صدمة الماضى....... روايات مشيره محمد

لمحة نيوز

وصلنا إسكندرية والجو كان مغيم والسما نازلة مطر خفيف يضايق كأنه بيغسل وساخة الدنيا بس مش قادر يغسل العك اللي في دماغي.
طول السكة اللي هي ساعتين من القليوبية للإسكندرية، سيد كان سايق وماسِك الدريكسون بإيدين بترعش، وأنا قاعد جنبه ساكت، باصص للأسفلت المبلول وبفتكر كل تفصيلة. تلات سنين كاملين وأنا فاكر إن خديجة سابتني عشان زهقت من عيشتي.. من الدم والسلاح والمشاكل والرجالة اللي داخلا طالعة البيت.. أثاريها كانت هربانة بعيالي! هربانة من القسوة والجحود اللي شافته مني.
سيد هدى السرعة ودخل في شوارع ضيقة شوية في منطقة ميامي، ووقف العربية تحت عمارة قديمة، الملاحية وراها والبحر صوته عالي.
قلت له بصوت واطي وأنا ببص للعمارة هي ساكنة هنا؟
سيد لف لي ووشه أصفر يا بيك.. الكلام اللي هقولهولك ده أنا عرفته بالعافية من واحد صاحبنا هنا في إسكندرية.. خديجة هانم اتجوزت واحد اسمه حسام.. حسام ده مهندس مقاولات، بس مستور يعني مش غني ولا حاجة.. المشكلة مش هنا يا بيك.
مسكته من ياقة قميصه وغضبي طفح أمّال المشكلة فين اخلص!
سيد بلع ريقه بصعوبة المشكلة إن حسام ده.. طلع هو اللي كاتب العيال باسمه أول ما اتولدوا.. خديجة لما جابتهملنا الدنيا كانت لوحدها ومحلهاش القرش، وهو شالها وشالهم.. والأنكح من كده يا بيك.. حسام ده طلع أخو واحد من الرجالة بتوعك القدامي اللي إنت قتلتهم زمان في خناقة الحلمية!
أنا إيدي سابت قميصه.. ورجعت بضهري لورا في الكرسي.. كأن حد ضربني بمطواة في قلبي..
يعني الراجل اللي مربي عيالي وكاتبهم باسمه.. أخو واحد دمه على إيدي؟ خديجة راحت للراجل ده بالذات عشان تحتمي فيه مني؟ ولا هي ما تعرفش؟ ولا الراجل ده داخل حياتها عشان ينتقم مني في عيالي؟
الدم غلى في عروقي، ونزلت من العربية زي المجنون.. سيد نزل ورايا وهو بيصرخ استنى يا بيك! بلاش تدخل بعشم ومطرقة.. الدنيا مش زي زمان، العيال هناك!
ما سمعتش منه حاجة.. طلعت السلم جري، درجات السلم كانت بتدشدم تحت جزمتي.. لغاية ما وصلت الدور التالت.. شقة بابها خشب قديم، مكتوب عليه يافطة صغيرة مهندس حسام الشاذلي.
فضلت واقف قدام الباب ونفسي طالع نازل.. إيدي اترعشت وأنا برفعها عشان أرد الباب.. خبطت خبطات متتالية وقوية.. خبطات سليم العطار لما يجي يهد بيت على دماغ أصحابه.
ثواني وسمعت صوت خطوات جوة.. وبعدين صوت راجل بيقول أيوه أيوه.. مين اللي بيخبط كده؟
الباب اتفتح..
وقف قدامي راجل في الثلاثينات، لابس نظارة طبية وشكله هادي جداً، لابسه ترينج بيتي.. نفس الصوت اللي رد عليا في التليفون.
أول ما شافني وشاف سيد واقف ورايا، عينيه وسعت والنظارة كادت تقع من على مناخيره.. عرفني في ثانية.. من صوري.. أو يمكن من الشبه اللي بيني وبين العيال.
قلت له بصوت زي هسيس الأفعى إنت حسام؟
حسام حاول يتظاهر بالقوة وصدره اتفرد بس عينيه كانت بفضح خوفه أيوة أنا حسام.. إنت عايز إيه يا سليم يا عطار؟ وجاي هنا تعمل إيه؟
زقيته بأيدي وزقيت الباب ودخلت الصالة رغماً عنه.. الصالة كانت متواضعة جداً.. العاب أطفال مرمية على السجادة، سيارات بلاستيك وعرايس عروسة صوف.. ريحة البيت كانت ريحة أكل بيتي وطفولة.. ريحة أنا حرمت نفسي منها عشان أجمع فلوس وأبني إمبراطورية من دم ودموع.
حسام مسكني من كتفي بغضب إنت هتستعبط؟ اخرج برة بيتي بدال ما أطلب لك الشرطة!
لفت له وبصيت له بعينين دم شرطة إيه يا حيلتها؟ إنت عارف أنا مين؟ وعارف إنت واخد مين وكاتب مين باسمك؟
وفجأة.. خرجت هي من المطبخ.. ماسكة في إيدها معلقة خشب وتطوقها المريلة.
خديجة..
وقفت مكانها كأن صاعقة ضربتها.. المعلقة وقعت من إيدها على الأرض ورنت.. وشها اتقلب أصفر كأن الدم اتسحب منه كليةً.
قالت بصوت مكسور وبترعش سليم؟!
بصيت لها.. كانت خديجة هي هي.. بس عينيها فيها انكسار عمري ما شفته.. عينين ست شالت الهم لوحدها.
قلت لها وأنا بتقدم ناحيتها خطوات بطيئة خديجة.. عملتي كده ليه؟ هربتي بعيالي ليه يا خديجة؟
حسام وقف بيني وبينها وقال بصوت عالي دول مش عيالك! دول عيالي أنا! أنا اللي شيلتهم وأنا اللي شريت لبنهم وأنا اللي سهرت جنبهم لما سخنوا! إنت كنت فين لما كانت بتموت من التعب؟ إنت كنت في كباريهاتك وشغلك الشمال!
أنا ما حسيتش بنفسي.. ضربته بنيّة في وشه طيرت النظارة ووقعته على الأرض.. خديجة صرخت بصوت هز العمارة سلييييم! بلاش إجرام هنا! العيال جوة!
وفي اللحظة دي بالضبط.. اتفتح باب الاوضة الجوانية..
وخرجوا..
ولد وبنت.. عندهم سنتين ونص.. لابسين بيجامات شبه بعض.. بيفركوا في عينيهم من النوم ومتخضين من الصوت العالي.
البنت بصلتي.. بصلتي بنفس عيوني.. ونفس المناخير ونفس رسمة الحواجب.
الولد كان ماسك في ديل بيجامة أخته.. خايف.
الزمن وقف.. الصوت اختفى.. حسام اللي على الأرض، وسيد اللي واقف عند الباب، وخديجة اللي بتبكي.. كل دول اختفوا من عيني.. وما فضلتش غير البنت والولد.
نزلت على ركبتي على الأرض.. لأول مرة في حياتي انزل على ركبتي قدام حد.. أنا سليم العطار اللي كبارات البلد بيعملوا له ألف حساب.. نازل على ركبتي قدام طفلين مش عارفين أنا مين.
مديت إيدي وأنا بترعش من فوقي لتحتي تعالوا.. تعالوا يا حبيبي..
البنت بصت لأمها وهي خايفة وقالت بصوت طفولي ناعم بابا حسام مالو يا مامي؟
الكلمة دي.. بابا حسام.. كانت أشد من كل الرصاص اللي دخل جسمي قبل كده.. البنت بتشور على الراجل اللي ضربته وتقول عليه بابا.
دمعة سخنة نزلت من عيني.. دمعة أنا ما عيطتش زيها من يوم ما أبوي اتقتل وأنا عيل صغير.
خديجة جرت على العيال وأخدتهم في حضنها، وبصت لي بعينين مليانة دموع وغل جايلنا ليه يا سليم؟ جاي بعد إيه؟ جاي تفتكر إنك عندك عيال بعد سنتين ونص؟
قمت وقفت ببطء وقلت لها بصوت مخنوق إنتي ما قولتيليش ليه يا خديجة؟ ليه حرمتيني منهم؟ ليه خليتيني أعيش السنين دي كلها فاكر إني لوحدي؟
خديجة وقفت قدامي بكل شجاعة الدنيا، وشها قريب من وشي وقالت أقولك؟ أقولك إزاي وأنت كنت مش فاضي غير لدمك وشغلك؟ افتكر يا سليم.. افتكر اليوم اللي جيت أقولك فيه أنا تعبانة ومحتاجاك.. قولت لي إيه؟ قولت لي كل حاجة تقيلة وأنا شغال! يوم ما طلبت منك تروح معايا للدكتور عشان نسمع نبضهم.. بعت لي السواق! السواق يا سليم! السواق هو

تم نسخ الرابط