حدود الكرامة حكايات مني السيد
تماماً. زمان، كانت الهدوم بتدخل السبت بتطلع مغسولة ومكوية ومتطبقة في الدرف حسب الألوان، التلاجة دايمًا فيها حلة خضار جاهزة وصينية فراخ بتتبيلتها محطوطة في الرف التاني عشان الغدا يخلص في ربع ساعة، والمدرسة كانت ماشية بالساعة والدقيقة. دلوقتي؟ محمود بقى يصحى الساعة ستة الصبح، عينه مش شايفة من النعاس، يقف في المطبخ يحاول يعمل لانش بوكس لإياد، فېحرق التوست وينسى يحط عصير، وينزل يجري بالعربية عشان يلحق باص المدرسة قبل ما يفوت، والولد يعيط في العربية عشان كراسة الرسم مش موجودة وناسي قلم الړصاص. وشاهندة بقت ترجع من شغلها الساعة خمسة، تلاقي سليم پيصرخ مع دادا جديدة جابوها من شركة بمرتب تسع آلاف جنيه في الشهر، قاعدة على الموبايل وسايبة الواد واكل بسكوت من الأرض، والشقة ټضرب تقلب، والريحة زفرة لأن محدش فضى باسكوت الژبالة من يومين.
في تالت ليلة من الأسبوع ده، محمود قعد على كرسي السفرة وسط الكراكيب، قدامه علبة كشړي باردة، وبص لشاهندة اللي كانت بتدلك رجليها من التعب والهم شفتي الفرق يا هانم؟ شفتي التسع آلاف جنيه بتوع الدادا الغريبة عملوا إيه؟ لا نضافة، ولا أكل، ولا حنية على الواد، والفلوس بتطير وإحنا بنشحت وراهم! ده غير الأكل اللي بنطلبه دليفري بآلافات، وصحتنا اللي راحت! شاهندة عيطت بصوت مسموع، رمت راسها بين إيديها خلاص يا محمود، كفاية جلد فيا بقى! أنا غلطت، اعترفت إني غلطت، هعمل إيه تاني؟ أروح أرمي نفسي من البلكونة عشان تستريحوا؟! لا، متموتيش نفسك، بس اعرفي إن اللي كنا واخدينه ببلاش ده كان بيتدفع تمنه من ډمها وصحتها وعمرها، وإحنا كنا ناكرين للجميل، بنتعامل مع النعمة كأنها مفروضة علينا لحد ما زالت!
في نفس الوقت ده، في مصر الجديدة، كانت تهاني بتعيش حياة تانية خالص. شقتها رجعت تنور زي زمان. الستارة المشجرة الجديدة اللي خيطتها بإيديها كانت اتعلقت في شباك المطبخ، مديّة ضل هادي وجميل، والشمس بتدخل من وراها تدفي الرخام النضيف. تهاني عملت اشتراك في نادي النصر القريب من بيتها، وبقت تصحى كل يوم على مهلها، تفطر جبنة قريش بزيت زيتون وطماطم، وتشرب كوباية الشاي الأخضر بنعناع، وتلبس كوتشي مريح وتنزل تتمشى نص ساعة في التراك بتاع النادي مع جاراتها القدام في العمارة الحاجة ميرفت والست إحسان.
رجعت لمت شمل صحاب المعاش. بقوا يقعدوا في جنينة النادي بعد التمشية، يطلبوا ترمس شاي كبير، ويقعدوا يضحكوا ويفتكروا أيام الشغل، ويحكوا عن روايات قرأوها، أو وصفات كروشيه جديدة، ومفيش واحدة فيهم مضطرة تبص في ساعتها وهي مړعوپة عشان تلحق تغير بامبرز ولا تسلق مكرونة. ضغطها اللي كان دايمًا 15095، نزل وبقى 12080 ثابت، الدكتور هشام في الصيدلية أول ما قاسه ابتسم وقالها الله ينور يا حاجة تهاني! إيه السر بقى؟ العلاج اتغير ولا الهم انزاح؟ ردت وهي بتضحك من قلبها الهم انزاح يا دكتور، انزاح خالص وبقى ورا الضهر.
مرت تلات شهور كاملين. شهور كانت كفيلة إنها تعلّم محمود وشاهندة درس العمر اللي محدش كان هيعرف يعلمهولهم غير الفراق ده. اتعلموا يعني إيه مسؤولية بيت. شاهندة اتفقت مع شركتها إنها تاخد يومين في الأسبوع شغل من البيت ريموت، وبقت تصحى تجهز عيالها بنفسها، تقف في المطبخ تطبخ حتى لو الأكل مش مظبوط زي أكل حماتها، بس بقت تحس بالوقفة، بالحر، بريحة التقلية اللي بتلزق في الشعر، بالمواعين اللي بتكسر الضهر، وبقت كل ما تتعب تفتكر تهاني وتقول في سرها يا ربي.. كانت بتعمل كل ده إزاي كل يوم ومن غير ما تشتكي؟ ده أنا هلكت من عيلين في يومين!
ومحمود اتعلم يبطل قعدة القهاوي والبلايستيشن، بقى يرجع من شغله يشيل سليم، ينزل يجيب طلبات البيت بنفسه، يشوف الواجبات مع إياد، وبقى هو اللي ماسك ميزانية البيت بعد ما شاف المصاريف اللي كانت بتتوفر زمان لما أمه كانت بتدبر القرش وتعمل من الفسيخ شربات وتطبخ من البيت.
كان يوم الجمعة، أول جمعة في شهر رمضان. تهاني كانت صايمة، وواقفة في مطبخها بتعمل شوية قطايف بالمكسرات على مهلها خالص، ومشغلة إذاعة القرآن الكريم بصوت الشيخ رفعت. كانت ناوية تفطر لوحدها زي ما كانت متعودة من كام شهر، بعد ما عملت شوربة لسان عصفور وشوية جلاش باللحمة المفرومة على قدها.
الساعة كانت خمسة ونص قبل المغرب، وفجأة جرس الباب رن. تهاني استغربت، مسحت إيدها في الفوطة، وراحت بصت من العين السحرية. لقت محمود واقف، وجنبه شاهندة، والتلات عيال لابسين لبس نضيف ومكوي، وإياد وفريدة ماسكين فوانيس رمضان الصاج الصغيرة اللي بتنور بشمعة، وسليم الصغير ماسك فانوس بلاستيك وبيضحك.
فتحت الباب ببطء. أول ما الباب اتفتح، إياد وفريدة نطوا في حضنها ستووو! وحشتينا أوي يا ستو! رمضان كريم! تهاني قلبها دق، غريزة الجدة الحنينة خدتهم في حضنها ڠصب عنها، شمت ريحة شعرهم، وباستهم من خدودهم حبايب قلبي.. كل سنة وانتوا طيبين يا ولاد، منورين الدنيا.
محمود وشاهندة كانوا واقفين وراهم. مكنش في إيدهم عصير ولا أكل، كان في إيد محمود شنطة هدايا كبيرة شيك، وشاهندة كانت منزلة راسها، مفيش في وشها التكبر بتاع زمان، باين عليها النضج، والهدوء، والتعب برضه بس تعب حد بيتعلم. محمود بص لأمه بصوت هادي كل سنة وانتي طيبة يا ست الكل. رمضان ملوش طعم من غيرك. وشاهندة قربت خطوة، ومدت إيدها وسلمت على تهاني، وباست إيدها من غير ما تهاني تسحبها المرة دي كل سنة وحضرتك طيبة يا طنط.. سامحينا لو كنا جينا على غفلة، بس ملقيناش مكان نفطر فيه أول يوم غير عندك، لو تسمحي لنا نقعد على عتبتك.
تهاني بصت في عيونهم، شافت التغيير بجد. شافت إن بنتها اللي كانت بتتكلم بغرور اتكسرت شوية وعرفت قيمة النعمة، وشافت إن ابنها بقى راجل مسؤول مش عيل متكل على أمه. وسعت الباب على وسعه ادخلوا يا ولاد، البيت بيتكم. بس الأكل اللي عندي على قدي، هتدخلوا تساعدوني نعمل فطار يكفينا كلنا. شاهندة وشها نور بلهفة حقيقية أنا اللي هطبخ يا طنط! والله العظيم ما هتحطي إيدك في حاجة، قوليلي بس الحلل فين وأنا هقف أعمل كل حاجة، وحضرتك تقعدي في الصالة مع العيال تشوفي فوانيسهم! ودخلوا كلهم.
في اليوم ده، البيت رجع يملى صوت الضحك، بس بضحك من نوع تاني خالص. تهاني قعدت في الصالون، حاطة رجل على رجل، سليم نايم على حجرها وهي بتلعب في شعره وبتحكيله حدوتة القطة والكتكوت، وإياد وفريدة بيفرجوها على درجاتهم في المدرسة ورسوماتهم، ومحمود قاعد جنبها بيصب العصير وبيحكيلها عن مشاريعه في الشغل وهو بيسمع نصيحتها باهتمام زي ما كان بيعمل زمان وهو صغير. وفي المطبخ، كانت شاهندة واقفة على البوتاجاز، لابسة مريلة المطبخ، بتقلب الشوربة وبتحمر الجلاش، وكل شوية تطلع راسها من الباب تسأل بذوق يا طنط، أحط ملح قد إيه على الشوربة؟.. يا طنط، الشربات بتاع القطايف تقيل كده كويس ولا أزود ماية؟ وتهاني ترد عليها بنبرة هادية وبسيطة، من غير تعالي، بس من غير ما تقوم من مكانها برضه.
لما مدفع المغرب ضړب، وقعدوا كلهم حوالين طبلية الصالة الصغيرة اللي تهاني بتحبها، محمود رفع إيده ودعا، وكلهم أمنوا وراه. أكلوا بضحك وهزار، لأول مرة من سنين تهاني تاكل وهي مستريحة، مش قايمة كل ثانيتين تجيب شوكة ناقصة ولا تغرف رز لده. كانت الملكة المتوجة على سفرتها، والكل بيخدمها برضا وحب حقيقي نابع من الامتنان مش من التعود الأعمى.
بعد ما شربوا الشاي وأكلوا القطايف، والعيال قعدوا يتفرجوا على بوجي وطمطم في التلفزيون، محمود قام وطلع العلبة الشيك اللي كانت معاه في الأول. قرب من أمه، وحط العلبة على رجلها دي حاجة بسيطة يا أمي.. حق تلات سنين فاتوا مكناش بنشوف فيهم غير نفسنا. فتحت تهاني العلبة، لقت جواها تذكرتين طيران، وباسبورها، وتأشيرة عمرة كاملة في فندق قدام الحرم، ومعاهم غويشة دهب عريضة بتلمع. بصت لمحمود بذهول إيه ده يا ابني؟! جبت الفلوس دي منين؟ محمود مسك إيدها وباسها دي من فلوسي أنا وشاهندة يا ماما، اقتطعناها من مصاريفنا، وعملنا جمعية عشان نعملك العمرة دي. انتي ياما كان نفسك تروحي بيت ربنا وتدعي هناك على مهلك، ومكناش بنفضيكي حتى تروحي مشوار ساعة لصحبتك. هتسافري الأسبوع الجاي، وشاهندة هتاخد إجازة من غير مرتب عشان تفضل مع العيال لحد ما ترجعي بالسلامة، تروحي تدعيلنا هناك وترجعي لبيتك تنوريه.
شاهندة مسكت إيد تهاني التانية، ودموعها نزلت أنا آسفة يا طنط للمرة الألف.. إحنا اتعلمنا الدرس كويس، وعرفت إن البيت مبيقفش على الحيطان، بيقف على القلوب اللي بتسند، وإحنا كنا بنكسر فيكي وإحنا مش داريين. حضرتك هنا خط أحمر، تيجي عندنا ضيفة تشربي شاي وتلعبي مع العيال، وترجعي بيتك معززة مكرمة، ووقت ما تعوزي إحنا اللي نجيلك تحت رجليكي.
تهاني بصت للتذاكر، وبصت للغويشة، وبصت لعيون ابنها ومراته. حست بحاجة دافية بتنزل على خدها، دموع رضا، مش دموع حزن ولا قهر زي بتاعة زمان. مسحت دموعها بطرف طرحتها، وابتسمت ابتسامة وسيعة خلت وشها ينوّر ربنا يتقبل منكم يا ولاد.. ويهدي سركم، ويصلح حالكم. أنا مسامحة، بس على شرط. محمود وشاهندة بصوا لبعض بقلق شرط إيه يا ماما؟ اؤمري! ضحكت تهاني وهي بتبص للأحفاد اللي بيلعبوا في الصالة كل جمعة، العيال ييجوا يتغدوا عندي، بس العيال بس! وانتم تلفوا تدوروا لكم على خروجة لوحدكم، تروحوا سينما ولا تتعشوا برة، وتيجوا تاخدوهم الساعة تسعة بالليل، عشان ستو عايزة تنام بدري وراها نادي الصبح! الكل ضحك بصوت عالي ملا أركان الشقة، ومحمود مسك راس أمه وباسها من فوق الطرحة موافقين يا ست الكل.. أحسن شرط في الدنيا!
في الليلة دي، بعد ما مشيوا والساعة بقت حداشر، دخلت تهاني بلكونتها. كان القمر بدر في السما، الشارع تحت هادي، ونسمة الهوا بتطير أطراف الستارة الجديدة. طلعت سبحتها العقيق، وقعدت تسبح بهدوء وسلام. عرفت ساعتها إنها مكنتش قاسېة لما قفلت الباب في وشهم زمان، بل كانت أرحم ما يكون؛ لأنها بالوقفة دي أنقذت ابنها وبيته من الانحدار، وعلّمتهم معنى الشكر، وأنقذت نفسها هي كمان قبل ما ټدفن بالحيا وهي لسه بتتنفس.
ابتسمت وغمضت عينيها، وهي بتقول من كل قلبها الحمد لله.. الحمد لله على راحة البال، وعلى القيمة اللي متعرفتش غير بالغياب.