طـبق الكـوكيز بقلـم حكايات منـال علي
المحتويات
المطبخ، وقعدت مع العيال. وبعدها بوقت قليل جوزي رجع.
أول ما دخل، لقيته ساكت. بص لي وقال إنتِ اتخانقتي مع أمي؟ قلبي انقبض. قولت مين قالك؟ قال أمي. بدأت أشرح له اللي حصل. لكن قبل ما أخلص، قاطعني يعني إنتِ فعلًا قلتي لها إن أبوكي بيجيب للعيال وهي مبتجبش؟ قولت أنا ما قلتش كده قال أمي مش هتكدب عليا.
سكت. وحاولت أهدى. قلت له اسمعني بس للآخر. لكنه كان متضايق جدًا. وفجأة قال خلاص. بصيت له. قال من النهارده، أبوكي ما يبعثش حاجة للبيت هنا. اتصدمت. قولت يعني إيه؟ قال يعني اللي فهمتيه. قولت إنت بتعاقب أبويا على حاجة أنا عملتها؟ قال أنا بحاول أحافظ على بيتي.
وقبل ما أقدر أرد سمعت صوت حماتي من تحت بتنادي عليه. نزل لها. وبعد دقايق، رجع تاني. لكن المرة دي كان في إيده حاجة أنا عمري ما توقعت أشوفها في بيتنا. حطها قدامي على الترابيزة وقال أمي قالت لي إن ده كان موجود عندها من فترة وإن أبوكي هو السبب إنها احتفظت بيه.
بصيت للحاجة اللي قدامي واتجمدت مكاني!!!!!
كانت علبة قطيفة حمرا قديمة، أطرافها ممسوحة من كتر السنين، ومربوطة بشريط قماش دايب. العلبة دي أنا عارفاها كويس أوي مستحيل أنساها. دي علبة دهب أمي الله يرحمها.
مديت إيدي وأنا صوابعي بتترعش، فتحت العلبة ببطء ولقيت جواها غويشة أمي الوحيدة اللي كانت باقية من ريحتها، وجنبها ورقة مطبقة أربع تِرباع، ومكتوب عليها بخط إيد أبويا.
رفعت عيني لأحمد وأنا مش مستوعبة، وريقي ناشف دي دي جابتها منين؟ الحاجة دي إيه اللي دخلها بيتكم أصلاً؟
أحمد ربع إيديه ووقف قدامي، نظرته كانت كلها عتاب وقسوة ما شفتهاش منه قبل كده، وقال أمي بتقول إن أبوكي من ست سنين، قبل فرحنا بشهرين، جِه لحد عندها هنا ودخل البيت مطاطي راسه، وحط الغويشة دي قدامها ومعاها الوصل ده، واستلف منها تلاتين ألف جنيه عشان يكمل جهازك وتمن الأجهزة اللي كانت ناقصاكي ومكنش قادر عليها وترجاها إن محدش يعرف، عشان منظرك ومحدش من عيلتي يكسر نفسك.
الكلام نزل عليا زي مية مغلية. وداني صفرت، والهدوء اللي في الأوضة اتقلب لخنقة بتموت. قولت بصوت بيترجف أبويا؟! أبويا استلف من مامتك؟!
أحمد قرّب خطوة وقال بحدة أمي اللي بتعايريها إنها ما بتبعتش باكو بسكوت لعيالك، هي اللي سترت جوازتنا ومرضيتش تفضح أبوكي يومها! وأبوكي اللي عاملاه في السما وبتتخانقي مع أمي علشانه، لحد اللحظة دي ما سدش ولا مليم من الفلوس وأمي ساكتة ومرديتش تتكلم، ومحتفظة بالدهب والورقة ومارضيتش تحرجك سنين، وفي الآخر جاية تقلّي منها عشان طبق كوكيز بعشرين جنيه؟!
كنت سامعة صوته كأنه جاي من بير غريق. افتكرت اليوم ده من ست سنين. افتكرت أبويا لما جه وجايب معاه باقي الأجهزة، ووشه كان شاحب وعينيه مكسورة، ولما سألته جبت الفلوس منين يا بابا؟ ضحك وقال لي ربنا فرجها من وسع يا سارة، بيعت الغويشة بتاعة أمك للراجل الجواهرجي عشان أجيبلك أحسن حاجة، متشيليش هم يا بنتي، إنتِ عندي بالدنيا. يومها عيطت عشان الغويشة اتباعت أتاريها متباعتش! أتاريه دخل بيت الناس دول، وكسر نفسه قدام حماتي، ورهن ريحة مراته المتوفية ومضى على نفسه وصل، عشان بس ما يحسسنيش إني أقل من سلفتي اللي كانت مجهزة شقتها على سنجة عشرة!
دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف كانت دموع قهر. بصيت لأحمد وقولت وأمك افتكرت تطلع السر ده دلوقتي ليه يا أحمد؟ عشان طبق بسكوت؟ ولا عشان تذلني وتكسر ضهري بجد قدامك وقدام سلفتي؟
أحمد زعق إنتِ اتجننتي؟! بدل ما تقولي حقك عليا وأنا غلطت في حق أمك، طالعة تهاجميها هي؟! أمي طلعت الحاجة دي عشان تفوقك! عشان تعرفي مين اللي ليه فضل عليكي بجد ومين اللي بييجي على الجاهز يوزع حلاوة وبسكوت وهو مديون لبيتنا!
الكلمة قطعت في قلبي بسكينة تلمة. قولت له بصوت طالع بالعافية أبويا ما لوش فضل عليا؟! أبويا اللي شقِي وربّاني وطلعني بكرامتي؟! ولو كان استلف، ما كانش بيشحت منها، ده سايب دهب يسوى أضعاف الفلوس دي دلوقتي، وكاتب وصل، يعني دين مش حسنة يا أحمد!
أحمد مسك دراعي بعصبية وقال صوتك ما يعلاش! والورقة دي والدهب هيفضلوا هنا لحد ما أبوكي يجي يسد اللي عليه وياخد حاجته، ومن اللحظة دي أهلك رجليها ما تعتبش الشقة، وأمي تنزلي وتعتذري لها قدام سلفتي عن كل كلمة قولتيها تحت!
بصيت في عينيه ما شفتش الراجل اللي حبيته ووقفت جنبه ست سنين. شفت واحد مستعد يدوس على كرامتي وكرامة أبويا في ثانية عشان يرضي كبرياء أمه.
وفجأة سمعنا صوت ضحكة طالعة من الصالة تحت، وصوت سلفتي وهي بتقول لحماتي بنبرة مسموعة واصلة لحد السلم يا حماتي، الناس اللي بتعمل فيها شبعانة، بتنكشف في أول طبق كوكيز كتر خيرك والله إنك كنتي صابرة على البير وغطاه! ردت حماتي بصوت عالي أنا عملت بأصلي يا بنتي، بس اللي فيه داء ما يبطلوش بكره ابنها يعرف قيمتها وقيمة أهلها.
أحمد بص لي كأنه مستني أستسلم، وقال هتنزلي تعتذري؟ ولا الموضوع ده مش هيعدي على خير؟
مسحت دموعي بإيدي. وجريت على الترابيزة، خطفت العلبة والورقة في
متابعة القراءة