أختي دلقت على فستان فرحي اللي بـ 350 ألف جنيه غِرا ولزق أمير حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
مكتومة يا مصيبتي! يا خراب بيتك يا بنتي!
مي بصت لي بذهول، عينيها وسعت كأنها مش مصدقة إن البنت الطيبة الهادية اللي كانت بتسامح في كل حاجة هي اللي واقفة قدامها دلوقتي.
الظابط شاور لأمين الشرطة اتفضلي معانا يا آنسة بهدوء عشان منعملش شوشرة برة، عربية النجدة مستنية تحت، وهنروح على القسم نعمل المحضر ونعرضك على النيابة.
مي بدأت تعيط بهستيريا وهي بتتسحب لبرة ماما! متخليهمش ياخدوني! يا رامي! حد يلحقني!
صوت صويتها بدأ يبعد في الطرقة، وماما جريت وراها وهي بتلطم وبتصرخ وبتنادي على قرايبنا اللي تحت يلحقوا الموقف. الأوضة فضيت فجأة، ومفضلش غيري أنا ونيرة، والأستاذة فريدة اللي كانت لسه واقفة بتبص لي بتقدير.
قفلت فريدة الدوسيه بتاعها وقربت مني خطوتين، ملامحها الحادة لانت شوية وابتسمت ابتسامة صغيرة دافية برافو عليكي يا نور... التنازل في المواقف دي مبيجبش غير كسر نفس زيادة. بس على فكرة... الموضوع لسه مخلصش.
بصيت لها باستغراب وأنا بمسح عرق جبيني مخلصش إزاي يا فندم؟
فريدة شاورت براسها ناحية الباب أستاذ شريف مبعتنيش بس عشان أعمل محضر وأحمي اسم الدار... أستاذ شريف قالي كلمة واحدة الصبح وهو بيمضيني ع التوكيل قالي نور بنت الحاج رشدي، والحاج رشدي راجل أصيل وعمره ما دخل عليا إلا وجايب معاه الخير، وبنته مش هتتكسر في يوم فرحها طالما أنا عايش على وش الدنيا.
وقبل ما ألحق أسألها قصدها إيه، الباب اتفتح تاني على وسعه.
دخلوا اتنين شباب من فريق الأتيليه، شايلين صندوق خشب كبير متغطي بستان أبيض ومربوط بشرايط حرير دهبي، ووراهم على طول دخل رامي، لابس بدلته التوكسيدو وعينيه بتلمع، وابتسامته اللي بتهد الدنيا وتطمن الخايف مالية وشه.
رامي بص في عيني وقرب مني، مسك إيدي وباسها قدام الكل، وبعدين شاور على الصندوق الخشب وقال بصوت مليان فخر قولتلك مش هنلغي... وقولتلك حقك هيجيلك لحد عندك، بس مكنتش أعرف إنك قوية كده وشطورة وخدتيه بدري بدري.
الشباب حطوا الصندوق على الترابيزة وبدأوا يفكوا الشرايط الدهبي، والأنفاس كلها اتكتمت في الأوضة لما الغطا اترفع وظهر اللي جواه.
الجزء الثالث والأخير
الصندوق الخشب لما اتفتح، حسيت إن الأوضة كلها نورت بنور مختلف، نور هادي فيه هيبة وريحة غالية مألوفة، ريحة الأتيليه بتاع الزمالك نفسه، بخور العود الخفيف المخلّط بريحة قماش الستان والتول الخام النضيف.
الغطا اترفع براحة، وظهر من تحته طبقات من ورق الزبدة الأبيض المنقوش بماية دهب، وبدأوا الشباب بتوع الأتيليه يشيلوا الورق واحدة واحدة بحرص شديد، كأنهم بيكشفوا عن تحفة أثرية خايفين يخدشوها. ولما الورق انزاح تماماً، شهقت... شهقة طويلة حسيت بعدها إن روحي اللي كانت مسحوبة رجعت لي في ثانية واحدة.
الفستان كان أوف وايت، بس مش أي أوف وايت... درجة رايقة جداً ما بين العاجي واللؤلؤ، معمول من قماش حرير ميكادو تقيل وناعم، وطبقات الدانتيل الفرنساوي كانت مطرزة بإيدين محترفة بحبات اللولي الصغير والكريستال اللي بيعكس النور من غير ما يكون فاقع أو مزعج للعين. كان فيه فخامة ملكية متتوصفش، مقفول من عند الرقبة بحزام لولي رفيع، وبأكمام طويلة من الشيفون الحرير المنقوش بنقشات شجر هادية، نازلة لحد كف الإيد وبتنتهي بأزرار لولي متقفلة بحرفنة.
نيرة حطت إيديها الاتنين على خدودها وعينيها وسعت من الذهول يا نهار أبيض... إيه الجمال ده؟! ده أحلى من الأولاني ميت مرة يا نور! ده حكاية لوحده!
أنا لساني كان عاجز عن النطق، كنت ببص للفستان وببص لرامي اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة ومكتف إيديه، مبتسم ابتسامته الواثقة اللي بتطمن قلبي دايماً، عينيه كانت بتقول لي مش قولتلك متقلقيش؟
الأستاذة فريدة خطت خطوتين لقدام، ومدت إيدها اللابسة قفاز قطن أبيض، ومسكت طرف الطرحة الطويلة اللي كانت مطبقة بعناية فائقة جنب الفستان، وبصت لي بعينين مليانة تقدير واحترام وقالت الفستان ده مكنش معروض للبيع يا نور، ومكنش معمول لأي عروسة تانية... الفستان ده قصة تانية خالص.
بلعت ريقي وسألتها بصوت مهزوز من فرط المفاجأة قصة إيه يا أستاذة فريدة؟ الفستان ده جه منين؟ وأستاذ شريف بعتهولي إزاي وهو عارف إني كنت مستقرة ع التاني؟
فريدة ابتسمت بهدوء، وطلعت من الدوسيه الأسود جواب كارتون صغير لونه بيج، مقفول بشمع أحمر مختوم بختم شريف فهمي الخاص، ومدتهولي اقري الجواب ده الأول... ده مكتوب بخط إيد شريف نفسه، وهو موصيني أسلمهولك في إيدك لو حصل أي ظرف طارئ، وكان متابع خطوة بخطوة من الصبح.
فتحت الجواب وإيديا بتترعش، الورقة كانت تقيلة وملمسها ناعم، والكلام مكتوب بحبر أسود عربي أصيل، خط واضح ومرتب
بنتي الغالية نور... لما الحاج رشدي الله يرحمه جالي الأتيليه من أكتر من سنة، وقعد معايا الساعات الطويلة وهو تعبان وبيعافر مع المرض، كان عينيه فيها لمعة أب حاسس إن أيامه معدودة ونفسه يسيب لبنته الكبيرة ذكرى تعيش معاها العمر كله. بعد ما اخترتوا الفستان الأولاني ومشيتوا، الحاج رشدي رجع لي تاني يوم لوحده... كان ساند على عكازه، وقعد قدامي في مكتبي وطلع من جيبه ظرف مقفول. قالي يا شريف يا بني، أنا عارف إن نور بتحب الشياكة بس بتخاف ع الفلوس وبتستخسر في نفسها، واختارت الفستان اللي على قد جمعيتها عشان متتقلش عليا ولا على عريسها. بس أنا عايزك تعملها تحفة تانية، تحفة ملكية تليق بقلبها وببرها بيا... فلوس الفستان ده مدفوعة من حر مالي يا شريف، سيبه عندك في الأمانات، ومتقولهاش غير يوم فرحها، أو لو الدنيا ضاقت بيها في أي لحظة. عايزها يوم ما تلبسه تحس إني حاضر. الفستان ده هديّة أبوكي ليكي يا نور، ده مش بديل ولا تعويض... ده الأصل اللي كان مستنيكي. البسيه وافرحي، وخلي اللي غار وحقد يعرف إن البر والنية الصافية عمرهم ما بينكسروا. عمك شريف فهمي.
الدموع نزلت من عيني زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا حزن، كانت دموع سكينة غريبة دخلت قلبي وغسلته من كل وجع الساعات اللي فاتت. بصيت للسما وهمست من كل قلبي الله يرحمك يا حبيبي... الله يرحمك يا بابا، حتى وإنت في دار الحق مش سايبني ولا هاين عليك انكسر.
رامي قرب مني، وطى راسي بحنية، ومسح دموعي بطرف صباعه وقال بصوت دافي هادي شوفتي بقى؟ باباكي مسبكيش، ولا كان هيسمح للي تحت دي إنها تكسر فرحتنا. من الصبح لما نيرة كلمتني وقالت لي ع المصيبة اللي حصلت، وأنا قلبي كان هيقف، بس افتكرت مكالمة جاتلي من أستاذ شريف من تلات أيام... كان بيأكد عليا معاد التسليم بتاع المفاجأة دي، ولما كلمته وقولتله ع اللي عملته مي، قالي اطمن يا رامي، حق نور القانوني هيجيلها بالبوليس، وهدية أبوها هتوصلها في دقايق. يلا يا عروسة، كفاية دموع بقى، الكوافير والميكب أرتست مستنيين برة عشان نظبط الدنيا من تاني.
نيرة مسحت دموعها هي كمان وضحكت بصوت عالي يلا يا نور! عندنا فرح عايزين نولعه! وسيبك من أي نكد ورا ضهرك!
الأستاذة فريدة بصت في ساعتها واستأذنت باحترام أنا هسيبكم دلوقتي تجهزوا،
متابعة القراءة