنا.
أنا ساعتها ماقدرتش أمسك دموعي... الدموع نزلت من عيني سخنة ومغرقاني. افتكرت كل مرة اتضايقت منها، كل مرة اتريقت عليها بيني وبين نفسي، كل مرة اتذمرت لما تقولي أقطعي الطماطم نصين، أو لما كانت بتشيل بقية الأكل في الثلاجة حتة حتة. قلت وأنا بعيط وبمسح وشي بكتفي طب ليه ماقولتيش لحد؟ ليه شلتي الهم ده لوحدك طول السنين دي كلها؟ ليه ما عرفتيش أحمد ولا إخواته عشان يعذروكي؟
هزت راسها بنفي وقالت بصوت مليان شموخ مجروح الكرامة يا بنتي... الكرامة. مقدرتش أخلي عيالي يعيشوا يحسوا إن أبوهم سابلهم جبل ديون. كنت عايزة الصورة تفضل حلوة في عينيهم، يفتكروا أبوهم الراجل الطيب المستور، وما يحسوش بالذل قدام حد. مش كل حاجة تتحكي يا بنتي... في حاجات بنموت وهي مدفونة جوانا عشان غيرنا يعيش مرفوع الراس.
في اللحظة دي بالظبط... اتفتح باب الشقة. دخل أحمد جوزي وأخته نهى ومعاهم باقي العيلة والعيال، أصواتهم كانت عالية وبيضحكوا، بس أول ما دخلوا الصالون وساد الهدوء، الشحوب اللي في وشنا والدموع غطت الأوضة. بصوا علينا باستغراب شديد. أحمد قرب خطوة وقال بقلق في إيه؟ مالكم يا جماعة؟ في إيه يا منار إنتي وأمي؟ مالكم بتعيطوا كده؟
الحاجة فاطمة قامت ببطء من مكانها. مسحت دموعها بسرعة بطرف كمها، وقفت مشدودة الظهر، وبصت لأولادها واحد واحد... للنظرات اللي طالما حملتها مسؤوليتهم، وللعيون اللي طالما شافتها بخل وتقتير. وقالت لأول مرة قدامهم كلهم بصوت مهزوز بس قاطع أنا تعبت... أنا تعبت يا أولادي.
سكتوا كلهم. الضحك اختفى، والتذمر اللي كان على وش أحمد اتقلب لذهول. محدش فيهم عمره سمع أمه بتقول الكلمة دي... تعبت. كملت وهي بتبص لأولادها وعينيها بتلمع بالدموع سامحوني... أنا حرمتكم من حاجات كتير زمان ودلوقتي... مش عشان البخل والله... ولا عشان أنا مستخسرة فيكم المية... أنا حرمتكم عشان كنت خايفة عليكم. كنت خايفة الزمان يغدر بيكم زي ما غدر بأبوكم من بعده، وكنت خايفة تسدوا ديون وتقفوا على الأبواب.
نهى وقفت مكانها مشدوهة، ودموعها نزلوا فوراً قبل ما تفهم كل التفاصيل، جريت عليها بحفاوة وحضنتها جامد وهي بتعيط وبتقول سامحينا إحنا يا أمي... سامحينا إحنا اللي ما فهمناش ولا حسنا بيكي.
وأحمد قرب بخطوات ثقيلة، كان باين عليه الصدمة وهو بيبص للعلبة المفتوحة والأوراق القديمة ورزم الفلوس، مسك إيد أمه وباسها بلهفة وحرارة، وبعدها حضنها لأول مرة من سنين طويلة... حضن كان فيه اعتذار عن كل ظن سيء وكل كلمة اتقالت في غيابها.
الجو كان محمل بمشاعر تقيلة، دموع ومسامحة ووجع سنوات بيدوب في لحظة. وفجأة... وسط الدموع والحضن والهدوء المفاجئ، حفيدها الصغير ياسين قرب منها بخطوات خجولة، مسك في جلابيتها ورفع وش الصغير وبص لها ببراءة وقال يعني يا تيتة... دلوقتي ينفع آكل الموز اللي في التلاجة كله وما تزعليش؟
بصينا لبعض... الموقف كان غريب وغير متوقع، وفي لحظة تحول البكاء والوجع لضحك طالع من جوه قلوبنا. انفجرنا كلنا في الضحك وسط الدموع، ضحك طالع بعد سنوات من الكتمة والضغط. الحاجة فاطمة طبطبت على راس ياسين وابتسمت ابتسامة صافية أول مرة أشوفها، ابتسامة مافيهاش أي خوف أو حذر كول يا حبيب تيتة... كول بالهنا والشفاء، الموز كله بتاعك يا ياسين.
ومن اليوم ده... حياتنا في البيت اتغيرت تماماً. السفرة بقت تتغير، الخوف اللي كان مخيم على البيت اتمسح. السمكة بقت تنزل كاملة ومقرمشة ومحدش بيقسمها بالنص. والفرخة رجعت تتقطع أربع أرباع زي أي بيت مرتاح ومبسوط. والفاكهة بقت محطوطة في طبق كبير في نص الترابيزة، والعيال رايحين جايين ياكلوا منها من غير ما حد يعد عليهم أكلوا كام واحدة.
لكن الحاجة الوحيدة اللي ما اتغيرتش... والحمد لله إنها ما اتغيرتش... إن الحاجة فاطمة كل ما تقعد معانا على السفرة وتحط الأكل قدامنا، كانت تبص لنا كلنا بنظرة رضا دافية، تبتسم وتعدل شالها وتقول كلمتها اللي بقت قانون بيتنا النعمة رزق... والرزق لما يتشارك... بيزيد وما ينقص أبداً.
تمت.

تم نسخ الرابط