أختي دلقت على فستان فرحي اللي بـ 350 ألف جنيه غِرا ولزق أمير حكـايات مني السيد حصري
المحتويات
بس المرة دي، أختي مكنتش بتضحك خالص.
الجزء الثاني
وقفت ورا إزاز الشباك وإيديا ساندة على السور الخشب، قلبي كان بيدق في وداني بصوت أعلى من أي مزيكا في الدنيا.
مي اللي كانت من نص ساعة بس رافعة مناخيرها في السما وبتتشفّى فيا وفي وجعي، كانت ماشية خطوتين قدام الظابط ورجليها بتخبط في بعض زي اللي رايحة حبل المشنقة. كانت متبهدلة، شعرها اللي قعدت فيه ساعتين عند الكوافير نزل على وشها، وفستانها الزيتي متجرجر في نجيل الجنينة، وكل خطوة بتخطيها كانت بتبص وراها برعب كأنها مستنية حد ييجي ينجدها أو يشدها من إيديهم.
ماما أول ما لمحت البوكس من طرف عينيها، صرخت بصوت شرخ هدوء الأوضة ولطمت على خدودها يا لهوي يا فضيحتك يا صفاء! بوليس في فرح بنتي الكبيرة؟! الناس هتاكل وشنا، المعازيم هيقولوا إيه على بنات الحاج رشدي الله يرحمه؟! استر يا رب... استر يا رب!
نيرة قربت مني ومسكت كتفي بهدوء، عينيها مكنش فيها ذرة شفقة، كانت بتبص لتحت بجمود وقالت لي بصوت واطي اثبتي يا نور... اللي جاي ده حقك، ومتخليش قلبك الأبيض يدلدل ع الناس اللي هان عليها تكسرك في يوم زي ده.
الباب خبط خبطتين ورا بعض بحزم مش بتاع عمال القاعة ولا المعازيم. دخلت المسؤولة بتاعة المكان ووراها الست اللي كانت لابسة البدلة الكحلي. كانت ست في أواخر التلاتينات، ملامحها حادة وشعرها ملموم لورا بدقة، ماسكة في إيدها دوسيه جلد أسود ومكتوب عليه كارنيه فضي صغير يلمع في النور. ووراها على طول دخل الظابط ومعاه أمين الشرطة، ومي واقفة وراهم كاشّة في نفسها زي الفار المبلول، بتبص في الأرض وعينيها مش قادرة تيجي في عيني.
الست أم بدلة كحلي بصت في الأوضة، عينيها لقطت الفستان المتعلق عند الشباك، المفرود كأنه جثة محروقة، وبعدين بصت لي وأنا قاعدة بالروب الأبيض والكمادات على كتفي.
اتكلمت بنبرة هادية بس فيها صرامة تخلي أي حد يقف انتباه مساء الخير يا عروسة... ألف مبروك، وآسفة جداً على المقاطعة في ظرف زي ده. أنا الأستاذة فريدة، محامية ومديرة الشؤون القانونية لأتيليه المصمم شريف فهمي.
الاسم نزل عليا زي التلج. شريف فهمي... ده من أكبر مصممي الأزياء في مصر والوطن العربي، هو اللي صمم الفستان ده مخصوص، وهو اللي استقبل بابا الله يرحمه في الأتيليه وقعد معاه بالساعات يشوف القماش والتطريز عشان يطلع بالصورة اللي بابا حبها.
ماما قربت منها وهي بتترعش وبتمسح دموعها بطرحتها يا فندم والنبي، أرجوكي... فهمينا في إيه؟ إيه البوليس ده وإيه اللي دخل مصمم الفستان في الموضوع؟! إحنا ناس محترمين وبنتنا في يوم فرحها، لو سمحتي خدي البوليس واطلعوا برة قبل ما المعازيم وقرايب العريس ياخدوا بالهم!
الأستاذة فريدة مالت براسها باحترام بس من غير أي تراجع يا فندم، إحنا مقدرين جداً الموقف العائلي، بس الموضوع خرج برة إطار المشاكل العائلية من اللحظة اللي الآنسة مي قررت فيها تتصرف التصرف ده.
شاورِت بإيدها ناحية الفستان، وكملت وهي بتفتح الدوسيه أستاذ شريف كان باعت عربية مخصوص الصبح فيها مسؤولة الجودة ومصورة فوتوغرافيا عشان يوثقوا الفستان بعد ما العروسة تلبسه، ده بروتوكول بيتعمل مع الفساتين ال Haute Couture الحصرية اللي بتتصمم لمرة واحدة في العمر. العربية كانت راكنة برة، والكاميرا برة الممر كانت بتسجل لقطات حية للتحضيرات ولقطة وصول الأخت... الآنسة مي.
مي اتهزت ورفعت راسها بصوت مخنوق ومتحشرج أنا مكنتش أعرف... أنا كنت داخلة عادي أبارك لأختي! دي أختي وكنت بهزر معاها!
الأستاذة فريدة بصت لها بصه باردة كفيلة تسكتها بتهزري بإزازة غِرا صناعي سريعة الجفاف تركيز 90؟ الإزازة اللي الأمن تحت لقاها في شنطتك لما حاولتي تخرجي من البوابة الخلفية؟
فريدة لفت وشها ليا وفتحت ورقة رسمية مختومة بختم نسر وختم الأتيليه يا مدام نور، الفستان ده حضرتك دفعتي تمنه بالكامل، بس العقد الموقع بينك وبين دار الأزياء بينص على بند حماية الملكية الفكرية والتأمين الحصري. الفستان ده مسجل برقم كودي وتصميم خاص باسم شريف فهمي، ومؤمن عليه ضد التلف المتعمد. والأهم من ده كله... الأستاذ شريف لما عرف باللي حصل وشاف الفيديو اللي بعتهوله مسؤولي الجودة لايف، طلب مني أتحرك فوراً ومعايا الشرطة، لأن ده مش بس إتلاف للمال الخاص، دي جناية اعتداء متعمد نتج عنها إصابات جسدية.
الظابط طلع دفتره وبص لمي الآنسة هنا مش بس دمرت قطعة قيمتها بتعدي ال 350 ألف جنيه، ده غير التعويض المدني، دي دلقت مادة كيميائية حارقة على جسم أختها وهي لابساه. التقرير المبدئي للدكتورة اللي كشفت على كتف العروسة هيحدد لو الحروق دي درجة أولى ولا تانية، وساعتها البلاغ هيبقى إتلاف عمدي واعتداء بالضرب وإحداث عاهة أو إصابة عمد.
ماما صرخت ووقعت على ركبتها جنب السرير عاهة إيه وسجن إيه يا بني حرام عليك؟! دي أختها من لحمها ودمها! يا نور... أبوس إيدك يا نور، قولي لهم لأ! قولي للظابط إنك مسمحاها... هتدخلي أختك الحبس يوم فرحك؟! الناس تاكل وشنا والشماتين يشمتوا فينا؟!
الكلمات كانت بتنزل عليا تلسعني زي السوط. دايماً... دايماً الناس والمعازيم وكلام العيلة أهم من وجعي. أهم من كتفي اللي بيحرقني والجلد اللي طالع مع شاش الإسعافات الأولية. أهم من ذكرى بابا اللي اتمسحت في ثواني بغل وحقد مالهوش مبرر.
بصيت لمي. لأول مرة أشوف في عينيها الانكسار ده، مكنش ندم على اللي عملته فيا، كان رعب من الكلابشات اللي في جيب أمين الشرطة. كانت باصة لي بنظرة استجداء، نظرة البنت المدللة اللي متعودة تبوظ اللعبة ولما تتكسر تقول لماما تصلحها.
نور... مي همست وصوتها بيترجف نور وحياة بابا... متعمليش فيا كده. أنا شيطان ودخل بيننا، والله العظيم مكنتش أقصد أحرقك، أنا بس... أنا كنت متغاظة... كنت حاسة إني ولا حاجة جنبك... متخليهمش ياخدوني!
قمت من مكاني براحة. الروب الأبيض كان حافف على الأرض، وجسمي كله كان بينبض بالوجع، بس الوجع اللي في قلبي كان أقوى بكتير. وقفت قصادها بالظبط، بيني وبينها خطوة واحدة.
فاكرة يا مي؟ اتكلمت بصوت واطي ومبحوح، بس كل اللي في الأوضة سكتوا عشان يسمعوا فاكرة لما بابا كان في المستشفى في آخر أيامه؟ لما دخلتي عليه وقولتي له إنك ساقطة في مادتين في الكلية ومحتاجة فلوس للكورسات، وقام مديكي الفلوس اللي كان شايلها لعلاجه؟ بابا ساعتها قال لك شدي حيلك يا مي، أنا مش عايز أشوفك مكسورة. وأنا اللي كنت سهرانة جنبه بقيس له الضغط وبديله الدوا بالمعلقة.
مي نزلت راسها في الأرض ودموعها بدأت تنزل، بس أنا مكنش عندي دمعة واحدة أديها لها.
الفستان ده مكنش مجرد قماش وجبير وتطريز يا مي... الفستان ده كانت آخر ضحكة لبابا وهو بيشوفني. إنتي محققتيش انتقامك مني، إنتي دوستي على آخر حاجة سبتها من ريحته عشان ترضي النقص اللي جواكي.
بصيت للظابط، وبعدين بصيت للأستاذة فريدة وقلت بثبات غريب مكنتش أعرف إنه عندي أنا مش هتنازل عن حقي الجنائي، ولا هتنازل عن المحضر.
ماما صرخت صرخة
متابعة القراءة