مديري اتريق على الراجل اللي جاي يشتغل غسال أطباق
قالي "اقعدي"، وقعدت، وحطيت موبايلي على الترابيزة بينا كأنه دليل في محكمة، واللي هو فعلاً كان كده.
بدأ يقلب في السكرين شوتس واحدة واحدة، مش بسرعة. سألني أسئلة ماكنتش متوقعاها. مش أسئلة من نوعية "أنتي متأكدة؟"، لأ، أسئلة زي: "هل احتفظتي بالرسايل الأصلية كمان؟" و"تعرفي إذا كانت مدام رضا حصل معاها نفس المشكلة؟".. مدام رضا دي أقدم ويتر معانا، ست عندها 54 سنة، شغالة في المطعم من قبل ما مجدي يمسك الإدارة أصلاً.
قلتله إني ماعرفش، بس ممكن أسألها. قالي: "اسأليها في السر، النهاردة لو تقدري. أنا طيارتي راجعة يوم الخميس."
سألته ليه الموضوع فارق طالما هو ماشي كده كده. رفع عينه من النوت بوك لأول مرة من ساعة ما قعد وقالي: "عشان أنا مش جاي أقيّم إذا كان مجدي شخص سيء ولا لأ، نص فروع الشركة فيها واحد زي مجدي. أنا جاي أقيّم هل الشركة هتفضل تتحمل تكلفة واحد زيه، ولا نصلح الكارثة دي قبل ما البيعة تتم ويجي مستثمر جديد يلبس في قضية سرقة أجور محدش خد باله منها."
الكلمة دي.. "قضية". وقعها كان مختلف عن اللي في خيالي. أنا كنت متخيلة إن مجدي هيتهزأ في مكتب حد ومثلاً يتنقل لفرع تعبان كعقاب. ماجاش في بالي محامين وقضايا.
سألته: "أنت كنت عارف من إمتى؟ أقصد عن الفرع.. قبل ما تدخل علينا." قالي: "من تلات أسابيع. أنا اللي طلبت أجي كأني متقدم لوظيفة بدل ما أعلن عن نفسي. بعمل الحركة دي ساعات.. بتخليك تعرف أكتر." سألته: "بتعملها كتير؟ وبيتريقوا عليك؟" كان هيبتسم، بس مش أوي. قالي: "أكتر مما تتخيلي."
ظرف مدام رضا
لحقت مدام رضا في بريك السجاير بتاعها ورا صندوق الزبالة، وده المكان الوحيد في مطعم "الرضا" اللي تقدر تتكلم فيه من غير ما مجدي يعدي من جنبك وفي إيده فوطة وعامل نفسه مابيتصنتش.
ماجبتلهاش سيرة طارق. سألتها بحرص بس إذا كان مرتبها نقص قبل كده. ضحكت، بس ضحكة مش حقيقية: "نقص؟ ده أنتي طيبة أوي." طلعت ظرف مطبق من شنطتها، أطرافه دايبة كأنها شايلاه معاها بقالها فترة طويلة ومترددة تعمل فيه إيه. وقالت: "أنا كاتبة الورقة دي من شهر فبراير اللي فات. عمري ما بعتها. ماكنتش عارفة أبعتها لمين من غير ما ترجعله هو في الآخر."
الظرف كان جواه جواب، مكتوب بخط الإيد، 3 صفحات، فيه كل شفت اتخصم منها على مدار 8 شهور، بالتواريخ والمبالغ، وفي الآخر إجمالي تحته خطين: 612.40 جنيه. كانت حاسباها بنفسها بآلة حاسبة من أم 10 جنيه. أنا عرفت لأنها قالتلي من غير ما أسألها، كأنها محتاجة تأكدلي إنها مش بتخمن.
سألتني: "هتعملي بيهم حاجة؟" قلتلها احتمال. ماكنتش عايزة أوعدها بحاجة لسه مش متأكدة منها. طبّقت الجواب ورجعته شنطتها، وولعت سيجارة تانية من الأولى، وده عمرها ما بتعمله، وقالت: "الراجل ده بيفلت بعملته دي من قبل ما أنتي تشتغلي معانا أصلاً. بنتي كانت بتشتغل هنا في الويك إند.. بنتي دلوقتي عندها 26 سنة."
ماكنتش أعرف المعلومة دي. 6 سنين شغالة وماعرفش إن مجدي بيعمل كده من قبل ما أعتب باب المطعم أصلاً. حسيت بحاجة في صدري انقبضت، كأني وصلت متأخر على حفلة اتسرقت فيها.
اللي قاله مجدي من غير ما حد يطلب منه
يوم الأربعاء، مجدي عمل "اجتماع على السريع" قبل زحمة الغداء، وده معناه إنه يقف على باب المطبخ يدينا خطبة وإحنا شغالين. قال كلام عن "وحدة الفريق في المرحلة الجاية" و"مش عايزين أراء خارجية تهز المركب"، وأنا كنت باصة لإيده اللي بتترعش شوية وهي ماسكة مج القهوة، وفهمت إنه مش مدرك حجم الحبل اللي لفه حوالين رقبته بإيده.
بعدها قال الحاجة اللي ماكنتش متوقعاها: "أياً كان اللي هيحصل في التغييرات دي، أنا اللي بنيت الفرع ده. 6 سنين من الأرباح محدش غيري قدر يحققها. مستحيل يرموا كل ده عشان شوية حركات في السيرة الذاتية."
حركات في السيرة الذاتية! لسه فاكر إن طارق ده مجرد مقلب الشركة عملاه عشان تخوفه وتخليه يمشي مستقيم، مش حكم إعدام حرفياً بيتكتب. بصيت لمدام رضا، وهي بصت للشواية. محدش فينا نطق، لأن محدش فينا كان عايز يكون هو اللي بيبلغه الكارثة.
الأوضة اللي من غير شبابيك
يوم الخميس، طارق طلبني أنا ومدام رضا في المكتب اللي ورا، الأوضة اللي من غير شبابيك اللي مجدي دايماً قافلها ومكوم فيها كراتين المناديل. مجدي ماكانش في الأوضة. ودي الحتة اللي خلتني أفهم إن فيه حاجة حصلت قبل ما أقعد أصلاً.
طارق كان قدامه فولدر تخين، أتخن من بتاعي، ولاب توب مفتوح على حاجة شبه برنامج المرتبات عمري ما شفته قبل كده. قال: "راجعت سجلات الكاشير مع سيستم المرتبات. رجعت 3 سنين لورا، لأن ده أقصى وقت السيستم بيحتفظ بيه قبل ما يأرشِف. الفروقات بتاعة دنيا متطابقة مع نمط ماشي من يوم ما رضا استلمت الشغل، ومع اتنين ويترز تانيين سابوا الشغل خلاص."
لف اللاب توب عشان نشوف. صفوف ورا صفوف من الأرقام، وتواريخ متظللة بالأصفر، وإجمالي في الآخر يخلي الـ 612.40 جنيه بتوع مدام رضا مجرد فكة.
34,000 جنيه! بالتقريب، على مدار 3 سنين، اتسرقوا من الأجور والبقشيش بتوع 5 موظفين، 4 منهم ستات، و3 منهم هما العائل الوحيد لبيوتهم. وكان مقسمهم بالأسماء.
مدام رضا حطت إيدها على بوقها. أنا ما نطقتش لثانية لأني كنت بحسب رقمي أنا في دماغي وطلعتلي حسبة خلت وداني تطلع نار. سألته أخيرًا: "مجدي فين؟"
طارق قال: "الموارد البشرية (الـ HR) بيكلموه في التليفون دلوقتي. هو لسه ماترفدش. وده مش قراري على أي حال، ده قرار أكبر من منصبي. بس هو موقوف عن العمل للتحقيق من ساعة بالظبط."
الجزء اللي محدش توقعه
دي بقى اللقطة اللي ماتوقعتهاش، وبفكر فيها أكتر من أي حاجة تانية حصلت في الأسبوع ده. مجدي ما طلعش متكلبش. مفيش أكشن من ده. جه يوم الجمعة عشان يلم حاجته من مكتبه لوحده، وأنا راقبته من شباك المطبخ وهو بيحط في الكرتونة مج القهوة بتاعه وميدالية مطعم "الرضا" أكيد كان عاملها لنفسه عمولة لأننا عمرنا ما بعنا ميداليات.
ماكانش باين عليه الانهيار. كان باين عليه الحيرة أكتر. كأنه بيحاول يفهم إيه الغلطة المعينة اللي عملها وسط كل ده، لأن في دماغه هو، كل اللي عمله ده ما يعتبرش سرقة. دي مجرد "شطارة وأرباح". دي بس طريقة الشغل.
وهو ماشي، وقف عند محطتي وقالي: "أنتي دايماً كنتي بنت شاطرة وبتاعة شغل يا دنيا." كأن الكلمتين دول هيطبطبوا عليا! كأن سرقة أجور 6 سنين ممكن تتسوى بكلمة حلوة وهو رايح للركنة بتاعة العربيات.
ما رديتش عليه. مش عشان أنا عاملة فيها تقيلة وصامتة. أنا بجد مكنش عندي أي حاجة أديهاله، ولا حتى شتيمة.
طارق بقى المدير العام الرسمي يوم الاتنين اللي بعده. مفيش جاكيت متقدم لوظيفة، ومفيش سوستة بايظة. أول حاجة عملها ماكانتش إنه يرفد حد ولا إنه يدينا خطبة.. علق ورقة تسوية الأجور على لوحة الإعلانات في أوضة الاستراحة، جنب جدول الشفتات، عشان كل واحد يشوف بالظبط حقه كام وهينزل في حسابه إمتى.
مدام رضا خدت الـ 612.40 جنيه بتوعها، وعليهم فوايد الشركة حسبتها بطريقة مافهمتهاش أوي. وأنا كمان خدت فلوسي. مبلغ مش هيغير حياتي، بس كفاية إنه يسدد الإيجار اللي كنت بتأخر عليه بالست أيام شهور كتير أكتر من إني أحب أعترف بيها.
وظيفة "غسال الأطباق" اللي طارق قدم عليها في الأول، خدها واد اسمه تامر كان بجد محتاج الشغل، 19 سنة وبيحوش عشان يشتري عربية. طارق مضى على تعيينه بنفسه. ومضحكش ولا مرة.
لو حد كان قالي إن جاكيت بسوستة بايظة دخل المطعم بتاعنا يوم تلات، وخرج منه وهو ماسك إدارة فروع الشركة، كنت هقوله أنت بتألف قصة عشان تفرحني. بس الظاهر إن ساعات القصص بتطلع حقيقية.