عزومات حماتي حكايات منــال عـلـي
عزومات حماتي
الجزء الأول
حماتي أصرت تعزمنا كلنا يوم الجمعة أنا وجوزي، وإخواته البنات، وجوز أخته الكبيرة وابنها الصغير.
دخلت المطبخ عشان أساعدها، لقيتها واقفة قدام الحوض ماسكة سمكة كبيرة. ابتسمت وقلت لها الله يا طنط... شكلها حلو أوي! بصتلي بطرف عينها وقالت دي تكفي.
استغربت... تكفي إيه وإحنا سبع أفراد؟! وقبل ما ألحق أسألها، جابت السكينة وقسمت السمكة نصين بالظبط. افتكرتها هتعملها بنوعين مختلفين، لكن اتصدمت لما لقيتها حطت نص واحد في الصينية، والنص التاني... رجعته التلاجة!
ابتسمت وسألتها بهدوء هو في حد مش هياكل سمك؟ ردت بمنتهى البرود لا... النص ده للأسبوع الجاي. ضحكت تلقائيًا وفاكراها بتهزر، بس ملامح وشها كانت جادة جدًا.
بعدها طلعت فرخة، فقلت في سري الحمد لله... أكيد هنعوض. بس اللي شفته بعدها صدمتني أكتر! غسلت الفرخة وقعدت تقطع فيها صدر، ورك، جناح، رقبة، ضهر... حتى أطراف الجناحات فصلتها! وقعدت تعد وهي بتقطع واحد... اتنين... تلاتة... لحد ما خلتهم اتناشر حتة!
بصيت لها وأنا مش مصدقة وسألتها هو إحنا كام واحد؟ سبعة. طب ليه 12 حتة؟ ردت بابتسامة غريبة عشان كل واحد ياخد حتة... ويفضل كمان!
وقفت عند الكلمة الأخيرة... يفضل؟! يعني إيه وليه لازم يفضل؟ بس سكت وقلت يمكن دي طريقتها في التدبير والتوفير.
ولما السفرة اتفرشت، اتفاجئت إن كل واحد قدامه طبق رز كبير، ومعلقتين خضار، وحتة فرخة أصغر من كف الإيد، وشريحة سمك رفيعة أوي! جوزي كان بياكل عادي ولا كأن في حاجة غريبة، وإخواته نفس الكلام... ولا حد فتح بقه!
فضلت باصة لطبقي، فلقيت حماتي بتقول بصوت عالي مالك؟ قلت لها بابتسامة متوترة لا مافيش... بس كنت فاكرة السمكة أكبر. ردت بسرعة الأكل بالبركة. أكيد... بس الحقيقة إني قمت من على الأكل وأنا لسه جعانة.
بعد الأكل، دخلت المطبخ أشيل الأطباق، ولقيت المفاجأة... التلاجة مليانة من خيرات ربنا لحمة، فراخ، سمك، جبن، فاكهة، وحتى حلويات! يعني البيت مش ناقصه أي حاجة... طب ليه كل التقتير ده؟!
وإحنا راجعين في العربية، سألت جوزي، فضحك وقال أمي طول عمرها كده. بس ليه بس؟! بتحب الاقتصاد. اقتصاد إيه! دي قسمت الفرخة ل حتة! رد وهو سايق ببرود ما تكبريش الموضوع يا حبيبتي.
حاولت أعدي الموضوع وأنسى، بس كل أسبوع كانت بتتكرر نفس الحكاية مرة سمكة تتقسم نصين، مرة كيلو لحمة يقعد شهر كامل، ومرة طبق فاكهة ممنوع حد يهوب ناحيته! لدرجة إن ابن أخت جوزي مرة مد إيده عشان ياخد موزة، فزعقت فيه حماتي وقالت سيبها! دي للضيوف! الولد بص لها ببراءة وقال هو إحنا مش ضيوف يا طنط؟ ضحكنا كلنا، إلا هي... فضلت ساكتة وباصة للموز كأنه دهب!
الغريب إن كل ده بيحصل، وفي نفس الوقت كل شوية بتصرف وتطلع فلوس! مرة تشتري ستارة جديدة، مرة تغير موبايلها، ومرة تجيب شاشة جديدة! يعني المشكلة مش مشكلة فلوس خالص... الموضوع أكبر من كده بكتير.
الفضول بدأ ياكل في قلبي، وفي يوم كنت عندها لوحدي، ودخلت المطبخ أجيب كوباية مية. سمعت صوتها جاي من أوضة النوم وهي بتتكلم في التليفون، وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي أيوة... لسه محدش خد باله خالص، وكلهم فاكرين إني بخيلة!
وقفت مكاني ونفسي اتقطع... هي بتتكلم عن إيه؟! ومين ده اللي محدش خد باله منه؟! وفاكرينها بخيلة ليه؟! قربت خطوة واحدة من باب الأوضة، ولسه هسمع بقية الكلام... سمعت صوت المفتاح بيلف في باب الشقة، وصوت جوزي وهو بينادي أنتِ فين يا حبيبتي؟
وفي نفس اللحظة، حماتي خرجت من الأوضة بسرعة. أول ما شافتني واقفة جنب الباب وشها اتغير تمامًا، وبصت لي بنظرة عمري ما هنسى رعبها، وقالت بصوت واطي ومخيف أنتِ... سمعتي إيه?!
الجزء الثاني والأخير
فضلت باصة لحماتي، وقلبي بيدق بعنف، كأن في مطرقة جوه صدري. هي كمان فضلت باصة لي، وقفتها كانت ثابتة بس عينيها بتتحرك بسرعة، كأنها بتمسح ملامح وشي عشان تعرف أنا سمعت إيه بالظبط، ووصلني قد إيه من السّر اللي عاشت دفناه سنين.
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أبتسم رسمية وهي بتقول واقفة عند الباب ليه يا منار؟ قلت بسرعة ونبرتي مهزوزة ولا حاجة يا ماما... كنت داخلة أشرب مية، وحسيت بنغزة في رجلي فسندت.
فضلت تبصلي ثواني طويلة... ثواني مرت عليا كأنها ساعات. نظرتها المرة دي كانت مختلفة تماماً عن كل المرات اللي فاتت. ماكانتش نظرة الست الشديدة اللي بتمسك في الصغير والكبير، ولا الست اللي بتعد القطع في الطبق، ولا حادة زوايا الكلام. لأول مرة أشوف عينيها بالشكل ده... لا فيها قسوة ولا عصبية، بالعكس... كان فيها تعب عمر كامل، انكسار قديم مستخبي ورا ظهر مشدود بالعافية.
قالت بصوت واطي وخافت جداً، صوت مسمعتهوش منها قبل كده تعالي يا منار... تعالي عايزاكي في حاجة.
مشيت وراها بخطوات بطيئة، كأني داخلة مكان مهجور ومحمل بأسرار أصحابها. دخلت وراها أوضة الصالون، وهي قعدت على الكنبة القديمة اللي خشبها مقشر، وأشارت لي أقعد قدامها. أول ما قعدت، بصيت في وش الحاجة فاطمة بتركيز. التجاعيد اللي جنب عينيها ماكانتش مجرد سنين كبرت، دي كانت خطوط مرسومة بالخوف والضغط.
قالت وهي بتبص للترابيزة اللي بيننا بصوت مبحوح إنتي فاكراني بخيلة... صح يا بنتي؟ ماعرفتش أرد. اللسان اتعقد. كنت هقولها إيه؟ أقولها إن كل البيت شايفك كده؟ إن فاطمة وإيمان أخوات جوزي بيتودودوا من وراكي؟ إن العيال الصغيرة بيخافوا يطلبوا فاكهة؟ حطيت وشي في الأرض وكتفت إيديا.
ابتسمت ابتسامة حزينة، شفايفها اترعشت وهي بتقول ما تخافيش، قولي. كلهم فاكريني كده... إنتي، وأحمد جوزك، ونهى أخته، والعيال... حتى الناس اللي برة بيمشوا يتهامسوا ويقولوا أم أحمد بتمسك الجنيه لما يعيط.
قامت من مكانها ببطء شديد، وركبتها أطلقت صوت طقطقة خفيف، مشيت ناحية أوضة النوم القديمة. فضلت قاعدة مستنية والفضول ويا الخوف بياكلوا في قلبي. رجعت بعد دقيقتين، شايلة بين إيديها علبة معدنية كبيرة بتاعة بسكوت قديمة، الصدأ آكل حرفها من الجوانب، ومتشالة في قماشة سودة كأنها حتة من روحها. حطتها قدامي على الترابيزة برفق شديد، كأنها بتحط طفل صغير، وقالت ونفسها متقطع خفيف افتحيها يا منار.
مديت إيدي وأنا بترعش، مسكت غطا العلبة الناشف وفكيتها ببطء... واتصدمت. عيني اتسعت وما صدقتش اللي شايفاه رزم فلوس... فلوس فئات مختلفة، منها ورق قديم جداً من بتاع زمان اللي مابقاش ينزل منه، ورزم جديدة ملفوفة بأستك. وجنب الفلوس، دفترين توفير كبار، وإيصالات أمانة، وأوراق تسديد مخرومة، وورق مدموغ بإختام قديمة باهتة.
بصيت لها باستغراب وذهول، وحسيت دماغي بتلف إيه ده كله يا طنط؟ قالت بنبرة خالية من أي فخر، نبرة فيها حسرة