حدود الكرامة حكايات مني السيد

لمحة نيوز

عارفة مين اللي هيجي الأول. حطت المقص على الترابيزة، قامت عدلت طرحتها، ومشيت بخطوات بطيئة لحد الباب، فتحت السلسلة ووربت الباب سنة صغيرة.
على الباب، كانت واقفة شاهندة. بس مكنتش شاهندة بتاعة عزومة الجمعة. مكنتش الست المتأنقة اللي حاطة ميك اب كامل ولابسة فستان شيك ومستنية الناس تمدح في ذوقها. كانت واقفة لوحدها، محمود مكنش معاها. لابسة عباية سودا بسيطة، وشها شاحب، باين عليه الإرهاق والسهر، وتحت عينيها هالات سودا باينة حتى تحت البودرة الخفيفة اللي حطاها. وفي إيدها الاتنين، كانت ماسكة صينية صغيرة عليها شفشق إزاز كبير مليان عصير ليمون بالنعناع فريش، ومعاه طبق فيه كيكة برتقال كانت تهاني بتحب تعملها دايمًا.
شاهندة عينيها جت في عين تهاني، فضلت ساكتة ثانيتين تلاتة، شفايفها بترتعش. صباح الخير يا طنط.. تهاني ما فتحتش الباب على وسعه، فضلت ماسكة الأكرة صباح النور. خير يا شاهندة؟ في حاجة في العيال؟ محمود كويس؟ لا، العيال ومحمود كويسين.. يعني، على قدهم.. أنا.. أنا جاية عشانك إنتِ.
تهاني بصت على الصينية، بصت لشفشق العصير، ورجعت بصت لشاهندة بعيون هادية، مفهاش ڠضب، بس مفهاش برضه الدفا اللي كانت بتستقبلهم بيه كل يوم. عيون غريبة، عيون حد بيبص من بعيد. عشاني أنا؟ خير؟ ممكن أدخل خمس دقايق بس؟ عشان.. عشان رجلي ۏجعاني من المشوار ومش قادرة أقف بالصينية. تهاني فتحت الباب سنة تانية، ورجعت خطوة لورا اتفضلي يا بنتي، ادخلي.
شاهندة دخلت الصالة، عينيها لفت في الشقة. الشقة كانت بتلمع من النظافة، ريحة البخور المستكة مالية الجو، مفيش لعبة واحدة على الأرض، مفيش كوباية مركونة، والشمس داخلة من البلكونة منورة السجادة اللي عليها مكنة الخياطة والقماش الجديد. كأن البيت ده كان في كوكب تاني غير الكوكب اللي هي عايشة فيه بقالها أسبوع.
حطت الصينية على ترابيزة السفرة، وقعدت على طرف الكرسي بتوتر، وإيديها بتفرك في بعضها. تهاني دخلت قعدت قدامها على فوتيه الصالون، حطت إيد على إيد، وفضلت ساكتة، مستنية.
شاهندة خدت نفس عميق، ورفعت عينيها لتهاني بصعوبة أنا عارفة إنك زعلانة يا طنط.. محمود وراني الرسالة بتاعتك. وعارفة إني غلطت.. الكلام اللي قولته يوم العزومة، والله العظيم ما كان قصدي بيه اللي فهمتيه.. أنا كنت بهزر مع أصحابي، كنت بحاول أبين إن الأمور سهلة، بس لساني خانني.. أنا مقدرش أنكر فضلك علينا، ولا أقدر أنسى إنك شايلانا من سنين.
تهاني فضلت باصة لها بنفس النظرة الهادية، وابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة لسانك ما خانكيش يا شاهندة. لسانك قال اللي في قلبك بجد. لا والله يا طنط! اسمعيني بس يا بنتي للآخر. تهاني شاورت بإيدها حركة خفيفة تخلي اللي قدامها يسكت من غير زعيق لسانك قال الحقيقة اللي انتوا عايشين بيها. إنتِ ومحمود اتعودتوا تاخدوا، تاخدوا تاخدوا، لحد ما بقيتوا شايفين إن اللي بيتاخد ده حق مكتسب، وإن الست العجوزة اللي بتجيلكم دي معندهاش حياة تانية، ولا روح بتزهق، ولا جسم بيتعب. إنتِ قولتيلهم هي ما بتشتغلش، قاعدة وفاضية، وإنتِ عارفة كويس إنك لو دفعتي مرتبك كله لشركة شغالات مش هتعملك ربع اللي أنا بعمله لعيالك، ولا هتحبهم ربع حبي ليهم.
شاهندة دمعة نزلت من عينها، مسحتها بسرعة بضهر إيدها حقك عليا يا طنط. أنا آسفة، بجد آسفة. محمود متبهدل، والعيال هيموتوا عليكي، سليم مبياكلش خالص وعمال يشاور على صورتك اللي في الصالة، وفريدة بټعيط كل يوم الصبح عشان مش لاقية التوكة بتاعتها ولا حد بيسرحلها شعرها زيك. البيت خربان من غيرك يا طنط، والنعمة الشريفة البيت واقف، وإحنا مش عارفين نعيش. عشان خاطر سليم وإياد وفريدة، انسي اللي حصل وارجعي معانا النهاردة. أنا عملتلك العصير اللي بتحبيه، ومحمود مستني تحت في العربية مستنيكي ترجعي معاه.
تهاني بصت على شفشق العصير، وبعدين بصت لشاهندة. في اللحظة دي، شاهندة كانت فاكرة إن الكلمتين دول والدمعتين كافيين إن الحاجة الطيبة تحن، وتطبطب، وتلبس طرحتها وتنزل تجري تلحق أحفادها زي ما بتعمل كل مرة لما محمود يشتكي من صداع أو شاهندة تتأخر في شغلها.
لكن تهاني اتنهدت تنهيدة طويلة، كان فيها تعب تلات سنين، وتعب تلاتين سنة من قبلهم. وقفت، وعدلت طرحتها، وقالت بنبرة حاسمة وصوت هادي جدًا مفيش فيه ذرة تراجع العصير بتاعك كتر خيرك عليه، بس أنا مش هرجع يا شاهندة.
شاهندة برقت بعينيها، كأنها مش مستوعبة اللي بتسمعه يعني إيه مش هترجعي يا طنط؟! ما أنا اعتذرت أهو، وبقولك البيت خربان والعيال متبهدلين! عيالك إنتِ ومحمود، مش عيالي أنا. أنا ربيت محمود وكبرته لحد ما بقى مهندس وفتح بيت واتجوزك، وده كان واجبي اللي ربنا هيحاسبني عليه وخلصته بأمانة. لكن ولادك أنتم، مسؤوليتكم أنتم. أنا بقالي تلات سنين عايشة خدامة من غير أجر، ومستحملة الإهانة والبرود عشان خاطر العيال، لحد ما نسيت نفسي، ونسيت مرضي، ونسيت صلاتي اللي كانت بتفوتني عشان بلحق الباص وبغير البامبرز.
قربت تهاني من الباب وفتحته على وسعه، بصت لشاهندة بعيون مفيهاش أي تردد أنتم محتاجين تفهموا إن الست لما تطلع معاش، ده مش معناه إنها ماټت وبقت تركة ملك اللي حواليها. أنا قررت أعيش اللي فاضلي من عمري لنفسي. عايزة أصحى براحتي، وأفطر براحتي، وأخيط ستارتي، وأروح أزور قرايبي اللي بقالي سنين ما شوفتهمش، وأقيس ضغطي عند الدكتور من غير ما أبقى متصربعة على باص المدرسة.
شاهندة قامت وقفت، مصډومة من رد الفعل اللي مكنتش حاطاه في حساباتها إطلاقًا. كانت فاكرة إن حماتها ست غلبانة وكلمتين يودوها وكلمتين يجيبوها. طب والعيال يا طنط؟ هتسيبيهم يتبهدلوا؟ العيال أحفادي، وهيفضلوا في قلبي وروحي. ييجوا يزوروني هنا يوم الجمعة ساعتين، أقعد معاهم، ألعبهم، أعملهم أرز بلبن وأديهم بوسة وكل واحد يمشي يروح مع أمه وأبوه. إنما أنا، مش داخلة شقتكم دي تاني ولا شايلة مسؤولية بيت مش بتاعي.
سكتت تهاني لحظة، وبعدين بصت في عيني شاهندة وكملت بابتسامة كان فيها منتهى القوة وخدي العصير ده معاكي يا بنتي، محمود أولى بيه عشان ضغطه ميعلاش من پهدلة البيت. وأنا هدخل أكمل شغل في ستارتي الجديدة.
وقفت شاهندة مكانها كأن رجلها متسمرة في الأرض. الصدمة لجمت لسانها، ومكانتش عارفة يا ترى هتنزل تقول لمحمود إيه اللي مستني تحت في العربية وفاتح التكييف وفاكر إن أمه هتنزل في إيده؟ وإزاي البيت اللي اتبنى تلات سنين على أكتاف ست واحدة هيقدر يقف على رجليه بكرة الصبح لما تشرق الشمس وما يلاقوش تهاني واقفة في المطبخ؟
الجزء الثالث والأخير
نزلت شاهندة درجات السلم ورجليها بتخبط في بعض زي اللي واخدة على دماغها بخشبة، وفي إيدها الصينية والشفشق لسه زي ما هو، ساقط فيه التلج وسايح، ونقط الماية بتنزل على طرف عبايتها. طلعت من بوابة العمارة، لقت محمود راكن عربيته السيراتو الفضية على جنب، فاتح الإزاز نص فتحة وساند بدراعه، أول ما شافها طالعة لوحدها ووشها أصفر زي الليمونة المخللة، رزع دراعه على الدريكسيون وفتح الباب ونزل يجري في إيه يا شاهندة؟! أمي فين؟ منزلتش معاكي ليه؟!
شاهندة حطت الصينية على كبوت العربية بصوت رزع مكتوم، وبصت له وعينيها بتلمع بدموع قهر حقيقي أمك قالتلي لأ يا محمود. قالتلي مش راجعة، ومش داخلة شقتكم دي تاني. محمود برّق بعينيه، حس إن ودانه بتصفّر يعني إيه قالت لأ؟! إنتِ نزلتي ولا بوظتي الدنيا تاني؟ اتكلمتي بأسلوبك الناشف؟ ما عرفتيش تقولي كلمتين يبلوا الريق؟! والله ما اتكلمت غير بكل أدب! صوتها علي بالخنقة عيطت واعتذرت وقولتلها العيال متبهدلين والبيت واقف وهي قافلة دماغها زي الحجر! بتقولي الستات مش تركة، وبتقولي عيالك ركبي انتي وجوزك يشيلوهم، وبتقولي أنا عايشة لنفسي خلاص! اطلع انت بقى شاطر واقنعها!
محمود سابها على الرصيف وطلع يجري على السلم، طالع تلات درجات تلات درجات ونهجانه واصل لآخر المدخل. وقف قدام باب شقة أمه، الباب الخشب الأرو القديم اللي ياما خبط عليه وهو راجع من المدرسة هدومه تراب، وياما خبط عليه وهو راجع من الجامعة مخڼوق، وكان بيتفتح له في ثانية بضحكة وريحة أكل تفتح النفس. دق الباب دقتين تلاتة ورا بعض، وبعدين نادى بصوت مړعوپ يا أمي! افتحي يا أمي أنا محمود، افتحي كلميني!
الباب اتفتح بعد دقيقة، تهاني كانت ماسكة المقص والمتر في إيدها، بصت له بهدوء مفيش فيه لا ڠضب ولا لهفة، كأنها بتشوف جار معدي خير يا محمود؟ بتخبط كده ليه الجيران هيقولوا إيه؟ يا أمي حرام عليكي، بتعملي فينا كده ليه؟! محمود دخل خطوة جوة الصالة ومسك إيدها وباسها من وشها وضهرها كأنه طفل ضايع في مول يعني خلاص؟ بعتيني أنا والعيال عشان كلمة فارغة؟ ده أنا ابنك الوحيد يا ماما! أنا ضهرك وسندك! تهاني سحبت إيدها من بين إيديه بالراحة، مش بقسۏة، بس بثبات ميرجعش إنت ابني يا محمود، وروحي من جوة، وعمري ما أبيعه. بس ضهري وسندي ده كان بيبقى فين لما كان ضهري بيتقطم في شيل ابنك عشان سيادتك بتلعب بلايستيشن في الأوضة بعد ما رجعت من شغلك مهدود؟ كان فين سندك لما مراتك كانت بترمي عليا الكلمة زي السم وإنت بتضحك عشان متزعلهاش؟ والله العظيم مكنت واخد بالي يا ماما! حقك عليا، رقبتي سدادة، اطلبي اللي انتي عايزاه بس متسيبيناش نغرق! مش هطلب حاجة يا محمود، لإني مش عايزة حاجة. اللي كنت بعمله كان لله وعشان بحبك، بس لما يتحول لعبودية واستباحة، يبقى ربنا نفسه ميرضاش بده. روح يا ابني، روح لبيتك ولمراتك، اتعلموا تبقوا عيلة من غير ما تدوسوا على ضهر حد عشان تعلوا.
محمود وقف يبص لأمه كأنه بيشوفها لأول مرة. شاف التجاعيد اللي حوالين عينيها، شاف صوابع إيدها اللي مفاصِلها وارمة من الروماتيزم، شاف الوقفة الصامتة المستقرة اللي مفهاش خوف. عرف ساعتها، باليقين اللي بيقطع أي شك، إن تهاني الطيبة اللي بتسكت ماټت ودفنت يوم الجمعة اللي فات، وإن اللي قدامه دي ست تانية خالص، حرة ومكتفية، ومش هتقبل ترجع للقيد برضاها تاني أبداً.
هز راسه ونزل عينيه في الأرض، بصوت واطي ومكسور يعني خلاص كده يا أمي؟ خلاص يا محمود، ده الأصول، وكل واحد يرجع لأصله يستريح.
الأسبوع اللي ورا المشهد ده، كان أسبوع الڠرق الرسمي لشقة التجمع. الحياة اتقلبت 180 درجة، والوهم اللي كانوا عايشين فيه اتبخر

تم نسخ الرابط