المطعم كله سكت مرة واحدة لما ابن المعلم حكايات شروق خالد
المحتويات
لسه ماسكة في مريلة كلارا. وبعدين سألها
إنتِ اسمك كلارا إيه؟
كلارا فانس يا معلم.
ساكنة فين؟ كلارا اتوترت
في شبرا.
وأهلك؟
أمي عايشة... بس تعبانة شوية. وأنا اللي بصرف عليها.
رجب سكت، وبص ناحية مرزوق
هاتلي ملف البنت دي. مرزوق اتخض
حاضر يا معلم. كلارا رفعت راسها بسرعة
ليه يا معلم؟ أنا عملت حاجة؟ رجب بص لها ببرود
لسه هنعرف. قلبها وقع في رجليها. هي كانت محتاجة الشغل ده، وماكانش ناقصها مشكلة جديدة
والله يا معلم أنا ماقصدتش أتدخل... أنا بس شفت الواد بيعيط... رجب قاطعها
أنا ماقولتش إنك غلطتي. وبعدين بص لابنه، اللي كان غلبه النوم وهو متشبث بيها
بس ابني من ست شهور ما نامش في حضن حد... ولا حتى حضني.
كلارا ما ردتش. رجب قام من مكانه، وراح ناحية ليو. مد إيده، وبصوت أهدى من الأول، قال
يلا يا حبيبي... بابا هنا. ليو فتح عينه نص فتحة، وبص له. وبعدين شد مريلة كلارا أكتر
لأ... رجب وقف. السكوت اللي نزل على المطعم كان تقيل. كلارا بصت لرجب، وبعدين بصت لليو
ممكن أجرب حاجة يا معلم؟ رجب بص لها
جربي. كلارا قربت من ليو، وقالت له
بص يا حبيبي... بابا مش هيبعد. إنت ممكن تمسك إيدي، وتمسك إيد بابا كمان. ليو فضل ساكت. كلارا مدّت إيدها ناحية رجب، من غير ما تلمسه
هات إيدك يا معلم.
رجب بص لإيدها كأنه مش مصدق اللي بيسمعه
إيدي؟
آه... خليه يحس إنك هنا. من غير ما تشيله غصب عنه.
رجب كان طول عمره بيأمر الناس، وماحدش يقدر يقوله يعمل إيه. لكن في اللحظة دي، قدام ابنه، مد إيده. كلارا مسكت إيد ليو الصغيرة، وحطتها في إيد أبوه. الواد اتوتر في الأول، وحاول يسحب إيده. رجب ماشدش عليه. فضل سايب إيده مفتوحة. وقال بصوت مكسور
بابا هنا يا ليو... مش هسيبك.
الواد بص له. ثانية. اتنين. وبعدين، لأول مرة من شهور، قفل صوابعه الصغيرة على إيد أبوه. رجب أخد نفس عميق، وعينيه لمعت، لكنه حاول يخبي ده. كلارا ابتسمت ابتسامة خفيفة
شايف يا معلم؟ هو مش محتاج غير يحس إنك معاه. رجب رفع عينه لها. وفي اللحظة دي، تليفونه رن. رنّة واحدة. وبعدين رن تاني. رجب بص على الشاشة، ووشه اتغيّر تمامًا. الاسم اللي ظهر قدامه كان اسم واحد من رجاله المقربين. رد بصوت منخفض
أيوه. جاله صوت متوتر من الناحية التانية
يا معلم... لازم تيجي البيت حالًا. رجب قطّب حواجبه
في إيه؟ الراجل سكت لحظة، وبعدين قال
لقينا حاجة تخص المرحومة نادية... حاجة كانت مخبياها قبل ما تموت. رجب اتجمد. إيده شدت على التليفون
إيه هي؟ الصوت التاني رد
فيديو يا معلم... فيديو متسجل قبل الحادثة بيوم.
رجب بص ناحية ليو. وبعدين بص ناحية كلارا. اللي ماحدش كان يعرفه وقتها، إن الفيديو ده هيكشف سر يغيّر حياة رجب وابنه، وإن البنت اللي دخلت المطعم بكوباية لبن، كانت هتبقى جزء من أخطر ليلة في حياة المعلم المورتي. رجب فضل ماسك التليفون عند ودنه، بس مابقاش سامع غير دقات قلبه.
فيديو إيه يا وائل؟ اتكلم! صوت وائل جاله متوتر
الفيديو فيه الست نادية، يا معلم... وكانت بتتكلم عن ليو. رجب حس إن الدنيا ضاقت عليه
عن ابني؟
أيوه. وبتقول إن لو حصل لها حاجة، لازم نلاقي واحدة اسمها... كلارا.
رجب رفع عينه ببطء ناحية البنت اللي كانت قاعدة جنب ابنه. كلارا كانت بتربّت على ضهر ليو، اللي نام أخيرًا وهو ماسك في إيد أبوه. رجب ماقدرش يبعد عينه عنها
إنت متأكد من الاسم؟
متأكد يا معلم. كلارا فانس.
الموبايل كاد يقع من إيده. كلارا فانس. نفس الاسم اللي قالته من شوية. رجب قفل المكالمة من غير ما ينطق، وحط التليفون على الترابيزة. وبص لها
إنتِ تعرفي مراتي؟ كلارا رفعت راسها بسرعة
مراتك؟ لأ يا معلم، أنا عمري ما شفتها.
متأكدة؟
أيوه، متأكدة.
رجب قام من مكانه. الكرسي اتحرك ورا ضهره بصوت خشن، فكلارا اتخضت، وليو فتح عينه بنص وبدأ يتململ. رجب قرب منها خطوة
بصي في عيني وقوليلي... إنتِ اسمك كامل إيه؟ كلارا اتوترت
كلارا فانس.
وأمك اسمها إيه؟ السؤال ده خلّا وشها يتغير. سكتت لحظة، وبعدين قالت
سميحة. رجب حس إن دماغه وقفت
سميحة إيه؟
سميحة عبدالسلام.
حمدي، اللي كان واقف على بُعد، قرب من رجب وهمس
يا معلم... إنت كويس؟ رجب ما ردش عليه. فضل مركز مع كلارا، وبعدين قال
أمك كانت بتشتغل فين زمان؟ كلارا بصت له باستغراب
ليه الأسئلة دي كلها؟ صوته بقى أخطر
جاوبي. كلارا بلعت ريقها
كانت شغالة ممرضة في مستشفى في مصر الجديدة... من زمان. وبعدها بطلت.
رجب رجع خطوة. ممرضة. سميحة. الاسم اللي كان فاكره مدفون مع أسرار مراته. قبل ست شهور، نادية كانت قالت له جملة غريبة، وهو ما اهتمش بيها وقتها لو حصل لي حاجة، دور على سميحة... هي الوحيدة اللي تعرف الحقيقة. رجب كان فاكر إن نادية بتتكلم عن حد من أهلها. لكن دلوقتي، البنت اللي قدامه اسمها كلارا فانس، وأمها اسمها سميحة. والفيديو اللي فيه اسم كلارا موجود في بيت نادية. رجب مد إيده بسرعة ناحية حمدي
خد ابني. حمدي اتردد
بس يا معلم، الواد متعلق بالبنت. رجب بص لكلارا، وبعدين لليو
خده بالراحة. حمدي قرب، لكن أول ما حاول يشيل ليو، الطفل اتشبث في إيد كلارا وبدأ يصرخ
لأ! لأ! كلارا!
رجب اتجمد. دي أول مرة ابنه ينطق اسم حد غيره من غير عياط. كلارا بصت له، وعينيها اتملت دموع
معلش يا حبيبي... أنا هنا. رجب رفع إيده لحمدي
استنى. وبعدين بص لكلارا
إنتِ هتيجي معانا. كلارا شهقت
معاكم فين؟
البيت.
لا يا معلم، أنا عندي شغل... وأمي لوحدها. رجب قرب منها، وصوته بقى واطي
هتروحي لأمك، بس بعد ما نفهم إيه اللي رابطك بمراتي.
كلارا قامت بسرعة
أنا مالي ومال مراتك؟ أنا بنت غلبانة جاية أشتغل وأرجع آخر الليل، مش فاهمة إنت بتقول إيه! رجب ما ردش. طلع محفظته، وحط مبلغ كبير على الترابيزة. كلارا بصت للفلوس، وبعدين زقّتها ناحيته
أنا مش باخد فلوس على حاجة معملتهاش. لأول مرة، رجب اتفاجئ من رد حد عليه.
إنتِ فاكرة إني بشتريكي؟
أنا مش عارفة إنت فاكر إيه، بس أنا مش هروح مكان غصب عني.
حمدي حط إيده على سلاحه، لكن رجب بص له نظرة خلّته يبعد إيده فورًا. وبعدين قال لكلارا
تمام. محدش هيجبرك. بس اسمعيني كويس... فيه حاجة حصلت لمراتي قبل ما تموت، وممكن تكوني إنتِ مفتاحها. كلارا فضلت ساكتة. رجب كمل
ولو طلع إنك مالكيش علاقة، هترجعي شغلك، وهتاخدي حق الليلة دي كامل.
كلارا بصت لليو. الطفل كان بيبصلها بعينين نص نايمين، وإيده لسه ممدودة ناحيتها
هو... هياخدني معاه؟ رجب بص لابنه. وبعدها قال
هو مش هيرتاح غير وإنتِ معاه. كلارا غمضت عينيها لحظة. كانت عارفة إن رفضها ممكن يضيّع عليها الشغل، وإن قبولها ممكن يودّيها لمكان هي مش فاهمة عنه حاجة. لكن لما شافت ليو بيترعش كل ما تبعد عنه، قلبها وجعها
هروح... بس بشرط. رجب رفع حاجبه
شرط إيه؟
محدش يلمسني غصب عني، ومحدش يمنعني أمشي لو حسيت إني في خطر. رجب بص لها طويلًا
موافق.
مرزوق قرب، وهو مش مصدق اللي بيحصل
يا معلم... العربية جاهزة. رجب أشار لحمدي
خلي اتنين من الرجالة قدام، واتنين ورا. ومحدش يتكلم معاها. كلارا أخدت شنطتها الصغيرة من جنب المطبخ، وسارة جريت عليها
كلارا... إنتِ بتعملي إيه؟! كلارا حاولت تبتسم
مش عارفة يا سارة... بس لازم أعرف ليه الواد ده متعلق بيا كده. سارة مسكت إيدها
خدي بالك من نفسك. كلارا هزت راسها، ومشيت ناحية الباب. وفي اللحظة اللي خرجت فيها من المطعم، رجب كان واقف جنب عربيته السودا، وليو في حضن حمدي. الواد أول ما شاف كلارا، مد إيده ناحيتها
كلارا...
كلارا قربت منه، فمد إيده ومسك صباعها. رجب شاف المنظر، ووشه اتشد. هو كان فاكر إن ابنه فقد القدرة على التعلق بحد. لكن الطفل ده كان بيتعلق بالبنت دي كأنه يعرفها من سنين. ركبوا العربية. رجب قعد قدام، وكلارا قعدت ورا جنب ليو. حمدي كان ماسك الطفل، لكن ليو زحف ناحية كلارا، وحط راسه في حجرها. كلارا بصت لرجب من المراية
هو كده هينام؟ رجب رد من غير ما يلف
من ساعة ما أمه ماتت، ما نامش غير وهو بيعيط. كلارا سكتت. وبعد شوية، قالت
ممكن... تشغلوا قرآن واطي؟ رجب بص لها من المراية
ليه؟
عشان يهدى. رجب أشار للسواق
شغّل.
صوت القرآن ملأ العربية بهدوء. ليو غمض عينه، وكلارا فضلت تمرر إيدها على شعره بحركة خفيفة. بعد عشر دقايق، الطفل نام. رجب كان بيراقبهم من المراية. ولأول مرة من شهور، شاف ابنه نايم من غير ما جسمه ينتفض. لكن الهدوء ماكملش.
عربية بيضا ظهرت وراهم. وبعدين قربت. حمدي بص في المراية الجانبية، ووشه اتغير
يا معلم... في عربية لازقة فينا. رجب لف راسه. العربية البيضا كانت وراهم من أول كوبري أكتوبر. وبعد ثواني، زادت سرعتها. رجب قال للسواق
ما تغيرش طريقك. خلي بالك. حمدي حط إيده على سلاحه. كلارا رفعت راسها، وحست إن الجو اتبدل
في إيه؟ رجب ما ردش. العربية البيضا قربت أكتر. وفجأة، شباكها نزل. حمدي صرخ
انزلوا راسكم!
صوت رصاصة دوّى في الشارع. الزجاج الخلفي للعربية اتكسر، وكلارا ضمت ليو لصدرها من غير تفكير. رجب لف ناحية ابنه، وصوته خرج لأول مرة مليان خوف حقيقي
ليو! حمدي فتح باب العربية بسرعة، وبدأ يرد على المهاجمين. السواق زوّد السرعة، والعربية اندفعت وسط الزحمة. كلارا كانت حاضنة ليو، اللي صحى مرعوب وبدأ يصرخ
ماما! ماما! رجب مد إيده لورا
كلارا! انزلي تحت! كلارا كانت بتحاول تحمي راس الطفل بجسمها
أنا ماسكاه! رصاصة تانية خبطت في باب العربية. ليو بدأ يختنق من العياط. كلارا قربت وشها منه، وقالت بسرعة
بصلي يا حبيبي... خد نفسك. أنا هنا، سامعني؟ أنا هنا.
رجب كان بيبص لهم، لكن عينه لمحت حاجة غريبة. ليو، وسط الخوف والصريخ، كان ماسك في رقبة كلارا. وفجأة، قال كلمة واضحة. كلمة خلّت رجب يحس إن الدم اتسحب من جسمه
ماما... قالتلي... كلارا رفعت راسها. رجب قرب بجسمه ناحية الكرسي الخلفي
قالتلك إيه يا ابني؟ ليو بص لأبوه، وعينيه مليانة دموع. وبصوت متقطع، قال
ماما... قالتلي... كلارا هتيجي. العربية كلها سكتت. حتى حمدي، اللي كان بيبص وراهم، لف للحظة. رجب مسك ضهر الكرسي بإيده
إيه؟ ليو كمل وهو بيشهق
ماما... قالت... كلارا هتحميني.
كلارا حسّت بقشعريرة في جسمها. هي عمرها ما شافت نادية. على الأقل، ده اللي كانت فاكرَاه. رجب بص لكلارا، وصوته خرج ضعيف
إنتِ... إنتِ قابلتي مراتي قبل كده؟ كلارا هزت راسها بسرعة
والله ما قابلتها يا معلم! أنا ماعرفهاش! لكن ليو كان لسه بيبص لها، وبيكرر نفس الجملة
كلارا هتحميني... ماما قالت.
رجب سكت. وفي اللحظة دي، تليفونه رن. رقم مجهول. رد، وما اتكلمش. جاله صوت راجل بارد من الناحية التانية
لو عايز ابنك يفضل عايش، ابعد البنت دي عن بيتك. رجب عينيه اتحولت لنار
إنت مين؟ الصوت ضحك ضحكة قصيرة
اسأل مراتك... لو كانت لسه عايشة. وبعدين الخط اتقفل. رجب فضل ماسك التليفون، وعروق إيده بارزة. كلارا كانت باصة له، مش فاهمة
يا معلم... مين ده؟
رجب رفع عينه ليها. لأول مرة، ماكانش في نظرته غضب. كان فيه خوف. وخوفه ماكانش على نفسه. كان على ابنه... وعلى البنت اللي دخلت حياته بكوباية لبن، وبقت فجأة مطلوبة من ناس مستعدين يقتلوا عشان يبعدوها عنه. رجب قال للسواق
غيّر الطريق. حمدي بص له
هنروح فين يا معلم؟ رجب بص قدامه، وقال بصوت حاسم
على البيت القديم... بيت
متابعة القراءة