أنا مش هطلّقها… خليها معلّقة كده عشر سنين

لمحة نيوز

رأسه.
مش عارف.
طب كنت هتندم؟
قال
يمكن.
ثم ابتسم.
بس كان هيبقى ندم أخف من إني أعرف بعد سنين إني ضيعت وقت إنسانة كاملة علشان أثبت لنفسي إني أقدر أتحكم فيها.
وسكت.
ثم أضاف
أصعب حاجة مش إنك تخسر شخص.
أمال إيه؟
قال
إنك تكتشف إن الشخص ده كمل حياته من غيرك، وإنك أنت اللي كنت واقف مكانك.
انتهت الحكاية بالنسبة لمحمود.
لكن في مكان آخر، كانت حياة جديدة بتكبر يومًا بعد يوم.
ولد وبنت.
أب وأم.
بيت مليان ضحك.
وذكريات قديمة اتقفلت من غير كراهية.
أما الرجل الذي قال يومًا
خليها معلقة عشر سنين.
فقد فهم بعد سنوات أن الإنسان قد يظن أنه يمسك حياة غيره بيده، بينما هو في الحقيقة لا يمسك إلا قرارًا واحدًا من قراراته هو.
قرار أن يكون رحيمًا أو قاسيًا.
وأن يترك أثرًا طيبًا أو جرحًا طويلًا.
وأن ينهي علاقة باحترام، أو يحولها إلى معركة لا رابح فيها.
وفي النهاية، لم تكن المحكمة هي التي هزمته.
ولم يكن الزوج الجديد هو الذي هزمه.
ولم تكن السنوات هي التي انتصرت عليه.
الذي هزمه فعلًا كان اكتشافه لنفسه بعد فوات الوقت.
فهو لم يخسر زوجته يوم تزوجت من غيره.
هو خسرها يوم قالت له للمرة الأخيرة
أنا عايزة أعيش بالحلال.
وهو اختار وقتها أن يقول
استني.
فانتظرت سنة.
ثم قررت أن تكمل حياتها.
ومن يومها، لم تعد تنتظر أحدًا.
أما هو، فظل أربع سنوات ينتظر أن يعود الزمن إلى الوراء.
والزمن عمره ما بيرجع.
وفي آخر ليلة قبل ما ينام، فتح محمود موبايله، ومسح آخر صورة قديمة كانت عنده.
لم يمسحها غضبًا.
ولا كراهية.
مسحها لأنه أخيرًا فهم أنها لم تعد تخص حياته.
وقال لنفسه
ربنا يسعدها.
وبعدها قفل الموبايل.
ولأول مرة من أربع سنين
نام مرتاح.
أكيد، دي خاتمة طويلة ومتصلة بالأحداث، وفيها قفلة نهائية للقصة
مرت شهور بعد آخر مرة محمود سأل فيها عن طليقته، ومع الوقت بدأ يحس إن الحكاية فعلًا انتهت.
مش لأنه نسيها.
ولا لأنه بطل يفتكر الأيام اللي عاشوها سوا.
لكن لأنه أخيرًا فهم إن فيه فرق كبير بين إنك تفتكر إنسان، وبين إنك تحاول ترجع لحياته بعد ما بقى له حياة تانية.
كان كل ما يفتكر الجملة اللي قالها زمان
أنا مش هطلقها خليها معلقة عشر سنين.
كان يحس بقشعريرة.
زمان قالها وهو واثق من نفسه.
كان فاكر إن الطلاق ورقة في إيده، وإن مجرد رفضه يخليها واقفة مكانها.
لكن السنين أثبتت له إن الورقة اللي كان فاكر إنها سلاحه، ما كانتش أقوى من إرادة إنسانة قررت تدافع عن حقها وتبدأ من جديد.
وفي يوم، محمود كان قاعد في شقته في السعودية، لما أخته اتصلت به.
قالت
محمود، عندي خبر.
قال
خير؟
قالت
خالد ومراته والأولاد نازلين مصر.
سكت محمود.
أخته كملت
هي هتقعد كام يوم عند أهلها.
محمود حس قلبه دق.
لكنه هذه المرة لم يسأل عن الموعد.
ولم يسأل عن العنوان.
ولم يقل لها إنه يريد أن يراها.
اكتفى بأنه قال
ربنا يوصلهم بالسلامة.
أخته استغربت.
قالت
مش عايز تعرف أكتر؟
رد
لأ.
ليه؟
قال
لأن المرة دي أنا عايز أسيبها تعيش حياتها من غير ما أحاول أدخل فيها.
سكتت أخته.
ثم قالت
إنت فعلًا اتغيرت.
ضحك وقال
اتأخرت.
وبعدها بأيام، نزل محمود مصر لقضاء إجازة قصيرة.
لم يكن يعرف أن الصدفة ستجمعه بها مرة أخرى.
كان خارج من أحد المحلات، ماسك كيسًا في إيده، ولما رفع عينه وجدها واقفة على الرصيف المقابل.
اتجمد مكانه.
هي أيضًا شافته.
ثواني قليلة.
لكنها كانت كأنها أربع سنين كاملة واقفة بينهم.
كانت مختلفة.
ملامحها أهدى.
وشها فيه راحة.
وفي إيدها الصغيرة كانت ماسكة يد بنتها.
أما الولد فكان واقف جنب خالد.
خالد لاحظ محمود.
بص له.
ثم بص لزوجته.
هي لم تتحرك.
ولا محمود تحرك.
كان ممكن في لحظة واحدة أن تبدأ مشكلة.
كان ممكن أن يقترب.
كان ممكن يسألها عن حياتها.
عن أولادها.
عن السنين اللي فاتت.
كان ممكن يقول لها إنه ندم.
وكان ممكن هي تقول له كلامًا لم يقله أحد من قبل.
لكن محمود اكتفى بأنه وقف مكانه.
ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.
هي فهمت.
وردت بابتسامة صغيرة.
وبعدين خالد حرك إيده لها.
فاتجهت معه.
قبل ما تمشي، بصت لمحمود مرة أخيرة.
محمود حرك رأسه في سلام.
وهي ردت بنفس الحركة.
ثم اختفت وسط الناس.
فضل واقف مكانه.
لكن المرة دي ما كانش حزين.
ولا غاضب.
ولا نادم بنفس الطريقة القديمة.
كان يشعر بحاجة أقرب إلى الراحة.
لأنه شاف بعينيه إنها بخير.
وإنه فعل الشيء الصحيح لما اختار ألا يقتحم حياتها.
رجع البيت.
أخته كانت هناك.
أول ما شافته قالت
قابلتها؟
سكت.
عرفت من عينيه.
قالت
كانت عاملة إزاي؟
ابتسم.
مبسوطة.
وأنت؟
قال
ارتحت.
جلست أخته جنبه.
وقالت
كنت نفسك تكلمها؟
هز رأسه.
زمان كنت هحاول.
ودلوقتي؟
دلوقتي عرفت إن مش كل باب اتقفل لازم نفتحه.
سكتت أخته.
ثم قالت
وهي شافتك؟
أيوه.
قالت حاجة؟
ولا كلمة.
وإنت؟
ولا كلمة.
ضحكت أخته.
أربع سنين من الكلام والندم، وفي الآخر ولا كلمة.
ابتسم محمود.
وقال
يمكن دي كانت أول مرة أحترم قرارها.
وبعدها بأيام، رجع السعودية.
لكن قبل سفره، ذهب إلى المحكمة.
وقف أمام المبنى فترة طويلة.
كان المكان نفسه الذي انتهت فيه زيجته الأولى.
نظر إلى الباب.
وتذكر اليوم الذي جاء فيه والدها وأخبره أن المحكمة أنهت الزواج.
وقتها كان غاضبًا.
كان يشعر أن المحكمة أخذت منه حقًا.
لكن الآن، بعد سنوات، كان ينظر للمكان بشكل مختلف.
دخل.
أنهى بعض الإجراءات القديمة المتعلقة بأوراقه.
وعندما خرج، شعر أن صفحة قديمة أُغلقت تمامًا.
اتصل بأخته وقال
خلصت.
قالت
خلصت إيه؟
رد
آخر ورق كان بيني وبين الماضي.
قالت
مبروك.
ضحك.
على إيه؟
على إنك أخيرًا فهمت.
مرت السنوات.
محمود استقر في حياته الجديدة.
زوجته الثانية كانت تعرف حكايته كاملة.
لم يخفِ عنها شيئًا.
وفي إحدى الليالي، سألته
إنت لسه بتفكر فيها؟
محمود سكت لحظة.
ثم قال
بفتكر اللي حصل.
مش هي؟
بفتكر نفسي وقتها.
يعني؟
قال
بفتكر قد إيه كنت غلطان وأنا فاكر إني صح.
زوجته قالت
طب لو كانت قدامك دلوقتي وقالت لك إنها ندمانة؟
محمود ابتسم.
مش هتقول.
إنت واثق؟
أيوه.
ليه؟
قال
لأنها اختارت حياتها.
ثم أمسك يد زوجته وقال
وأنا اخترت حياتي.
وفي الجهة الأخرى، كانت زوجته السابقة تعيش حياة هادئة.
أولادها كبروا.
الولد بدأ المدرسة.
والبنت بقت تحب تمسك إيد أمها وهي ماشية.
خالد كان يرجع من شغله، فيجد البيت مليان صوت الأطفال.
في إحدى الليالي، كان الولد يسأل والدته
ماما، هو إنتِ كنتي عايشة في مصر قبل ما تيجي قطر؟
قالت
أيوه.
وكان عندك بيت هناك؟
أيوه.
وأصحاب؟
ابتسمت.
كان عندي ناس كتير أعرفهم.
الولد سأل
ليه سبتِهم؟
بصت له.
وقالت
علشان الحياة ساعات بتنقلنا من مكان لمكان.
الولد فكر قليلًا.
ثم قال
يعني ممكن أسيب أصحابي لما أكبر؟
ضحكت.
ممكن.
قال
مش عايز.
ضحكت وحضنته.
خالد كان واقف بعيد، بيسمع.
وبعد ما الأولاد ناموا، قال لها
لسه بتفتكري مصر؟
قالت
طبعًا.
والماضي؟
سكتت.
ثم قالت
الماضي جزء من حياتي.
بس؟
بس مش حياتي كلها.
خالد ابتسم.
وده الفرق.
قالت
أنا زمان كنت فاكرة إن اللي حصل هيكون نهاية حياتي.
ودلوقتي؟
دلوقتي عارفة إنه كان بداية حياة تانية.
ثم سكتت قليلًا.
وقالت
الحمد لله.
وكانت الكلمة الأخيرة هي كل ما تحتاجه.
بعد سنوات أخرى، كبر أولادهم أكثر.
وفي يوم، جاء ابنهم من المدرسة ومعه ورقة.
قال
ماما، المدرس طلب مننا نكتب عن أصعب موقف عدينا بيه وإزاي تجاوزناه.
أخذت الورقة.
ابتسمت.
وقالت
وإنت هتكتب إيه؟
قال
مش عارف.
قالت
اكتب عن حاجة اتعلمت منها.
قال
زي إيه؟
نظرت إليه.
ثم قالت
إن الإنسان لازم يعرف إمتى يتمسك، وإمتى يسيب.
الولد لم يفهم المعنى كاملًا.
لكنها لم تشرح.
كانت تعرف أن بعض الدروس لا يفهمها الإنسان إلا بعد سنوات.
وفي مكان بعيد، كان محمود يعيش درسًا مشابهًا.
كان عنده الآن أولاد هو الآخر.
وفي إحدى الليالي، سمع ابنه الصغير يسأل
بابا، ليه الناس بتطلق؟
محمود سكت.
السؤال رجعه سنين إلى الوراء.
ثم قال
أحيانًا الناس بتكون مش مناسبة لبعض.
الولد قال
طب ليه ما يعيشوش سوا؟
محمود قال
علشان الحياة مش مجرد إن اتنين يبقوا متجوزين.
أمال إيه؟
قال
إنهم يعرفوا يعيشوا مع بعض باحترام.
الولد هز رأسه.
ثم سأل
ولو مش قادرين؟
محمود رد
يبقى لازم كل واحد يسيب التاني يعيش بسلام.
الولد جري يلعب.
لكن محمود ظل مكانه.
لأنه كان يعرف أن الجملة دي تحديدًا كان محتاج يسمعها من نفسه قبل عشر سنين.
كان محتاج يعرف أن الزواج مش سجن.
وأن الحب مش ملكية.
وأن الإنسان لا يملك عمر إنسان آخر.
وأن مجرد كون شخص ما كان يومًا زوجتك لا يعطيك الحق في أن توقف مستقبله.
وكان أكثر شيء يؤلمه أنه لم يفهم هذا إلا بعدما مرّت السنوات.
لكن رغم ذلك، كان ممتنًا أنه فهم في النهاية.
وفي يوم، أخته سألته
لو الزمن رجع؟
قال
كنت هتصرف بشكل مختلف.
كنت هتتجوزها؟
سكت.
ثم قال
مش عارف.
كنت هتطلقها؟
قال
لو هي طلبت، أيوه.
حتى لو كنت بتحبها؟
قال
حتى لو كنت بحبها.
ليه؟
قال
علشان الحب مش معناه إنك تمنع الإنسان من الراحة.
أخته بصت له.
ثم قالت
دي أول مرة أسمعك بتقول الجملة دي.
ابتسم.
علشان أنا زمان كنت فاكر إن الحب معناه أخليها ليا مهما حصل.
ودلوقتي؟
دلوقتي عرفت إن أحيانًا أكبر دليل على احترامك للإنسان إنك تسيبه يختار.
سكتت
تم نسخ الرابط